
في مشهد يحمل من الرمزية بقدر ما يحمل من التعقيد، اجتمع خصمان لدودان في العاصمة العمانية مسقط في السادس من فبراير 2026، ليكتبا فصلاً جديداً في ملحمة الصراع الممتدة لأربعة عقود. لم تكن المحادثات بين إيران والولايات المتحدة مجرد جولة تفاوضية عادية، بل كانت بمثابة اختبار وجودي لقدرة الدبلوماسية على كبح جماح التصعيد العسكري المحتوم، في منطقة باتت أشبه ببرميل باريد ينتظر شرارة الانفجار. غير أن الأسابيع التي تلت هذا اللقاء كشفت عن مفارقة مذهلة: فبينما تمدد واشنطن وطهران أياديهما على طاولة الحوار، كانت أصابعهما الأخرى على الزناد، في مشهد ازدواجي يعكس عمق الأزمة واستحالة الاختيار بين شوكتي الحرب والتفاوض.
اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوث الرئاسي الأمريكي ستيفن ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنير، كان بمثابة كسر جليدي دبلوماسي بعد سنوات من الجمود والتهديدات المتبادلة. وصف عراقجي المحادثات بأنها “بداية جيدة”، وأكد وجود تفاهم على استمرارها، لكنه وضع إطاراً صارماً لها: النقاش سينحصر حصراً في الملف النووي، دون التطرق لبرنامج الصواريخ أو النفوذ الإقليمي . هذا الموقف قابله الجانب الأمريكي برغبة واضحة في توسيع نطاق المحادثات لتشمل القضايا “المزعجة” الأخرى، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران للفصائل في المنطقة، وهو ما كشف عنه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح قبيل اللقاء .
لكن الأكثر إثارة للانتباه هو ذلك المشهد المتناقض الذي تلا المحادثات مباشرة. ففي اليوم التالي للقاء مسقط، صعد ويتكوف وكوشنير على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” في البحر العربي، في زيرة وصفتها وسائل الإعلام بأنها “تفقدية وشكر للقوات”، لكنها حملت رسالة واضحة لا لبس فيها: العصا الغليظة لا تزال حاضرة بقوة . وفي نفس اليوم، وقع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً يهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تواصل التجارة مع إيران، وأعلنت وزارة الخزانة عن حزمة عقوبات جديدة استهدفت كيانات وناقلات نفط إيرانية . هذا المزيج من الدبلوماسية والضغط العسكري والاقتصادي يعكس الاستراتيجية الأمريكية التي تتبناها إدارة ترامب، والتي لخصها ويتكوف نفسه بعبارة “السلام من خلال القوة” .
في طهران، قوبلت هذه الإشارات المزدوجة بردود فعل متباينة. فمن جهة، أظهر عراقجي مرونة ملحوظة، معلناً استعداد إيران لخفض مستوى تخصيب اليورانيوم والتفاوض حول كميات المواد المخصبة، مع شرط أساسي: الاعتراف بحق طهران في التخصيب على أراضيها . حتى أنه أشار في مقابلة مع قناة “روسيا اليوم” إلى إمكانية التوصل لاتفاق “أفضل من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي 2015)” . لكن في المقابل، سارع كبار المسؤولين إلى تذليل أي شك حول الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها. الجنرال عبد الرحيم موسوي، رئيس أركان الجيش، حذر من أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران ستعم المنطقة بالصراع، مؤكداً أن القوات المسلحة في أعلى درجات الاستعداد . والأهم، جاء تصريح علي شمخاني، المستشار السياسي للمرشد الأعلى علي خامنئي، ليؤكد أن “القوة الصاروخية الإيرانية خط أحمر لا يقبل التفاوض” .
هذه التصريحات المتشددة لم تكن مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي، بل تعكس إجماعاً وطنياً في إيران على أن البرنامج الصاروخي جزء لا يتجزأ من العقيدة الدفاعية للبلاد، في منطقة تموج بالصراعات والتهديدات. كما أن الإصرار على التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، ورفض تصدير اليورانيوم المخصب للخارج، يهدف إلى ضمان سيادة القرار الوطني ومنع تكرار تجربة ليبيا التي تخلت طواعية عن برنامجها النووي ثم شهدت تدخلاً عسكرياً غربياً أنهى نظامها . ومع ذلك، فإن استعداد طهران لمناقشة “مستوى ونقاء التخصيب” ، وحتى تشكيل “كونسورتيوم إقليمي” للإشراف عليه ، يشير إلى وجود هامش للمناورة داخل هذه الخطوط الحمراء، قد يكون المفتاح لحلحلة الجمود.
في خلفية هذا المشهد، يقف لاعب إقليمي بوزن ثقيل يتربص بالمفاوضات ويحاول التأثير على مسارها: إسرائيل. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي عجل بزيارته إلى واشنطن لتسبق الموعد المقرر بأسبوع كامل ، طرح ما يعرف بشروط “الـ3 لا” الإسرائيلية: لا لبرنامج نووي إيراني، لا لبرنامج صواريخ باليستية، لا لدعم “الإرهاب” الإقليمي . هذه الشروط، التي تتبناها واشنطن بشكل كبير في مفاوضاتها، تشكل عقبة كأداء أمام أي تقدم جوهري. وقد حذر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من أن واشنطن يجب ألا تسمح لإسرائيل بأن “تملي إطار المفاوضات النووية من خلال التظاهر” . إسرائيل، التي تعتبر نفسها الهدف الأبرز لأي قدرة نووية إيرانية، لن تدخر جهداً في محاولة فرض رؤيتها المتشددة على الإدارة الأمريكية، مما يجعلها أحد أهم عوامل تعقيد المشهد.
الموقف الإقليمي والدولي من هذه المحادثات يتراوح بين الترحيب الحذر والقلق العميق. الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، رحبت بالحوار ودعت إلى حل دبلوماسي يضمن استقرار المنطقة . حتى مصر، التي تربطها علاقات معقدة مع طهران، أعربت عن دعمها للمسار التفاوضي . لكن هذا الترحيب يقابله قلق من أن أي اتفاق، إن تم، قد يكون على حساب مصالحها، أو أن فشله سيعني اندلاع حرب شاملة ستكون الأولى من نوعها في المنطقة. روسيا، بدورها، تتابع المحادثات باهتمام موسكو، التي حافظت على علاقات جيدة مع طهران طوال سنوات الأزمة، ترى في أي حل دبلوماسي انتصاراً للرؤية التي تدعو إليها: حل النزاعات بالحوار بدلاً من لغة القوة الأحادية.
في المحصلة، تقف إيران اليوم أمام معادلة صعبة: من جهة، الضغوط الاقتصادية الخانقة والعقوبات التي تمنع تصدير نفطها وتحرم شعبها من الاحتياجات الأساسية تدفعها نحو تقديم تنازلات. ومن جهة أخرى، الذاكرة التاريخية لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي 2015، وتصاعد التهديدات العسكرية والوجود البحري الأمريكي المكثف، يجعل أي تنازل يبدو وكأنه ضعف قد يستغله الخصم. في هذا السياق، تبرع طهران في التعامل مع هذه المفاوضات كـ”اختبار ثقة” أكثر منها مساراً لاتفاق نهائي. إنها تريد أن ترى ما إذا كانت واشنطن جادة في رفع العقوبات بشكل فعال وسريع، وما إذا كانت سترفع الحصار العسكري عن مياهها الإقليمية، قبل أن تقدم على أي تنازلات جوهرية. الجولة المقبلة من المحادثات، التي يتوقع أن تنعقد قريباً بعد المشاورات في العواصم ، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه النوايا الحذرة ستتحول إلى مسار عملي، أم أن المنطقة ستشهد انزلاقاً نحو الهاوية التي طالما حذر منها الجميع.

