
وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التاسع عشر من شباط إنذارا إلى إيران بمواجهة الحرب إذا لم توقع اتفاقا ينهي برنامجها النووي خلال عشرة أيام، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجمعة 20 شباط أن بلاده سوف تقدم مسودة اتفاق خلال ثلاثة أيام….. فهل ستنجح إيران في منع الحرب أم أن واشنطن سوف تتجاهل أي اقتراح إيراني وتمضي في مخططها؟
بعد عملية (المطرقة منتصف الليل) التي شنتها الولايات المتحدة ضد طهران قبل ثمانية أشهر في العام 2025، وأعلن وقتها الرئيس ترامب تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ظن البعض أن الحرب انتهت إلى غير رجعة، ولكن ترامب بعد لقاء نتنياهو في واشنطن نهاية كانون الثاني الماضي، وبعد جولتين من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط وجنيف، ها هو يرفع لهجة التهديد والوعيد ويوجه إنذارا إلى طهران بمنحها عشرة أيام فقط لا غير للتوصل إلى اتفاق مع بلاده حول ملفها النووي، وإلا ستحدث أمور سيئة، في إشارة إلى عزمه استخدام القوة من جديد…
وفيما تسعى إيران بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والعسكرية لتجنب الحرب، عبر حركة اتصالات نشطة باتجاه مجلس الأمن وموسكو من جهة، وعبر تحذيرات أطلقها السيد علي الخامنئي بإغراق البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية بالصواريخ الإيرانية من جهة ثانية.. فإن الإدارة الأمريكية لم تظهر حتى الآن أي رغبة في التراجع عن مشروع قصف إيران للقضاء على مشروعها النووي السلمي، ولا تزال إدارة ترامب تتجاهل كل المبادرات الإيرانية وتصم آذانها وترفض الاستماع إلى صوت السلام والحوار، وتصر على فرض الاستسلام على إيران….
فالحشد العسكري الأمريكي الضخم ضد إيران، وإرسال حاملتي طائرات أمريكية إلى بحر العرب وشرق المتوسط ومعهما 12 بارجة وسفينة حربية أمريكية، وإخلاء القواعد الأمريكية في المنطقة، لم يعد مجرد رسائل للضغط على طهران لقبول المطالب الأمريكية بوقف التخصيب وإخضاع الصواريخ الإيرانية البالستية للمراقبة ووقف دعم الحركات المناهضة لإسرائيل… بل هي إجراءات عسكرية أمريكية واضحة كالشمس، وإشارات أمريكية أكيدة على أن ترامب يضع الخيار العسكري نصب عينيه، وأن قرار توجيه ضربات إلى إيران أصبح حقيقة واقعة بانتظار التنفيذ…
فالوقت الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريح له في التاسع عشر من شباط لإيران ومدته عشرة أيام لا يكفي للتوصل إلى اتفاق مع بلاده، خاصة وأن المفاوضين الأمريكيين ستيفن ويتكوف وجاريد كوشنر يجريان مفاوضات صعبة حول الحرب في أوكرانيا ويحتاجان إلى أسابيع وربما أشهر لإبرام اتفاق مع إيران حول ملفها النووي لانشغالهما بإنهاء الحرب في أوكرانيا…
وفي موازاة الاستعدادات الأمريكية لشن حرب ثانية على إيران، فإن إسرائيل تقوم بتجهيز جبهتها الداخلية من أجل مواجهة الصواريخ الإيرانية والمشاركة في الهجوم على إيران.
وفي ردها على تهديدات ترامب ونتنياهو اللذين يقرعان معا طبول الحرب على إيران لحاجتهما إليها للتغطية في أمريكا على فضيحة إبستين المدوية، وفي إسرائيل على محاكمة نتنياهو الذي يتهرب منها منذ سنوات، فإن إيران تتصرف كما لو أن الحرب واقعة ضدها لا محالة، رغم أنها شاركت في جولتين من المفاوضات في مسقط وجنيف وأبدت تجاوبا ملحوظا للمطالب الأمريكية. غير أن فريق التفاوض الأمريكي رغم توصيفه الإيجابي للجولتين يتصرف بطريقة السيد والعبد، وبقي الرئيس ترامب يوما بعد يوم يرفع سقف تهديداته ولغته، ما استدعى ردا إيرانيا سياسيا وعسكريا. فقد وجهت إيران عبر مندوبها في الأمم المتحدة رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بينت فيها استعدادها للحوار والسلام، وأكدت أنها سترد على أي هجوم أمريكي ضدها.
وفي محاولة لسد الحجج والذرائع الأمريكية لتبرير الحرب، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي شارك في جولتي المفاوضات في مسقط وجنيف، يوم الجمعة 20 شباط (أي بعد يومين من تهديدات ترامب) أعلن أنه على اتصال مع ويتكوف وكوشنر، وأن بلاده سوف تعد مسودة اتفاق مع الولايات المتحدة خلال ثلاثة أيام.
وبين عراقجي بأنه “طلب منا إعداد مسودة لاتفاق محتمل لنتناقش حولها في الاجتماع المقبل ونبدأ التفاوض على نصها، ونأمل أن نصل إلى نتيجة”. وأشار إلى الدور الذي لعبه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي شارك في جولة المفاوضات في جنيف وقدم مقترحات فنية. وبين وزير الخارجية الإيراني أنه على اتصال مع نظيريه في المفاوضات ويتكوف وكوشنر، وأنهم سيجتمعون مجددا كلما دعت الحاجة لمعرفة كيفية التوصل إلى اتفاق عادل.
وجاءت تصريحات عراقجي بعد أن استفاق العالم على طبول الحرب التي بدأ ترامب يقرعها بشكل مفاجئ، وكان الرد الإيراني على المستوى العسكري مختلفا عن المستوى السياسي. فقد أكد الخامنئي وهو القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية بأن حاملة الطائرات الأمريكية سلاح خطير، ولكن الصواريخ الإيرانية قادرة على إغراق هذه الحاملات. وجاءت تصريحات الخامنئي في ظل أجواء من الشحن المعنوي العالي للشارع الإيراني الذي كانت تراهن عليه إدارة ترامب من خلال التظاهرات ضد الحكومة، ولكن هذا الشارع توحد أمام الخطر الخارجي مع الجيش الإيراني لمواجهة أمريكا وإسرائيل.
وفي رسالة عسكرية واضحة في ذروة التصعيد الأمريكي ضد إيران، قامت القوات المسلحة الإيرانية والروسية بإجراء تدريبات عسكرية في بحر العرب ومناورات حية، فيما ذكرت تقارير إعلامية عن حركة شحن كثيفة للأسلحة الروسية والصينية إلى طهران..
وفي ضوء التهديدات الأمريكية والردود الإيرانية، فإن إيران وعدت بتقديم مسودة اتفاق خلال ثلاثة أيام، ولكن في ضوء التجارب السابقة فإن طهران لو حملت برنامجها النووي ومنشآتها وقدمتها هدية إلى الولايات المتحدة وإدارة ترامب، فإن هذا لن يكفي ترامب وصديقه نتنياهو، لأن الحرب بالنسبة لهما باتت بمثابة حياة أو موت. إلا أن إيران كثفت اتصالاتها الدبلوماسية مع روسيا والسعودية، وقدمت اقتراحات عملية لإنهاء هذا التهديد الذي تواجهه… وفي نفس الوقت أكدت الاستعداد التام لمواجهة أي هجوم أمريكي محتمل، مع الإشارة إلى أن الصواريخ البالستية التي ترفض إيران إدراجها في أي اتفاق جديد تضاهي في تأثيرها خطر السلاح النووي نفسه، خاصة لدولة صغيرة المساحة كإسرائيل. وهذا هو السبب الذي يجعل حكومة نتنياهو ترتعد خوفا وتطلب من أمريكا ومن الرئيس ترامب إنهاء برنامج إيران النووي وتقييد برنامجها الصاروخي لكي لا يطال تل أبيب، وربما تغيير النظام إن أمكن….

