
ترامب يعد قادة إيران بالقتل… والكونغرس يفشل في لجم جماحه…
قامت قيامة منطقة الشرق الأوسط منذ لحظة إطلاق الموجة الأولى من الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والتي قتلت المرشد الأعلى الخامنئي وأفرادا من أسرته ونحو ألف شخص بينهم عشرات التلميذات الصغيرات في مدرسة ميناب، في وقت كان العالم ينتظر جولة المفاوضات الثالثة في جنيف..
وكما كان متوقعا، اختارت إيران بعد الضربة الأولى توسيع الحرب إلى أبعد المديات وفتحت جميع الجبهات.. وتحولت منطقة الشرق الأوسط إلى كتلة من النار تأكل الأخضر واليابس وتحرق البشر والشجر والحجر، وتمتد إلى الملاحة البحرية. وقد توقفت أكثر من ثلاثمائة ناقلة في الخليج بلا حراك بعد قرار إيران إغلاق مضيق هرمز الذي يعد – بالنسبة لأهميته في ممارسة الضغط على الولايات المتحدة – أهم جبهة من جبهات القتال التي تستخدمها إيران لردع الهجوم والضغط لإيقاف الحرب، بالتوازي مع فتح المزيد من الجبهات وفي مقدمتها جبهة لبنان التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى جبهة لحرب شاملة مفتوحة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله في البر والجو.
ففي مقابل كل غارة للاحتلال هناك صاروخ يطلقه حزب الله، ومقابل كل إنذار لإخلاء مناطق الجنوب والضاحية هناك إنذار من حزب الله بإخلاء المستوطنات في شمال إسرائيل. ورغم اختلال موازين القوى، إلا أن الأسبوع الأول من الحرب كان ورطة لترامب ونتنياهو، لأن إيران تقول إنها لم تضرب حتى الآن ضربتها الكبرى….
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد حافظت خلال مشاركتها في حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران في منتصف العام 2025 على هيبتها العسكرية كدولة عظمى، إلا أنها اليوم في هذه الحرب تفقد هذه الهيبة أخلاقيا وسياسيا وحتى عسكريا ومعنويا، وتتعرى أمام الرأي العام العالمي وأمام الداخل الأمريكي. وتبدو إدارة ترامب في ورطة حقيقية وهي تحاول استخدام كل قدراتها وإمكاناتها لتحقيق نصر سريع على إيران، التي استطاعت من خلال استهداف القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أن تكسر هيبة أمريكا وأن توسع نطاق الحرب كما كانت تحذر حتى قبل اندلاعها. وقد كشفت إيران القواعد العسكرية الأمريكية في السعودية والكويت والبحرين والإمارات والأردن والعراق، وحولتها إلى عبء على الأساطيل والبوارج وحاملات الطائرات الأمريكية. وشاهد العالم تلك القواعد تحترق، كما شاهد العالم الجنود الأمريكيين وهم يفرون من قواعدهم مذعورين، وشاهدوا الطائرات الأمريكية تسقط في الأجواء الخليجية. عدا عن الخسائر المادية، فمع كل يوم ترتفع أسعار النفط حتى وصلت في اليوم الثامن من الحرب إلى 88 دولارا للبرميل الواحد. فيما تقدر كلفة الحرب اليومية لإسرائيل بأكثر من ملياري دولار أمريكي.
ومع أن إيران قدمت تنازلات كبيرة على صعيد مشروعها النووي وأعلنت استعدادها لتجميد هذا المشروع، إلا أن الصواريخ البالستية الإيرانية التي وصل لظاها إلى جميع القواعد الأمريكية وإلى إسرائيل ومدنها ومستوطناتها وقواعدها كانت السبب الأساسي لاندلاع هذه الحرب التي أجبر الرئيس ترامب على خوضها بعد سبع زيارات قام بها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى واشنطن. وقد نجح في زيارته الأخيرة بإقناع ترامب على خوض حرب ليست حربه، وهي الحرب التي لن ينتصر فيها ترامب أبدا، وإنما الرابح فيها خسران….
فالصواريخ الإيرانية تصل جميع الأراضي في إسرائيل، ومع دخول صاروخ خرمشهر 4 لأول مرة الخدمة ودخول حزب الله اللبناني الحرب، باتت المهمة أكثر صعوبة أمام إسرائيل وأمريكا، وبات توسع الحرب أمرا واقعا….
وبينما تعيش إيران أياما عصيبة وتتعرض لما يشبه الغزو الجوي وتصر على الدفاع عن سيادتها وكرامتها، إلا أن المفارقة العجيبة أن إسرائيل على عكس ترامب تريد إطالة أمد الحرب حتى تحقيق أهدافها بالقضاء على برنامج إيران الصاروخي.
واليوم بعد ثمانية أيام من بدء الحرب، تحولت منطقة الشرق الأوسط برمتها والمحيط الهندي وبحر العرب إلى ساحة للقتال، وباتت إسرائيل بقضها وقضيضها والقواعد الأمريكية والبوارج وحاملات الطائرات وأكثر من خمسين ألف جندي أمريكي أهدافا مكشوفة وسهلة لصواريخ خرمشهر وخيبر وفتاح الإيرانية..
ورغم أن أحدا لا ينتظر أن تحقق إيران النصر على أمريكا وإسرائيل، إلا أن التنسيق المشترك وتزامن الهجمات الصاروخية على إسرائيل بين إيران وحزب الله اللبناني تسبب بخسائر كبيرة لإسرائيل التي تواجه مشكلة حقيقية لعدم كفاية المنظومة الصاروخية الدفاعية لديها لصد مئات الصواريخ والطائرات المسيرة. عدا عن إعلان إيران عن تدمير منظومات ثاد الأمريكية في قاعدة السلطي بالأردن، وتدمير المنظومات الأمريكية في القواعد الأمريكية في البحرين، فباتت صواريخ أمريكا اليوم التي تنطلق من البوارج وحاملات الطائرات شبه عمياء. عدا عن إعلان إيران أكثر من مرة عن استهداف حاملة الطائرات إبراهام لينكولن التي تبعد عن إيران أكثر من 320 كم في عمق المحيط بصاروخ خرمشهر 4……
وفيما تتوالى البيانات العسكرية والتصريحات من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في واشنطن وتل أبيب وطهران، دون أن يجد المتابع بصيص أمل لوقف سفك الدماء، فإن الحرب تتحول إلى حرب إقليمية مع دخول حزب الله والدول الخليجية في قلب معادلات الصراع والاستهداف، وسط مخاوف جدية من اتساعها أكثر لتصبح حربا عالمية، خاصة وأن إدارة ترامب تفاخر بأن الهدف الثاني ستكون كوبا، وأن مسألة إسقاط النظام في إيران والقضاء على برنامج إيران الصاروخي هو الهدف من الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على مستويين عسكري ونفسي ضد إيران.
فأمريكا تريد إسقاط إيران خلال أيام، وها هو الرئيس ترامب يعلن على رؤوس الأشهاد أن كوبا بعد إيران ستكون الهدف التالي، في إشارة توحي أن الحرب في إيران تقترب من نهايتها، وأن أمريكا ستحسم أمر إيران بنفس الطريقة التي تعاملت فيها مع فنزويلا…
ولكن على الجهة المقابلة، فإن ما تعلنه إيران وإن كان في جزء كبير منه حرب نفسية مضادة، إلا أن الرئيس مسعود بزشكيان تحدث لأول مرة منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من شباط الماضي أن بعض الدول بدأت جهود الوساطة، وأكد التزام بلاده بالسلام وحرصها على الدفاع عن سيادة إيران وكرامتها.
تصريحات بزشكيان جاءت بالتزامن مع إطلاق حرس الثورة الإيراني الدفعة 22 من الصواريخ باتجاه المدن والمستوطنات الإسرائيلية ضمن عملية “الوعد الصادق 4” والتي أكد أنها أصابت أهدافها:
كما تمتهن إيران فن النسج وتعد من أقدم الأمم حضارة ومهارة في بناء القلاع الحصينة، فإنها اليوم تتعلم فن السياسة والصبر الاستراتيجي بعد أن قتل قادتها واستبيحت مدنها ومواقعها ومنشآتها، وظلت على مدى أسبوع كامل عرضة لموجات من الغارات الإسرائيلية، والتي أسفرت عن ارتكاب مجزرة رهيبة في مدرسة للبنات وعن سقوط أكثر من 1350 من الضحايا جراء القصف الذي يتركز بالدرجة الأولى على العاصمة طهران والتي طالها أكثر من غيرها من المدن الإيرانية.. مع الإشارة إلى أن إسرائيل طلبت إخلاء أحياء في مدينة قم الإيرانية.
ومع فتح المزيد من الجبهات، يبقى العالم يحبس أنفاسه وهو يتابع المواجهة الدائرة، فيما تتوالى البيانات الحربية لحظة بلحظة ومن مستويات متعددة، دون أن يتمكن المراقبون من تكوين تصور واقعي عن مجريات المعارك. فالحقيقة لا تزال بعيدة. والحروب الترامبية وضعت البشرية على حافة الهاوية. فالحرب على إيران كان يمكن تجنبها لولا تعنت نتنياهو الذي يريد مع ترامب أن يغيروا خرائط المنطقة بالقوة، وأن يضعوا الجميع في حرج كبير. فالدول العربية التي تتعرض للقصف لا ناقة لها ولا جمل، ولكنها لا تريد أن تحارب في خندق واحد مع إسرائيل، وفي نفس الوقت لا تريد أن تصمت وتضع رأسها كالنعامة في التراب وهي تتعرض لهجمات مكثفة من الصواريخ الإيرانية في البحرين والإمارات والسعودية والكويت. وحتى سلطنة عمان وتركيا لم تسلم من الصواريخ الإيرانية، فيما كانت البحرية الأمريكية تلاحق السفن الإيرانية في عرض البحار وطولها تحرقها وتدمرها في المحيطات، ولا تفرق بين بارجة حربية أو سفينة لنقل البضائع إلى إيران…
ومع قرار إيران إغلاق مضيق هرمز الذي يمر خلاله أكثر من 20 بالمئة من توريدات النفط العالمية، ومع فشل الكونغرس الأمريكي في لجم ترامب، فإن منطقة الشرق الأوسط تدخل مرحلة من الارتباك والخوف من إطالة أمد الحرب المستمرة منذ الثامن والعشرين من شباط….
فالدعوات والنداءات لوقف الحرب لا تتوقف، وجاءت بعد ثمانية أيام من عمليات القصف من إيران نفسها التي تعيش أياما عصيبة بعد أن تحول قادتها إلى أهداف للطيران والصواريخ والاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية. حتى أن الرئيس الأمريكي راح يفاخر بقتل علي الخامنئي ويتوعد بقتل جميع القيادات الإيرانية، وهو يردد ويقول في مؤتمراته الصحفية المكثفة بأن القيادات الإيرانية “تتبخر” بسرعة، مؤكدا أن كل من يطمح للقيادة سينتهي به المطاف ميتا، ومؤكدا إحراز تقدم في العملية العسكرية.
الحرب تتصاعد وتمتد وتتوسع، والعملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا يستطيع أحد التنبؤ بنهايتها.. وجميع الدول وخاصة العظمى متوثبة ومتأهبة، ذلك أن شعرة واحدة تفصل بين هذه العملية كما سماها ترامب وبين اندلاع حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر.

