
هي المرة الأولى منذ قيام إسرائيل التي يجري فيها استخدام الوضع الداخلي في سورية لأغراض انتخابية في إسرائيل، مع اقتراب انتخابات الكنيست الـ26 المقررة في 27 أكتوبر 2026.
وتعد هذه الانتخابات، بالنسبة لنتنياهو الذي يعتبر نفسه زعيمًا تاريخيًا لإسرائيل، انتخابات وجودية يدخلها بكل ما يملك من أوراق، في ظل مناخ دولي ساخط على حكومته وعليه شخصيًا.
لذلك يواجه نتنياهو منافسة قوية من زعيم المعارضة غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب «ياشار» الجديد.
وفي حال خسارته هذه الجولة، سيكون بانتظاره محاكمات داخلية بسبب حرب 7 أكتوبر، ومحاكمات خارجية في لاهاي أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب بسبب المجازر التي ارتكبت في غزة.
وسط هذه المناخات والتحديات الانتخابية الداخلية والخارجية، حاول نتنياهو إقحام سورية في صلب حملته الانتخابية لتصوير نفسه كبطل قومي يدافع عن أمن إسرائيل ويحمي أمن الدروز، ليس في إسرائيل وإنما في المنطقة. وكشف خلال تجمع انتخابي لحزبه الليكود مع ممثلين عن الطائفة الدرزية في شمال إسرائيل أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس السوري أحمد الشرع في 15 يوليو 2025، وذلك بعد أن قصفت طائراته قصر الشعب وهيئة الأركان.
واللافت أن نتنياهو أبقى هذا الاتصال سرًا أكثر من عام، وحين قرر الكشف عنه اختار وقتًا يحقق له منفعة شخصية في حملته الانتخابية، مؤكدًا أن هذا الاتصال مع الرئيس الشرع أوقف المجزرة فورًا.
ويبدو أن نتنياهو أراد من الكشف عن اتصاله بالشرع أن يغطي على الجرائم التي ارتكبها في غزة، إضافة إلى التبجح والتفاخر بقوته كرئيس لست حكومات إسرائيلية متتالية، متجاهلًا كل الفضائح والانتهاكات المكشوفة التي قام بها.
وهكذا فإن نتنياهو يكذب الكذبة ويصدقها، ويزعم أنه أوقف المجازر ضد الدروز، وأنه سيواصل حماية الأقليات في سورية، كما زعم أن اليهود موجودون في الجولان السوري المحتل منذ زمن موسى. فهو كمن يغطي الشمس بالغربال، ويسعى لإقحام السويداء وأمن الدروز في سورية في إطار حملته الانتخابية المصيرية، لإظهار نفسه كرئيس حكومة مسالم يدافع عن حقوق الأقليات.
وكانت وسائل الإعلام العربية والدولية قد تابعت الإهانة التي تعرض لها نتنياهو وحكومته بعد انسحاب وفود 70 دولة خلال كلمته في الأمم المتحدة في سبتمبر 2036، كما تكرر المشهد ذاته عندما بدأ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ كلمته في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا «سيكا» بالعاصمة الأذربيجانية باكو، فانسحبت وفود دول عربية وإسلامية شملت وفود تركيا وإيران والكويت وباكستان وفلسطين ومصر والسعودية.
ومع أن هذه المظاهر المعادية لإسرائيل تبدو منسقة، فإن قادة كثير من الدول التي تستنكر الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، يقيمون في الوقت ذاته علاقات متينة مع إسرائيل، ورغم انسحاب تركيا من قمة «سيكا» فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التقى هرتسوغ في باكو.
ونتنياهو الذي يزعم أنه يدافع عن أمن الدروز في سورية، قام بزيارة استفزازية إلى الجولان السوري المحتل وإلى بلدة حضر الدرزية داخل المنطقة العازلة، في إطار حملاته الانتخابية ومشروعه الصهيوني لإقامة إسرائيل الكبرى على حساب الأرض العربية.
ولا شك أن التصرفات الإسرائيلية المهينة وتصاعد الاستفزازات الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل أربكت الشارع السوري، الذي عاش حالة من الصدمة وخيبة الأمل، فيما وجدت الحكومة نفسها بعد إعلان نتنياهو عن اتصاله بالشرع وكأنها تواجه فضيحة، وفي موقف محرج، رغم أن اجتماعات وزير الخارجية أسعد الشيباني تكررت مع مسؤولين إسرائيليين في باريس وباكو وعمان.
إلا أن الحكومة السورية لم تنفِ ولم تؤكد الاتصال بين نتنياهو والشرع، وإنما أعلنت رفضها إقحام دروز السويداء في السياسة الإسرائيلية. وقال مصدر حكومي سوري إن دروز السويداء جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، ويرفضون تسييسهم أو استخدامهم في الدعايات والانتخابات الإسرائيلية.
واتهم المصدر السوري إسرائيل بلعب دور كبير ومخطط له لضرب السلم الأهلي في السويداء خلال يوليو 2025 عبر تسليح «ميليشيا خارجة عن القانون» لإثارة الفوضى. كما لفت إلى دور أميركا في إيقاف الهجوم الإسرائيلي على دمشق.
وتبدو المعركة التي يخوضها نتنياهو معركة انتخابية بكل معنى الكلمة، يستخدم فيها جميع الأدوات المشروعة وغير المشروعة من أجل الفوز، وهو من أجل ذلك يعرض المساعدة على السعودية في حربها ضد اليمن، كما استخدم في حملته الانتخابية قضية الطائرة التابعة لشركة فلاي دبي التي كانت متجهة من الإمارات إلى تل أبيب وعلى متنها 160 إسرائيليًا، والتقى بالطيار المساعد بعد أن نجت الطائرة بأعجوبة من عمل إرهابي.
ويحاول نتنياهو إظهار نفسه بمظهر المخلص للمواطنين الدروز، وهو بذلك كالذئب يحمي الحملان. وإلا فكيف يمكن لمن يستبيح الجنوب السوري ويسعى لإقامة مناطق عازلة في لبنان وسورية وغزة والضفة الغربية أن يحمي أبناء المنطقة؟
ولا شك أن الدروز الذين يقاتلون في صفوف الجيش الإسرائيلي وجدوا في من يرفع العلم الإسرائيلي في السويداء وصور نتنياهو ضالتهم، لكن هذا واقع مشوه لا يعبر عن الحقيقة، وإنما يعكس حالة الخوف والقلق من تكرار ما حصل في السويداء خلال أحداث يوليو 2025 الدامية. كما أن أهالي الجولان السوري المحتل لم يترددوا في إصدار بيانات تندد بالممارسات الإسرائيلية والتوغلات في الأراضي السورية، وتؤكد أنهم مواطنون سوريون متمسكون بهويتهم الوطنية، كما أدانوا الدعوات الممالئة لإسرائيل وحكومتها المتطرفة.
ويبدو أن ما حاول نتنياهو ترويجه خلال حملته الانتخابية أصبح نهجًا إسرائيليًا يشترك فيه اليمين واليسار والحكومة والمعارضة، والمستويان السياسي والعسكري، إذ إن إسرائيل تريد استغلال الفرصة الحالية لتمكين مشروع الهيمنة على المنطقة واحتلال المزيد من الأراضي السورية، بحجة الخطر الذي يتعرض له أمنها القومي، وبحجة وجود حكومة إسلامية متطرفة في دمشق.
وفي هذا الإطار جاءت تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي حذر فيها الدروز صراحة من أن خسارة نتنياهو للانتخابات تعني تجدد الهجمات ضدهم في سورية، كما أن زعيم المعارضة آيزنكوت عزف على الوتر الطائفي أيضًا، وزعم أنه في حال فوزه فإنه سيحمي الدروز والأقليات الأخرى في سورية.
ولم تكن حكومة نتنياهو بحاجة إلى مبررات لاحتلال المزيد من الأراضي السورية، فالاعتداءات الإسرائيلية على سورية سبقت أحداث السويداء الدامية، والتي استمرت أربعة أيام من 12 يوليو وحتى التوصل إلى وقف إطلاق النار في 15 يوليو 2025. فسياسة قضم الأراضي وتدمير الأسلحة والمطارات والمواقع العسكرية والعمل على إقامة منطقة عازلة بدأت منذ اليوم الأول لسقوط النظام، ولا تزال مستمرة، في إباحة للأرض السورية وانتهاك للسيادة، واحتلال لمرصد جبل الشيخ، وحفر للخنادق، وبناء للمواقع والقواعد داخل الأراضي السورية على أرض القنيطرة ودرعا، وتقطيع لأوصال الجنوب السوري، ضمن مشروع «سوفا 53» على طول الحدود داخل المنطقة العازلة.
ومع أن حكومة الشرع تتجنب الصدام المباشر مع إسرائيل وتسعى إلى سد الذرائع وتطالب المجتمع الدولي والولايات المتحدة بلجم إسرائيل وتطبيق القرار 1974، ومنعها من التدخل في الشؤون الداخلية السورية، يرى محللون أنه في حال تمادت إسرائيل أكثر في الضغط واستفزاز سورية، فإن سورية، رغم قدراتها العسكرية المحدودة واعتمادها على الحوار والدبلوماسية مع الجميع لاستعادة التعافي، تملك خيارات عديدة للجم إسرائيل. ومن هذه الخيارات طرح فكرة عودة الدوريات الروسية إلى نقاط التفتيش في الجنوب السوري، لتكون إلى جانب قوات «الأندوف» بمثابة قوة فصل، فمن جهة تعطي إسرائيل ضمانة بمنع اقتراب عناصر متطرفة تهدد أمنها، ومن جهة ثانية تحافظ على وحدة سورية وتضمن أمنها وسيادتها وتعيد السويداء إلى حضن الوطن.
يحيى كوسا

