سوريا تقترب من تجاوز “قيصر”.. آخر عقبة في مسار التعافي الاقتصادي

فيما تحتفل سوريا بالذكرى السنوية الأولى للتحرير، يبرز إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة بموجب “قانون قيصر” نقطة تحول بارزة باعتباره العقبة الأخيرة أمام مسار التعافي الاقتصادي وفق خبراء.
وأُدرج القرار ضمن تعديل على قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي، الذي أُقر ليل الأحد-الاثنين، بالتوافق بين مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس الأميركي، ومن المقرر التصويت عليه خلال أيام، قبل إحالته إلى الرئيس دونالد ترامب لإقراره رسمياً.
وجاء في نص القرار: “يُلغى بموجب هذا قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، في موعد لا يتجاوز 90 يوماً بعد تاريخ سنّ هذا القانون”.
ويتيح هذا الإلغاء، بحسب خبراء، المجال أمام عودة الاستثمارات الأجنبية، وفتح الأسواق، وتحفيز القطاعات الإنتاجية التي عانت خلال سنوات العقوبات.
ويرى خبراء اقتصاديون أن رفع هذه القيود سيعزز النمو من خلال تحريك رأس المال، وزيادة الصادرات، وتحفيز الطلب المحلي، فضلاً عن إعادة تفعيل القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات في الزراعة والصناعة والبنية التحتية، ما قد ينعكس مباشرة على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين ودعم عملية إعادة الإعمار.
تحول مهم
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش، لصحيفة “الثورة السورية”: إن إلغاء العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” يمثل نقطة تحول مهمة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويعكس تغيراً جوهرياً في السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد فترة طويلة من التقييد والعقوبات.
وأضاف عربش أن رفع هذه العقوبات سيحفز دخول الاستثمارات الأجنبية من الولايات المتحدة ودول أخرى، التي كانت تترقب التطورات في الملف السوري، حيث شكلت العقوبات عائقاً رئيسياً أمام تدفق رؤوس الأموال وتراجع نشاط القطاع الخاص.
وأشار إلى أن رفع العقوبات سيعزز فرص التنمية الاقتصادية وسلسلة الإمداد، ويدعم استقرار بيئة الأعمال، ما سيكون له أثر مباشر على إعادة الإعمار والتنمية المستدامة في سوريا، خاصة أن القرار دائم وليس مؤقتاً.
وشدد على ضرورة استثمار الفرص المتاحة بكفاءة، وتوظيف الأموال في المشاريع الصحيحة، مع الالتزام بمعايير الشفافية لضمان مسار تعافي شامل، ومنح الأولوية لعودة المهجرين وقطاعي التعليم والصحة.
مرحلة جديدة
قال الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، لصحيفة “الثورة السورية”: إن قرار الكونغرس الأميركي إلغاء “قانون قيصر” نهائياً دون أي شروط يُمثل تطوراً دراماتيكياً يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وأكد أن توقيت الإلغاء، بالتزامن مع الذكرى الأولى للتحرير، يعكس إدراكاً أميركياً بأن المرحلة الجديدة في سوريا تتطلب أدوات سياسية واقتصادية مختلفة، بعد سنوات من العزلة والعقوبات التي فرضها القانون منذ صيف العام 2020.
واعتبر أن القرار يعكس رغبة أميركية في تشجيع الاستقرار وإعادة الإعمار، وربما أيضاً في تقليص النفوذين الروسي والإيراني في سوريا.
فرص وتحديات
أكد قوشجي أن “قانون قيصر” كان طوقاً خانقاً للاقتصاد السوري، إذ شلّ قطاعات حيوية مثل الطاقة والبناء والمصارف، ومنع أي استثمار خارجي جاد، ومع إلغائه، يُتوقع أن تشهد سوريا عودة تدريجية للاستثمارات الإقليمية والدولية، خاصة من دول الخليج، وتحسناً في سعر صرف الليرة نتيجة تدفق العملات الأجنبية، مع إعادة تفعيل القطاعات الإنتاجية، ولاسيما الزراعة والصناعة والبنية التحتية، وانفراجاً نسبياً في الأوضاع المعيشية وتوافر السلع الأساسية.
ورغم أهمية القرار، يوضح قوشجي أن الطريق إلى التعافي “ليس مفروشاً بالورود”، فغياب آلية لإعادة فرض العقوبات لا يعني غياب الرقابة الدولية، كما أن البيئة الاستثمارية في سوريا ما زالت بحاجة لإصلاحات قانونية ومؤسساتية جذرية، وأضاف أن بناء الثقة الشعبية والمؤسسية يتطلب شفافية وعدالة ومصالحة وطنية.
ولفت إلى أن إلغاء “قانون قيصر” دون شروط يمثل فرصة تاريخية، لكنه أيضاً اختبار للدولة السورية الجديدة: هل ستستثمر هذه اللحظة لبناء اقتصاد منتج وشفاف وعادل؟ أم ستُهدر كما أُهدرت فرص سابقة؟ الإجابة ستحدد مستقبل الاقتصاد وشكل الدولة السورية في العقود القادمة.

