
في حديث خاص لشبكة شام نيوز إنفو على أثير إذاعة فيرجن إف إم، قدم الباحث والمحلل السياسي الأستاذ مصطفى النعيمي قراءة مفصلة للتطورات الأخيرة في شمال سوريا، بعد التوصل لاتفاق أدى إلى احتواء التصعيد العسكري بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، مع التركيز على الدور التركي والتدخل الأمريكي المباشر ومسارات الحل المستقبلية.
أكد النعيمي أن الاتفاق الجديد، الذي وصفته صحيفة “العرب” بأنه “نقطة تحول تاريخية” ومصدر “ارتياح كبير” لتركيا، جاء لاحتواء تداعيات فشل الاجتماعات السابقة. وربط هذا الارتياح التركي بالتطورات الإقليمية الموازية، خاصة إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) في العراق حل نفسه وإلقاء السلاح والتحول إلى حزب سياسي، وهو ما شكل “مفارقة” إيجابية مقارنة بحالة “التزمت” التي لا تزال تسود داخل أجنحة متطرفة في قسد، حسب وصفه.
وكشف النعيمي، استناداً إلى حديثه المباشر مع أهالي حي الأشرفية في حلب، عن معاناة يومية توضح عمق الأزمة الإنسانية، حيث لا يزال الأهالي يفتقرون للتيار الكهربائي بشكل متعمد من قبل قسد – وفق روايته – كوسيلة لـ “معاقبة” من خرج عن سيطرتها. كما نقل مخاوف الأهالي من تجنيد أبنائهم القسري، ذكوراً وإناثاً، ومن بقاء عائلاتهم محاصرين في مناطق سيطرة قسد.
وفي تحليل الدور التركي البارز خلال الأزمة، والذي تجلى في تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان الأكثر وضوحاً وحزماً مقارنة بالمسؤولين السوريين، نفى النعيمي أن تكون أنقرة تتصرف منفردة. وأوضح أن “الدور الذي لعبته تركيا هو تلاقي المصالح” مع الولايات المتحدة في هدف مشترك هو “إنهاء جماعات ما دون الدولة”. واعتبر أن التصريحات التركية الحادة كانت “رسائل داخلية” موجّهة لجماعات كردية ورسائل ردع أكثر منها موجهة للخارج، وانعكاساً لرغبة أنقرة في “حل المسألة الكردية بشكل كامل”.
ورأى النعيمي أن الفارق الجوهري يكمن في أسلوب العمل بين دمشق وأنقرة؛ فبينما تفضل السياسة السورية “الجديدة” العمل بهدوء لتغيير الوقائع على الأرض دون تصريحات ارتجالية، تسعى السياسة التركية لرفع سقف التفاوض عبر إظهار القوة العسكرية والخطاب الحازم، رغم عدم ترجمة ذلك – حسب ملاحظته – إلى تحركات عسكرية تركية ميدانية واسعة مؤخراً.
أما بشأن الضمانات الدستورية للمكون الكردي، فأشار النعيمي إلى أهمية المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري قبل بدء العمليات، معتبراً إياه “الأرضية اللازمة” لبدء عملية دستورية شاملة. وتوقع أن يفتح هذا الباب لمشاركة المحافظات التي كانت تحت سيطرة قسد (كالرقة والحسكة وأطراف حلب ودير الزور) في مؤسسات الدولة، مثل مجلس الشعب، في خطوة تهدف لاستعادة الوحدة السياسية والجغرافية للبلاد كشرط أساسي لأي إعمار أو استثمار حقيقي.
ولفت التحليل إلى نقطة تحول حاسمة تمثلت في اتصال هاتفي من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالرئيس السوري، طالب فيه بإنهاء الاشتباكات في الحسكة. وفسر النعيمي هذا التدخل المباشر بأنه يعكس تغيراً في أولويات واشنطن الاستراتيجية في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد ومحور المقاومة السابق. وخلص إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى “الاستقرار السوري كأرضية خصبة لاستكمال مشروع محاربة المحور الإيراني”، مما يجعل من حل الملفات الداخلية العالقة في الشمال والجنوب والساحل خطوة ضرورية لتحقيق هذا الهدف الإقليمي الأوسع.
وبذلك، يظهر الاتفاق الأخير ليس كحل جذري، بل كخطوة احتواء مؤقتة تخضع لتوازن مصالح دولية معقدة، حيث تلتقي الرغبة السورية باستعادة السيادة مع الهدف التركي بالقضاء على التهديد الكردي، وتتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي ترى في سورية المستقرة ركيزة لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة. ويبقى تحدي تحويل هذه الهدنة الهشة إلى سلام دائم رهيناً بقدرة الأطراف الداخلية على تجاوز منطق القوة والانتقام، والانطلاق نحو مصالحة وطنية حقيقية تليق بتضحيات الشعب السوري وتطلعاته.

