
معركة حلب بين الحكومة وقسد تنسف اتفاق العاشر من آذار وتفتح الجبهات من جديد
واشنطن تنشغل بمحاربة داعش في البادية السورية ردا على هجوم تدمر… وحلب تشتعل…
على ثلاث جبهات تحارب الحكومة السورية لاستعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد: مع الدروز في السويداء، ومع الأكراد شرق الفرات في حلب، ومع العلويين في الساحل والغاب وحمص. فيما تشارك في التحالف الدولي الذي وسع عملياته ضد داعش في البادية السورية، وفي المفاوضات الأمنية حول الجنوب السوري مع إسرائيل.
فقد وسعت معركة حلب المحدودة بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود – والتي حسمها الجيش السوري خلال أيام لصالحه – وسعت الخلافات وفتحت الجروح بين حكومة دمشق وقوات سورية الديمقراطية، التي أعلنت رغم استسلام مقاتليها وخروجهم بالحافلات إلى شرق الفرات أنها ستواصل المعركة ضد الحكومة التي اعتقلت المئات من الأكراد في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود. فيما تم إجلاء ٤٠٠ مسلح من الحيين المذكورين اللذين شهدا أعمالاً انتقامية، حيث فجر اثنان من المسلحين الأكراد نفسيهما وسط قوات الجيش خلال دخولها إلى الشيخ مقصود. فيما لا يزال النازحون ينتظرون السماح لهم بالعودة إلى منازلهم التي كان المسلحون يستخدمونها بعد نزوحهم عنها…
وبينما كانت الحكومة السورية تحتفل بالنصر السهل والمؤزر لعودة حلب بكاملها لأول مرة إلى سيطرة الحكومة، فقد كانت البيانات من الجهة المقابلة تنعي اتفاق العاشر من آذار الذي ربما يكون أول ضحايا معركة حلب… فقد شنت قوات قسد بالتزامن مع خروج الحافلات التي تقل أكثر من ٤٠٠ من مقاتلي قسد باتجاه منطقة شرق الفرات (التي تسيطر عليها قوات قسد منذ العام ٢٠١٥) سلسلة هجمات بطائرات مسيرة كان أقساها استهداف أحد الفنادق خلال انعقاد مؤتمر صحفي…
المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا اعتبر أن تنظيم قسد يريد أن يوسع نطاق اعتداءاته بعد استخدامه للطائرات المسيرة، وعليه فإن جميع خيارات الرد مطروحة على الطاولة من قبل الدولة السورية.
ويبدو أن قوات قسد تستغل معركة حلب وأحداث الشيخ مقصود والأشرفية لاستفزاز الحكومة السورية ودفعها إلى استخدام القوة لتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع الأكراد العام الماضي…
ويبدو أن وراء الأكمة ما وراءها، وليس الهجوم المنسق على حلب إلا الخطوة الأولى لمعركة طويلة تخطط لها الحكومة السورية بعد أن أدركت أن قوات سورية الديمقراطية غير جادة في تطبيق اتفاق العاشر من آذار، كما كانت غير جادة في تطبيق اتفاق الأول من نيسان الذي يقضي بانسحاب الأكراد من حلب. وقد اعتبرت الحكومة أن الأكراد لم ينفذوا الاتفاق الذي يقضي بانسحاب قوات سورية الديمقراطية من حلب والابقاء على قوات الأمن الداخلي. ومن شبه المؤكد بالقياس إلى تجربة حلب أن الحكومة ستتعامل مع اتفاق العاشر من آذار بذات الطريقة، وسط مخاوف متزايدة من أن يهاجم الأكراد مدينة حلب من جديد، خاصة وأنهم غير راضين عن طريقة إخراجهم من حلب وهم يرفضون أي سيطرة للحكومة السورية على أحيائهم التي تسكنها أغلبية كردية. وقد أعلنت الداخلية السورية أن قوات سورية الديمقراطية كانت وراء عدة هجمات بطائرات مسيرة، واتهمت إيران بأنها تزود قوات قسد بهذه الطائرات التي تجوب سماء حلب ومدن أخرى مثل منبج وتل أبيض وجرابلس…
ومع أن مشكلة النازحين لا تزال عالقة – فقد آلاف الأكراد مشردين مع استمرار عمليات التمشيط في الأشرفية والشيخ مقصود الذين تعرضوا لقصف عنيف – حيث يحتاج الأمر إلى المزيد من الوقت ليتمكنوا من العودة إلى منازلهم، خاصة وأن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية على ما يبدو لا يزال هشاً، ويواصل الجانبان خرقه. وقد فجر اثنان من المقاتلين الأكراد نفسيهما وسط قوات الجيش التي دخلت الحيين وباشرت عملية نزع الألغام وإزالة الردم والركام وتنظيف الشوارع، وتهيئة المناخ والأجواء لعودة أكثر من ١٤٠ ألفاً من المهجرين…
وفي تعليقه على الاتفاق والأوضاع التي آلت إليها الأوضاع في حلب، فقد أكد القائد العام لقوات سورية الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي أنه تم التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار وتأمين إخراج المقاتلين من حلب بوساطة دولية، في إشارة إلى الولايات المتحدة التي يلعب مبعوثها توم باراك دور “أم الصبي” في الدفاع عن الحكومة السورية التي تحقق إنجازات وانتصارات سريعة بعد خروج آخر مقاتل من قسد من حلب، وقد أصبحت خالية من مسلحي قسد، بالإضافة إلى دور فرنسا وتركيا أيضاً. ودعا الجنرال عبدي الوسطاء للالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم…
وقال عبدي في بيان عبر منصة “إكس”: “بوساطة من أطراف دولية لوقف الهجمات والانتهاكات بحق أهلنا في حلب، وصلنا إلى تفاهم يُفضي لوقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء، الجرحى، المدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سوريا”. وأضاف: “ندعو الوسطاء للالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم”.
وفي المواقف الدولية، سجل الاتحاد الأوروبي – الذي زار وفد رفيع يضم رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دمشق والتقوا الرئيس – بالتزامن مع معركة حلب ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تسهيل عودة النازحين وأكد أهمية حماية المدنيين في حلب.
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي سيقدم 722 مليون دولار لسوريا لإعادة إعمارها بعد الحرب. كما أعلنت رئيسة المفوضية أن الاتحاد الأوروبي يعتزم بدء مفاوضات لتجديد اتفاقية التعاون مع سوريا.
وهكذا تنتهي معركة حلب ومعها قرار بمنع الاحتفالات في الساحات العامة، وذلك لأمر في نفس عزام غريب محافظ حلب الذي دعا المواطنين إلى عدم الاحتفال والاكتفاء بالدعاء للجرحى بالشفاء، مع الإشارة إلى أن معركة حلب كانت أول معركة بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية منذ انتصار الجيش. ولا شك أن الأحداث التي شهدتها حلب، وبخاصة التدخل التركي المباشر في الشأن السوري من خلال إطلاق المسيرات التركية وتحريض الحكومة السورية على الحل العسكري فيما يتعلق بالجبهات الثلاث المفتوحة في شرق الفرات وحلب مع الأكراد، وفي الجنوب في السويداء مع الدروز، وفي الساحل مع العلويين الذين تتحول قراهم وبلداتهم إلى ثكنات عسكرية وساحات لسفك الدماء دون أية مساءلة أو أسباب واضحة. وقد أدت هذه الجرائم المتنقلة إلى مقتل العشرات من بينهم أربعة من الأطباء والممرضين خلال استهداف سيارتهم في حمص. في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بما تسميه محاربة تنظيم داعش في البادية السورية، ردا على الهجوم الذي استهدف قواتها في تدمر نهاية العام الماضي، وذلك بمشاركة واسعة من الجيش الأردني الذي أعلن في بيان أنه قام عبر سلاح الجو الملكي بتنفيذ ضربات جوية دقيقة استهدفت مواقع تابعة لتنظيم “داعش” في عدة مناطق داخل الأراضي السورية، وذلك في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة الإرهاب.
وأكد البيان أن العمليات أنجزت بالتنسيق مع الشركاء ضمن التحالف الدولي، وبمشاركة الدولة السورية، بهدف تحجيم قدرات التنظيمات الإرهابية ومنعها من إعادة التموضع أو استخدام تلك المناطق لتهديد أمن دول الجوار والاستقرار الإقليمي…
وأمام هذه التطورات ذات الطابع الأمني على الساحة السورية، فإن السؤال الذي يحتاج إلى إجابات شافية هو: لماذا كلما ازداد الانخراط الأمريكي سياسياً عبر المبعوث توم باراك… وعسكرياً عبر ما يسمى محاربة الإرهاب في سورية، يزداد الوضع تعقيداً والأمن تدهوراً وتتسع الهوة بين السوريين؟ إن ذلك إشارة إلى أن مخطط أمريكا في سورية طويل ومتعدد الجوانب، وهو يهدف إلى الاستيلاء على الموارد والثروات السورية ومن ثم العمل على تقسيم سورية بما يخدم المشروع الإسرائيلي، بحجة أن السوريين لا يريدون العيش مع بعضهم البعض… ويبدو أن معركة حلب كانت وسيلة وذريعة لنسف اتفاق العاشر من آذار من جذوره وخلق شرخ بين أبناء الوطن الواحد. ولو أرادت واشنطن لجنّبت حلب ويلات الحرب والنزوح، ولكنها تركت الأمور تسير كما تشتهي قبل أن تتدخل وتفرض انسحاب المقاتلين الأكراد من حلب…..

