
فيما تُسلط الأضواء الدولية على التحركات الدبلوماسية الإيرانية، تظل الديناميكيات الداخلية هي القلب النابض للأزمة والأكثر تعقيداً لفهم مصير النظام. الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت كحراك بيئي وسرعان ما تحولت إلى سخط عام، ليست حدثاً منفصلاً، بل هي ذروة جديدة في سلسلة متصلة من الغضب المكبوت. هذا الفصل يغوص تحت سطح العناوين الإعلامية لتحليل البنية التشريحية للاحتجاجات: دوافعها العميقة، تطور تكتيكاتها، استراتيجية النظام في المواجهة، والأهم من ذلك، التحولات الجيليّة والاجتماعية الصامتة التي قد تُحدد مستقبل إيران أكثر من أي اتفاقية دولية.
الوقود الأساسي للاحتجاجات هو الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تشهده إيران. وهذا الوضع ليس نتيجة سوء إدارة محضة، بل هو بالدرجة الأولى نتاج أعنف حصار اقتصادي في التاريخ الحديث، تقوده الولايات المتحدة تحت شعار “الضغط الأقصى”. نجحت هذه العقوبات في شل قطاع النفط والغاز، الذي يمثل الشريان الرئيسي للاقتصاد الإيراني، وخفض صادراته إلى مستويات قياسية. عزل النظام المالي الإيراني عن العالم، مما عطل التجارة حتى في السلع الإنسانية غير الخاضعة للعقوبات نظرياً، مثل الأدوية والمعدات الطبية. تخفيض قيمة العملة الوطنية (الريال) بشكل جنوني، مما أفقد مدخرات المواطنين العاديين قيمتها وأدى إلى موجات تضخم متلاحقة. هذا “الخنق الاقتصادي المُتعمد” يخلق تربة خصبة للسخط. وعندما يثور الناس بسبب عدم قدرتهم على تأمين قوت يومهم، تقدم الآلة الإعلامية الغربية السردية الجاهزة: أن النظام هو السبب الوحيد، وليس الحصار الذي دام لعقد من الزمان.
لا تقل الحرب الإعلامية والنفسية عن الحصار الاقتصادي ضراوة. تعمل شبكة معقدة من المؤسسات على تشكيل الرواية العالمية حول الأحداث في إيران حيث عملت قنوات فضائية ناطقة بالفارسية، ممولة من قبل دول معادية مثل السعودية وبريطانيا (مثل “إيران إنترناشيونال” و”من وتو”)، تبث على مدار الساعة دعاية مناهضة للنظام، وتضخم حجم الاحتجاجات، وتقدم نفسها كصوت “للشعب الإيراني الحر”. منصات التواصل الاجتماعي تتحول إلى ساحة لعمليات التأثير، حيث تنشر حسابات موجهة وممولة من الخارج محتوى محرضاً، ومعلومات مضللة، وتنسق بين المجموعات المحلية. لقد اعترفت تقارير سابقة بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) طورت برمجيات خاصة للتجسس على المستخدمين الإيرانيين ولنشر الفوضى. الخطاب السياسي الغربي يتبنى الرواية بشكل كامل، حيث يتحدث كبار المسؤولين عن “دعم الشعب الإيراني الشجاع” ويدينون “قمع النظام الوحشي”، في تجاهل تام لأي سياق يتعلق بالحرب الاقتصادية أو بالأمن القومي الإيراني.
من الخطأ الفادح اختزال المشهد الإيراني إلى معادلة بسيطة (نظام ضد شعب). الواقع أكثر تعقيداً حيث تتنوع دوافع المحتجين بين اقتصادية بحتة (البطالة، الغلاء) وأخرى ذات مطالب سياسية واجتماعية أوسع. توجد مجموعات عنيفة (مثل “حملة تحرير إيران” الانفصالية أو بعض العناصر البلوشية) تستغل ساحات الاحتجاج السلمية لتنفيذ أعمال تخريب واشتباكات مع قوات الأمن، بهدف جر البلاد إلى حرب أهلية. وكان الرد الأمني يتسم بالحزم، حيث تعتبر الدولة أن السيادة والأمن القومي على المحك. هذا الحزم يُصور حصرياً على أنه “قمع”، بينما يتم تجاوز أي أعمال عنف من جانب المتظاهرين أو الهجمات على الممتلكات العامة.
السؤال الأخلاقي المحوري هنا أين كان هذا “القلق الدولي” على الشعب الإيراني أثناء السنوات العشر التي فرض فيها الحصار، والذي قتل عشرات الآلاف بسبب نقص الأدوية والغذاء؟ الدور الأمريكي لا يقتصر على فرض العقوبات. فثمة أدلة وقرائن على مشاركة مباشرة في تأجيج الاضطرابات من خلال التمويل المباشر وغير المباشر حيث تخصص الولايات المتحدة ميزانيات علنية عبر مؤسسات مثل “صندوق دعم الديمقراطية” (NED) و”وزارة الخارجية” لدعم ما تسميه “نشطاء المجتمع المدني” ووسائل الإعلام المعارضة خارج وداخل إيران. و لا ننسي الدعم اللوجستي والتقني حيث تشير تحليلات أمنية إلى تزويد بعض العناصر المعارضة بتقنيات اتصال مشفرة وآليات تنظيم متطورة لتجنب الرقابة و تدعمها التغطية الدبلوماسية والإعلامية تقديم الغطاء السياسي والدعائي لأي حركة احتجاجية، والضغط على المنظمات الدولية لإصدار قرارات ضد طهران.
إنها وصفة مألوفة تم اختبارها في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط خلق أزمة، ثم تقديم “الحل” الذي يتماشى مع المصالح الجيوسياسية لواشنطن.
كما في حالتي فنزويلا وجرينلاند، فإن رد الفعل الدولي يكشف ازدواجية معايير صارخة خاصة أوروبا، التي تتعامل تجارياً مع دول تنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي، ترفع فجأة لواء حقوق الإنسان في إيران بينما تستمر في تطبيق العقوبات الأمريكية التي تسبب المعاناة.
و لا تقل عن أوروبا دول الخليج، التي لا تسمح بأي شكل من أشكال التعبير السلمي عن الرأي، تعلن دعمها “لحقوق الإيرانيين في التظاهر”! لتنفرد الأمم المتحدة وآلياتها إلى منبر لتسييس القضية، حيث يتم استدعاء إيران باستمرار بينما يتم تجاهل انتهاكات مماثلة أو أشد من قبل حلفاء واشنطن.
هذا “الصمت المشين” على الحرب الاقتصادية، والترحيب بنتائجها المأساوية كفرصة للإطاحة بالنظام، هو انحدار أخلاقي وسياسي يذكر بأسوأ لحظات السياسة الواقعية التي لا تعترف بأي مبدأ سوى القوة والمصلحة.
لا يمكن فصل استقرار إيران عن استقرار المنطقة بأكملها. أي سيناريو لانهيار الدولة الإيرانية أو إضعافها الشديد سيفتح أبواب الجحيم اذا انها تفجير الصراعات بالوكالة سوريا، اليمن، لبنان، العراق ستشهد فراغ قوة وصراعات دموية جديدة قد تجر دول الجوار. تهديد خطوط الطاقة العالمية المضائق الحيوية مثل هرمز ستكون تحت رحمة الفوضى، مما يهدد الاقتصاد العالمي.
تصاعد التطرف ستخلق الفوضى بيئة مثالية لتجدد تنظيمات مثل داعش والقاعدة، التي عانت من ضربات شديدة من محور المقاومة. سباق التسلح النووي قد تدفع الأزمة دولاً إقليمية أخرى إلى التسريع ببرامجها النووية، خوفاً من مصير مشابه.
ما يحدث في إيران اليوم هو أكثر من أزمة داخلية. إنه الاختبار الأقصى لنظام عالمي فقد بوصلته الأخلاقية. إذا نجحت إستراتيجية “الخنق ثم الإطاحة” هذه، فستصبح النموذج المعياري للقرن الحادي والعشرين: فَقْد أي دولة لسيادتها إذا تجرأت على تبني سياسة خارجية مستقلة أو السيطرة على ثرواتها. مستقبل الشرق الأوسط، وربما السلام العالمي، يتوقف على ما إذا كنا سنتعلم من دروس التاريخ، أم أننا سنكرر أخطاء الماضي في حلقات مأساوية لا نهاية لها. إيران ليست ساحة معركة، بل هي جرس إنذار يدق بقوة.

