
أوروبا تستدير.. وتدعو للحوار مع موسكو..
مع دخول المفاوضات بين واشنطن وموسكو مراحل متقدمة لإنهاء الحرب في أوكرانيا بدون مشاركة أوروبا، تأخذ باريس المبادرة بشكل مفاجئ وتدعو للحوار مع موسكو….
لم تترك المفاوضات الأمريكية – الروسية الجارية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ولم تحسب حسابات الهزيمة وتداعياتها سياسياً واقتصادياً على مستقبل الاتحاد الأوروبي، إلا بعد أن وقعت الفأس بالرأس. فقد غيّب الهوس والوهم اللذان سيطرا على القارة العجوز بإمكان هزيمة روسيا الاتحادية وجيشها القوي، العقل والحكمة.. وكان الاستعداء الأوروبي لروسيا خلال الحرب في أوكرانيا فاحشاً ومقيتاً ومفضوحاً، ولهذا فإن طريق العودة الذي تنشده أوروبا للمشاركة في المفاوضات السياسية والأمنية في ميامي وأبو ظبي لم يعد مطروحاً لا في موسكو ولا في واشنطن، وذلك بعد المواقف المتعنتة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر “تحالف الراغبين” في باريس في السادس من كانون الثاني، والذي جاءت قراراته متعارضة ومناهضة كلياً لخطة السلام الأمريكية والضمانات الأمنية التي طرحتها واشنطن وأقرتها قبل ذلك قمة ألاسكا التاريخية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في 15 آب 2025، في قاعدة إيلمندورف-ريتشاردسون المشتركة في أنكوريج.
وباستثناء سلوفاكيا والمجر وصربيا، فإن الدول الأوروبية الـ27 ومعهم بريطانيا بطبيعة الحال ظلوا طوال السنوات الأربعة الماضية يدفعون باتجاه استمرار الحرب في أوكرانيا. إلا أن تحولاً مفاجئاً طرأ على الموقف الفرنسي باتجاه روسيا، بالتوازي مع تقدم المفاوضات الروسية الأمريكية حول أوكرانيا. وهذا التحول لم يعد يقتصر على باريس، فقد انضمت إليه بقوة إيطاليا، وأصبح الموقف الفرنسي المؤيد لفتح حوار مع روسيا تياراً داخل الاتحاد الأوروبي بعد أن وصل الاتحاد إلى طريق مسدود، ولم يعد العداء لروسيا ينفعه في شيء طالما أن التعاون بين روسيا والولايات المتحدة أصبح واقعاً، والاتصالات المكثفة بين موسكو وواشنطن شبه يومية… عدا عن امتصاص روسيا للعقوبات وتحويلها إلى سيف مسلط على أوروبا نفسها.
فرنسا التي تحاول التخفيف من هزيمتها وهزيمة الاتحاد الأوروبي، تقود مسيرة العودة إلى موسكو والحوار مع الرئيس بوتين، وقد أعلن الرئيس ماكرون عزمه مواصلة الاتصالات مع الرئيس بوتين، وكان الرئيسان أجريا اتصالاً هاتفياً في الأول من تموز 2025 بعد ثلاث سنوات من القطيعة بسبب الحرب في أوكرانيا.
ومع التقدم الذي تحرزه مفاوضات أبو ظبي بين موسكو وكييف بإشراف أمريكي لمناقشة تفاصيل وتعقيدات إنهاء الحرب في أوكرانيا، فإن أوروبا التي تعد الخاسر الأكبر من هذه الحرب بعد هزيمة أوكرانيا، تجد نفسها وقد أصبحت أمام واقع جديد يحتم عليها تغيير موقفها، خاصة في ضوء إصرار واشنطن على وقف الحرب ووضع جدول زمني لا يتعدى أشهراً قليلة لإعلان وقف إطلاق النار نهائياً. ولأن يأتي الموقف الفرنسي متأخراً، فهذا خير من أن يستمر في العناد كمن يضرب رأسه في صخرة. ففي تحول هام يعكس فشل استراتيجية “العزل” الغربية ضد روسيا، دعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بناء هيكل أمني أوروبي جديد بمشاركة روسيا. ماكرون الذي كان من أشد المنادين بالتصعيد، يعترف اليوم بـ”واقعية مؤلمة” لخصها بقوله: “سواء أعجبتنا روسيا أم لا، فهي لن تختفي غداً”، مؤكداً أن أوروبا لا يمكنها تفويض أمنها للآخرين في إشارة واضحة لواشنطن.
روسيا لاقت الموقف الفرنسي في منتصف الطريق رغم كل ما لحق بها من الأذى والخسائر المادية والبشرية جراء الدعم الفرنسي لأوكرانيا والمساهمة الفرنسية في إطالة أمد الحرب، وقد تحولت أوروبا كلها إلى ساحة صراع ضد روسيا. وقد أكد دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين وقوع اتصالات فعلية بين باريس وموسكو، مشدداً على أن روسيا لم تغلق أبواب الحوار، لكنها تطلبه الآن وفق “شروط الواقع الجديد”. مشيراً إلى أن روسيا كانت دائماً من دعاة الحوار.
ويبدو أن الموقف الفرنسي الذي يجر وراءه أوروبا كلها يعني أن ما بعد الحرب في أوكرانيا ليس كما قبلها، وأن الناتو الذي بقي طوال الحرب الباردة وإلى اليوم يسعى لهزيمة روسيا، أصبح يدرك أن روسيا المنتصرة القوية هي مظلة أمنية لأوروبا وليس خطراً عليها. فالناتو لم يعد يشكل هذه المظلة، ولم يعد له أي دور بعد الانتصار الذي تحققه روسيا في العملية العسكرية التي تقترب من نهايتها ومن تحقيق كامل أهدافها بتحرير الدونباس وإعادتها إلى حضن الوطن، ولم يتبق سوى 20 بالمئة من الأراضي في إقليم دونيتسك تحاول القوات الروسية استعادتها…
ولا شك أن فرنسا كقوة نووية ودولة كبرى داخل الاتحاد الأوروبي بدأت تدرك أن السلام لا يمكن أن يقوم بدعم استمرار الحرب ورفض الحوار مع موسكو، وإنما السلام للقارة الأوروبية يتحقق بالتعاون مع روسيا…
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جدد بمناسبة يوم الدبلوماسية الروسية في العاشر من شباط التذكير بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حدد بوضوح أهداف العملية العسكرية الخاصة، وأكدها مراراً، أن “هذه الأهداف تظل ثابتة لا تقبل أي تنازلات انتهازية”. ولفت لافروف إلى أن الضمانات الأمنية التي تناقشها الدول الأوروبية وأوكرانيا تُصاغ دون مشاركة روسيا، بل هي موجهة ضدها. وقال لافروف: “يؤكد نظام كييف أنه لن يعترف بأي شيء قانونياً، ولكنه مستعد لوقف العمليات العسكرية فعلياً، شريطة أن يقدم الأوروبيون ضمانات أمنية قوية وينشروا قوات”. وذكر لافروف أن تقارير إعلامية تحدثت عن أن تلك الضمانات تنص على “البدء التلقائي لحرب ضد روسيا بكل قوات حلف الناتو المتمركزة في أوكرانيا بدعم أمريكي مباشر” حال وقوع أي حادث يُعتبر “غير مقبول”، مضيفاً أن “قدرة زيلينسكي وأتباعه على إثارة الاستفزازات، فحدث ولا حرج”.
أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه كان يمكن حل النزاع الأوكراني بسرعة بناءً على مخرجات القمة الروسية الأمريكية في ألاسكا، لكن منذ ذلك الحين تعرضت وثيقة التسوية للتشويه أكثر من مرة؟… وذكّر لافروف أنه قبل قمة أنكوريج، زار المبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف موسكو وسلّم الجانب الروسي وثيقة تتضمن مقترحات أمريكية لحل الأزمة الأوكرانية. وأوضح أن تلك الوثيقة “تضمنت جميع القضايا المحورية واقترحت حلولاً تتوافق مع الواقع على الأرض، بما في ذلك الواقع الذي أوجدناه لحماية الروس من النظام النازي ومنهجه نحو إبادة كل ما يمتّ بصلة إلى اللغة والثقافة والتاريخ والأرثوذكسية الروسية”.
ومع التقدم الذي تحرزه مفاوضات أبو ظبي لإنهاء الحرب في أوكرانيا والضمانات الأمنية وإطلاق 300 من الأسرى في صفقة تبادل بوساطة الإمارات، وتحقيق كل الظروف لإجراء انتخابات واستفتاء، مع ما أظهرته الاستطلاعات من أن أكثر من نصف الأوكرانيين أصبحوا يرغبون بإنهاء الحرب فوراً ويرفضون الانضمام إلى القوات المسلحة بسبب الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها هذه القوات بعد أن قطعت واشنطن الإمدادات عنها. فيما راحت أوروبا تتململ في حالة من الضياع تخبط عشواء ولا تعرف على أي الجانبين تميل. فإذا بقيت تعتمد على الناتو لتحقيق الأمن للقارة العجوز فقد خذلها الناتو، وإذا مالت باتجاه روسيا الدولة الأوروبية القوية، فإن دولاً كبريطانيا وألمانيا ودول البلطيق تشكك ولا تملك الحماسة الفرنسية والإيطالية للمضي في الحوار مع موسكو كما تفعل باريس وروما، على أمل انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية القادمة لتعود الأمور إلى ما كانت عليه خلال ولاية جو بايدن الديمقراطي. ذلك أن الخيبة والانكسار وحالة الضياع التي تهيمن على أوروبا، والانقسامات والتشتت، تجعلها تسعى ليس لتحقيق النصر الذي كانت تتوهمه وتحلم به طوال أربع سنوات كاملة، ولكن فقط لتؤمن لنفسها مقعداً على طاولة المفاوضات الدائرة اليوم في ميامي وأبو ظبي، والتي ستحدد مستقبل أوروبا وتضع أسس النظام العالمي الجديد لعشرات السنين… وليست الدعوات الأوروبية للحوار مع موسكو سوى محاولة للقفز إلى قطار المفاوضات من النافذة الروسية، بعد أن منعت إدارة ترامب أوروبا مجتمعة من الدخول من الباب إلى هذه المفاوضات التاريخية….

