
مع اقتراب الوضع في الشرق الأوسط من حافة الانهيار التام والانفجار الشامل، بسبب إغلاق هرمز والحصار الأمريكي البحري على إيران والحرب الدامية بين السعودية والحوثيين، دفعت روسيا بكامل ثقلها السياسي والدبلوماسي في محاولة لوقف التصعيد والعودة إلى طاولة الحوار، على الرغم من انشغالها بالحرب في أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، عقد في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في المنامة الاجتماع التاسع للحوار الاستراتيجي الروسي الخليجي، بمشاركة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى جانب نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك قبل أن يقوم لافروف بزيارة إلى طهران حيث التقى كبار المسؤولين الإيرانيين في زيارة هي الأولى له منذ بدء الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026.
فبعد لقاء الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في طهران، وإجراء مشاورات معمقة وصريحة حول العلاقات الاستراتيجية الروسية الإيرانية، أكد لافروف أن روسيا مستعدة للمساعدة الدبلوماسية لإعادة المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، والعمل على تأمين مضيق هرمز وعدم العودة إلى الحلول العسكرية.
وجاء التحرك الروسي وجولة لافروف إلى كل من المنامة وطهران في ظل تصاعد الحرب بين السعودية والحوثيين وتهديدات ترامب ونتنياهو بمهاجمة إيران من جديد، حيث وجه صانع السياسة الروسية، الوزير المخضرم سيرغي لافروف، رسالة واضحة إلى جميع الأطراف حذر فيها من حرب شاملة لا تبقي ولا تذر، بعد إطلاق عملية فجر اليمن وتعثر المحادثات بين إيران وأمريكا وتراجع واشنطن عن تطبيق مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في 17 يوليو/تموز 2026، والتي كانت موسكو تعتبرها فرصة لتحولات إيجابية كبرى، غير أن مدة تنفيذ المذكرة المحددة بـ 60 يوما انقضت دون تنفيذ أي بند من بنودها.
وفي المقابل، يستمر إغلاق مضيق هرمز الذي تسبب بأزمة اقتصادية غير مسبوقة في معظم دول العالم وفي أوروبا وأمريكا، في وقت يدور فيه الحوار والمشاورات حول خطة إيرانية جديدة من سبع نقاط تقضي بفتح مضيق هرمز مقابل منح إيران جزءا من الأموال المجمدة وفك الحصار البحري الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة بواسطة عشرات السفن والبوارج وثلاث حاملات طائرات، في حين ينتظر الجميع نتائج الانتخابات النصفية في أمريكا في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وانتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حيث يدور الحديث عن احتمال استئناف القتال.
وفيما تمر إيران بوضع اقتصادي خانق وتواجه حملة سياسية واسعة ضدها بسبب حرب اليمن، جاءت المحادثات والمشاورات الروسية الإيرانية التي أجراها الوزير لافروف مع القيادة الإيرانية لتؤكد متانة العلاقات بين موسكو وطهران بعد المصادقة على الاتفاقية الاستراتيجية بين البلدين، حيث تم بحث العلاقات الثنائية والملف النووي الإيراني وسبل الحفاظ على مصالح البلدين.
وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف المحادثات والمشاورات الروسية الإيرانية بالمثمرة، وأكد أهمية تطوير العلاقات بين روسيا وإيران وفقا لاتفاقية التعاون الاستراتيجي، مشيرا إلى أن روسيا لن تتنازل عن الاتفاقية مع إيران، ولا سيما لجهة التعاون التقني والاقتصادي، داعيا إيران إلى فتح هرمز كما كان قبل الحرب.
وأمام هذه التعقيدات والمخاطر التي تهدد الأمن والسلام في الشرق الأوسط، دفعت روسيا بالوزير لافروف في هذه الجولة الهامة إلى الخليج وإيران. وجاء اجتماع المنامة بين لافروف ونظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي في 17 تشرين الأول/أكتوبر في توقيت حساس، حيث تمر المنطقة والعالم بلحظة خطيرة جراء تفاقم الصراع العسكري المباشر والمخاوف الدولية حول إغلاق مضيق هرمز وأمن الطاقة والملاحة.
فالرسالة الروسية في مقاربة الأوضاع الأمنية والعسكرية في الشرق الأوسط تتمثل بالدعوة إلى الحوار وتغليب الحل السياسي ورفض الحلول العسكرية التي تدفع إليها واشنطن في اتجاهات عدة، حيث ترفض واشنطن أي نظام أمني جديد في الخليج خارج مظلة الحماية الأمريكية التي ثبت أنها كذبة كبرى.
وخلال الجلسة العامة للحوار الاستراتيجي الروسي الخليجي، أعلن كل طرف موقفه ومساره السياسي والأمني والاقتصادي، وكان لافتا أن لافروف حمل معه مبادرة أمنية روسية حول مفهوم روسيا للأمن الجماعي في منطقة الخليج، والدعوة إلى العودة إلى المسار الدبلوماسي والحوار وتجنب التصعيد.
وفيما هيمنت على اجتماع الحوار الاستراتيجي الروسي الخليجي التاسع عملية فجر اليمن العسكرية بين السعودية والحوثيين، حذر لافروف من أن الشرق الأوسط يقف على حافة حرب شاملة، مشددا على ضرورة العودة إلى خارطة الطريق التي وقعتها السعودية والحوثيون في ديسمبر/كانون الأول 2023، والقاضية بوقف إطلاق النار في اليمن واعتماد الحل السياسي. كما دعا لافروف إلى العودة إلى تفاهمات إسلام أباد ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.
في المقابل، أشادت دول الخليج، على لسان الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي ووزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني، بالمواقف الروسية الداعية إلى التهدئة، ودعت دول الخليج روسيا إلى توظيف علاقاتها الاستراتيجية مع إيران ومكانتها في مجلس الأمن لدفع إيران إلى الالتزام بالقرارات الأممية.
ومع أن العلاقات الروسية مع دول الخليج ترتكز على المصالح المشتركة، فإن حجر الزاوية في هذه العلاقات هو التعاون الروسي السعودي في إطار تحالف أوبك+ منذ العام 2016. وقد حافظ هذا التعاون، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، على ضبط توريدات النفط إلى الأسواق العالمية بأسعار مناسبة رغم الضغوط الأمريكية على المملكة العربية السعودية لزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق خلال إدارة بايدن، لكن الرياض حافظت على حصتها من أجل تثبيت الأسعار.
وعلى هذا الصعيد، أكد لافروف أن التبادل التجاري بين روسيا ودول مجلس التعاون ارتفع 45 بالمئة خلال العام الماضي، وتشمل خطة العمل الاقتصادية حتى العام 2028 التعاون في المجالات السياسية والتجارية والطاقة والثقافة.
إذا كانت الأمور بنتائجها، فيمكن القول إن روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين استطاعت أن تحول العلاقات الروسية مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات وقطر، من مجرد تمثيل دبلوماسي عادي خلال الحرب الباردة إلى شراكة استراتيجية واقتصادية متينة، وإلى خطط وشراكات أثمرت من خلال الدور الذي لعبته السعودية والإمارات في إبرام صفقات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وفي استضافة محادثات ثنائية روسية أوكرانية، والتشاور الدائم ضمن منظمة أوبك+، فضلا عن أن موقف دول مجلس التعاون الخليجي بقي متوازنا ويدعو إلى الحوار والدبلوماسية بين موسكو ونظام كييف، وكذلك هو موقف روسيا من الحرب الناشبة بين السعودية والحوثيين وبين أمريكا وإيران. فموسكو ترفض الحل العسكري وتدعو إلى وقف الحروب في الشرق الأوسط.
ورغم كل الإغراءات الأمريكية التي يقدمها ترامب عبر رفع جزء من العقوبات عنها وإبرام صفقة الديزل الروسي والضغط على أوكرانيا لإنهاء الحرب، وكل ذلك لاسترضاء موسكو وإعادة النظر في دعمها لإيران، فإن روسيا لا تزال تقدم الدعم بكل أشكاله إلى إيران، وقد استخدمت الفيتو في مجلس الأمن بعد بدء الحرب الأمريكية ضدها لمنع تمرير أي قرار ضدها، وفي المقابل أكدت موسكو على تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، وبخاصة اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين موسكو وطهران.
ولا شك أن زيارة لافروف إلى طهران ومشاركته في الاجتماع التاسع للحوار الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة، وبالنظر إلى العلاقات الجيدة بين روسيا وإدارة ترامب والعلاقات الروسية المتوازنة والجيدة مع دول الخليج وإيران معا، فإن مواقف الكرملين والسياسة الروسية تلقى آذانا صاغية عند الجميع. وهذه المواقف والسياسات تتناقض مع سياسة الهيمنة الأمريكية وسياسة شريعة الغاب التي ينتهجها ترامب ونتنياهو معا ضد شعوب ودول المنطقة بهدف إشعال حروب طائفية.
ومن هنا، فإن شعوب المنطقة والعالم تعول على مواقف روسيا كدولة عظمى تحترم القانون الدولي ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، كما تعول على القيادة الروسية لبذل المزيد من الجهود لإنهاء الحروب ومعالجة أزمة الطاقة والملاحة البحرية، وتسخير قوة الدبلوماسية الروسية مع جميع الأطراف في الشرق الأوسط لإعادة الأمن والسلام إلى ربوع المنطقة.
يحيى كوسا

