
ردت روسيا على قصف مقر إقامة الرئيس بوتين في نوفغورود بصاروخ “أوريشنيك”… وتسود حالة من الرعب والخوف في أوروبا…
يحاول الأوروبيون التعويض عن ضعفهم وعجزهم أمام روسيا وقوتها، بصفتها أقوى دولة أوروبية بلا منازع، رافضين الاعتراف بالحقائق والوقائع التي تظهر أمام أعينهم من هزيمة تاريخية – سياسية وعسكرية – لحقت بأوكرانيا، وانتصار واضح وضوح الشمس لروسيا. فأوروبا لا تريد الاعتراف بهزيمتها، وهي تعوض عن خسارتها الحرب بحملة أكاذيب وأضاليل لتشويه صورة روسيا أمام الرأي العام العالمي وأمام مجلس الأمن، عبر عقد المزيد من الاجتماعات والمؤتمرات والدعوة لعقد جلسة لمجلس الأمن بحجة مناقشة التصعيد الروسي. مع العلم أن أوكرانيا خرقت كل القواعد وكل القوانين باستهداف مقر إقامة الرئيس بوتين في نوفغورود في التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو الهجوم الذي وصفته موسكو بأنه هجوم إرهابي، وأعلنت أنها ستقوم بالرد على هذا الهجوم. وقد استمرأت الدول الأوروبية الدفاع عنه، وأكدت أنه مجرد هلوسات روسية. فيما كان لافتاً أن الرئيس ترامب راح يتماهى مع الرواية الأوروبية التي تنكر حصول الهجوم على مقر الرئيس بوتين…
هي عقدة النقص التي تشعر بها أوروبا تجاه روسيا… وهي عقدة واقعية كشفتها مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد ظهرت أوروبا بكل قِصَارها وقضِيضِها – بدولها الكبيرة النووية كفرنسا وبريطانيا، والصناعية كألمانيا وإيطاليا – خاوية لا قرار لها ولا إرادة سياسية ولا وزن ولا قيمة بدون الحماية الأمريكية… فأوروبا تخشى الاعتراف بالهزيمة، فإذا ما قصفت أوكرانيا المنشآت المدنية الروسية فإن أوروبا تشجعها، وإذا ما ردت روسيا فإن أوروبا تبدأ بالصراخ والعويل وتستجير بأمريكا، التي أصبحت على عهد ولاية ترامب تعرف من أين تؤكل الكتف. ولهذا فإن ترامب يريد أن يجعل أوروبا تدفع ثمن الحماية الأمريكية، وتدفع ثمن الأسلحة الأمريكية، وثمن بقاء الناتو، وثمن بقاء الجنود الأمريكيين في أوروبا، وثمن الحرب التي يخوضها أوكرانيا بالنيابة عن أوروبا. وهي الحقيقة التي عرف ترامب كيف يستغلها، فراح يسلّ بلاده من الحرب وتداعياتها كما تسل الشعرة من العجين، وصولاً إلى اجتماع “تحالف الراغبين” الذي حضرته الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة بالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، وذلك لكتابة آخر فصل لها بالاشتراك مع أوروبا فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا. فالمشروع الأمريكي في أوكرانيا أصبح منفصلاً تماماً عن المشروع والخطة الأوروبية. فأوروبا تريد ضمانات تخفف من وقع الانتصار الروسي في أوكرانيا، أما الولايات المتحدة فإنها تسعى لمضاعفة المخاوف الأوروبية والروسوفوبيا التي تسيطر على أوروبا، لأن ذلك يخدم مصالحها وهيمنتها على القارة العجوز…
ويمكن أن نتعرف على ضآلة الموقف الأوروبي وضعفه من خلال جريمة قصف مقر الرئيس بوتين في نوفغورود. فما أن أعلنت روسيا الهجوم ووصفته بالإرهابي حتى لاذت أوروبا بالصمت. وعندما ردت روسيا بقصف أهداف عسكرية هامة في العاصمة كييف ومقر صناعة الطائرات المسيرة في مدينة لفيف على الحدود مع أوروبا بصاروخ فائق الصوت من نوع (أوريشنيك) – الذي تبلغ سرعته 13 ألف كم/ساعة وهو يستطيع أن يطال أي هدف على سطح الأرض بدقة – عندما ردت روسيا على الهجوم الذي استهدف مقر إقامة الرئيس، جن جنون أوروبا وتمت الدعوة لاجتماع مجلس الأمن.
والمفارقة أن كل المواقف والخطوات التي تقوم بها أوروبا بخصوص الحرب في أوكرانيا تتعارض مع التوجهات الأمريكية. فاجتماع “الراغبين” الذي حضرته واشنطن وثلاثين من الدول الأوروبية والمنظمات، كانت واشنطن تشارك فيه لمجرد رفع العتب ومحاولة التخفيف من الغلو الأوروبي في معاداة الروس، رغم أن أمريكا لم تعترض على إرسال قوات أطلسية إلى أوكرانيا، الأمر الذي تعارضه روسيا بشدة وتعتبر أن أي قوات أوروبية ستكون هدفاً مشروعاً لقواتها المسلحة.
كما أن واشنطن تريد من خلال اجتماع مجلس الأمن مجاراة أوروبا وعدم الوقوف في وجهها، خاصة أنها منخرطة بشكل رئيسي بحل الأزمة في أوكرانيا عبر خطة السلام الأمريكية التي يريد ترامب تطبيقها دون مشاركة أوروبا. وقد ظهر حرص ترامب وبوتين خلال المفاوضات على استبعاد أوروبا، التي تسعى للنفاذ إلى ساحة المفاوضات عبر التلصص من النوافذ واستراق السمع عما يقوله الروس والأمريكيون، الذين يرسمون معاً الخطط التي تسمح لروسيا بعد الحرب أن تحل محل أمريكا التي تهيمن على أوروبا بقوتها منذ الحرب العالمية الثانية.
وأمام التململ الأوروبي والهروب إلى الأمام ومواصلة الحرب، فقد وجهت روسيا سلسلة ضربات قوية ضد المنشآت الصناعية الأوكرانية، وأكدت وزارة الدفاع قصف كييف ولفيف وتدمير مصنع للطائرات المسيرة ومراكز الطاقة والبنية التحتية للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني. وأكدت موسكو أنها استخدمت للمرة الثانية صاروخ “أوريشنيك” فائق الصوت خلال قصفها الليلي المكثف على أوكرانيا، الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص على الأقل في كييف. أما أوكرانيا فقد اعتبرت أن هذه الضربات تشكّل “تهديداً خطيراً” لأوروبا و”اختباراً” للغرب.
فيما اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن الهجمات الروسية التي جاءت رداً على قصف مقر إقامة الرئيس بوتين في نوفغورود تعد بمثابة تحذير لأوروبا وأمريكا. وحذرت كالاس من أن استخدام روسيا صواريخ “أوريشنيك” يمثل تصعيداً واضحاً ضد أوكرانيا، وطالبت الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بتعزيز مخزوناتها من أنظمة الدفاع الجوي.
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فقد دعا واشنطن إلى اتخاذ رد فعل على استخدام روسيا صاروخ “أوريشنيك” متوسط المدى والقادر على حمل رأس نووي في هجوم جديد ضد أوكرانيا.
ويناقش مجلس الأمن يوم الاثنين في الثاني عشر من الشهر الجاري الوضع في أوكرانيا، بعد التطورات السياسية الهامة التي نتجت عن المبادرة الأمريكية وخطة السلام التي تبناها الرئيس ترامب وحازت على موافقة موسكو، وتتركز على وقف الحرب وتقديم ضمانات واسعة لأوكرانيا… غير أن إصرار أوروبا خلال اجتماع “تحالف الراغبين” على نشر قوات أطلسية في أوكرانيا ربما يفسد خطة ترامب التي وصلت إلى مرحلة متقدمة من النقاشات والحوارات مع كل الأطراف، حتى أن زيلينسكي نفسه أعلن أنه لم يبق إلا القليل للتوصل إلى اتفاق، وقال: “تم حل أكثر من 90% ولم يبق إلا القليل”.
ويبدو أن ذلك كان خدعة أوروبية خلال اجتماع “تحالف الراغبين” نسخت الخطة الأمريكية من جذورها أو أفرغت خطة ترامب من مضمونها. وكان قرار “تحالف الراغبين” في باريس من خارج التفاهمات التي توصل إليها الرئيسان ترامب وبوتين خلال المحادثات الهاتفية في عيد الميلاد، وقبل ذلك خلال القمة الروسية الأمريكية في ألاسكا. وكان من المقرر أن يعاود الرئيس ترامب الاتصال مع الرئيس بوتين بعد قمة باريس لـ”تحالف الراغبين”، والذي ناقش الترتيبات والضمانات الأمنية لأوكرانيا. غير أن التطورات الميدانية المتسارعة والوضع في فنزويلا ربما ساهما في تأخير الاتصال بين الرئيسين، مع العلم أن روسيا ترفض بشكل قاطع وجود قوات أطلسية على الأراضي الأوكرانية. وربما يتوقف مصير الخطة الأمريكية، التي يتم الاشتغال على نجاحها منذ عدة أشهر، على تراجع واشنطن عن مسألة نشر قوات أوروبية بقيادتها في أوكرانيا.
ربما تنجح أوروبا المعروفة بمكرها وخداعها في تعطيل خطة ترامب للسلام في أوكرانيا، لأن ترامب في نهاية الأمر تاجر ورجل أعمال وليس سياسياً بارعاً، وربما تنطلي عليه الخدعة الأوروبية. ولكن ما لا يستطيع فعله الأوروبيون بخداعهم هو أن الجيش الروسي بات الرقم الصعب في أوروبا، بعد التحديثات التي أجراها على مختلف أنواع الأسلحة خلال الحرب مع أوكرانيا، والتي أكدت بما لا يدع مجالاً للشك بأن القوات الجوفضائية الروسية باتت تتفوق على جميع مثيلاتها في الغرب. وهذا الواقع العسكري المتفوق الذي وصلت إليه روسيا الاتحادية، بعد أن ظنها الغرب بعد سقوط جدار برلين وبعد الحرب في أوكرانيا ستفقد قوتها وستغدو مجرد مساحة جغرافية واسعة وخاوية، ولكن خاب ظنه. وقد استطاع فذّ الرئيس بوتين بقيادته أن يحول الجغرافيا الروسية والجيش الروسي إلى عاملين أساسيين لقيامة روسيا من جديد كدولة عظمى، لها هيبتها ومكانتها المرموقة بين الأمم، الأمر الذي يخيف أوروبا التي تفقد عقلها أمام صمود روسيا وإقرار الجميع بانتصارها وهزيمة أوكرانيا ومعها الناتو بقِصَاره وقضِيضِه…

