في مشهد يحمل من التناقضات بقدر ما يحمل من دلالات سياسية عميقة، يقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم على مفترق طرق مصيري. فمن جهة، تلوح في الأفق ضغوط أمريكية متزايدة لإجراء انتخابات رئاسية قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في كييف، ومن جهة أخرى، تمدد حالة الطوارئ والأحكام العرفية للمرة العاشرة على التوالي حتى مايو 2026 . في هذه المعادلة المعقدة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الجدل الدستوري والقانوني: هل يستخدم زيلينسكي “ورقة القوة العسكرية” – أي استمرار الحرب وتأجيل الانتخابات – كوسيلة للالتفاف على صناديق الاقتراع والتمسك بالسلطة في وقت تتراجع فيه شعبويته ويتصاعد فيه منافسوه؟ أم أن الأمر مجرد ضرورة أمنية تفرضها ظروف حرب استنزاف لا هوادة فيها؟ بين هذين السيناريوهين، تتشابك خيوط الدراما السياسية الأوكرانية، في وقت يبدو فيه أن موسكو وواشنطن تتفقان – ولو مؤقتاً – على ضرورة إجراء انتخابات، وإن كانت دوافعهما مختلفة جذرياً.
منذ الرابع والعشرين من فبراير 2022، تعيش أوكرانيا تحت وطأة الأحكام العرفية التي يجددها البرلمان كل ثلاثة أشهر بانتظام. في أحدث تمديد، مدد زيلينسكي حالة الطوارئ حتى الرابع من مايو 2026، مؤكداً على استمرار حظر إجراء أية انتخابات رئاسية أو استفتاءات وطنية طالما ظلت الحرب مشتعلة . هذا الموقف يستند إلى نص دستوري صارم: فالمادة 19 من القانون الأوكراني “بشأن النظام القانوني للأحكام العرفية” تحظر صراحة إجراء أية انتخابات أو استفتاءات في ظل الأحكام العرفية. كما أن إجراء الانتخابات يتطلب تعطيلاً كاملاً للقوانين التي تنظم الحياة السياسية، وهو أمر لا يمكن تمريره بسهولة في البرلمان .
لكن خلف هذا التبرير القانوني، تختفي اعتبارات أمنية أكثر إلحاحاً. ففي يناير 2026 وحده، شنت روسيا هجمات غير مسبوقة بطائرات مسيرة وصواريخ، حيث أشارت تقديرات أوكرانية إلى استخدام 5,717 قنبلة وصاروخاً خلال الشهر نفسه . في ظل هذا القصف اليومي، كيف يمكن تنظيم عملية انتخابية تشمل ملايين الناخبين، بينهم أكثر من 5 ملايين لاجئ في الخارج، و3 ملايين نازح داخلياً، ومئات الآلاف من الجنود في الجبهات الأمامية . عضو مجموعة العمل البرلمانية، أولها أيفازوفسكا، وصفت فكرة إجراء انتخابات في ظل الحرب بأنها “غير مفهومة على الإطلاق”، مشيرة إلى أن نسبة التأييد لإجراء انتخابات قبل وقف إطلاق النار لا تتجاوز 10% وفق استطلاعات الرأي . حتى داخل أروقة السلطة، يدرك الجميع أن أي محاولة لإجراء انتخابات الآن ستكون بمثابة “انتحار سياسي” لمن يجرؤ على تنفيذها .
على الطرف الآخر من الأطلسي، تبدو الإدارة الأمريكية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف زيلينسكي قبل عام بأنه “ديكتاتور بلا انتخابات”، يواصل الضغط من أجل إجراء اقتراع رئاسي في أوكرانيا بموعد أقصاه 15 مايو 2026 . وفقاً لتقرير صحيفة فايننشال تايمز، الذي نُشر في 11 فبراير 2026، تخطط كييف للإعلان عن انتخابات رئاسية واستفتاء عام على اتفاق السلام المحتمل في 24 فبراير، الذكرى الرابعة لبدء الغزو الروسي . المصادر الأوكرانية والأوروبية أكدت أن الضغوط الأمريكية بلغت حد التلويح بوقف الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن لكييف إذا لم تستجب لهذا الجدول الزمني .
لكن الموقف الأوكراني الرسمي بدا أكثر حذراً ومراوغة. مصدر في مكتب الرئيس الأوكراني صرح لصحيفة “كييف إندبندنت” بأن زيلينسكي “لم يكن يخطط” للإعلان عن الانتخابات في 24 فبراير، وأضاف بعبارة بالغة الدلالة: “عندما لا يكون هناك أمن، لا يوجد شيء آخر” . وفي تصريحات لاحقة لوكالة فرانس برس، أكد زيلينسكي أن الانتخابات ستجرى فقط عندما تتوفر “جميع الضمانات الأمنية اللازمة” ويتم التوصل إلى وقف إطلاق نار مع روسيا . حتى أنه أضاف ساخراً أن الحديث عن السياسة في ذكرى الحرب “فكرة غبية جداً” . هذا التباين بين التقارير الصحفية الغربية والتأكيدات الرسمية الأوكرانية يعكس حالة من الجمود والحيرة، حيث تحاول كييف كسب الوقت وعدم الانجراف وراء ضغوط واشنطن التي قد تكون لها كلفة سياسية باهظة.
على الرغم من التصريحات الرسمية الرافضة لإجراء انتخابات في ظل الحرب، تعمل آليات برلمانية أوكرانية بوتيرة متسارعة لوضع الإطار القانوني اللازم لانتخابات محتملة بعد الحرب. في ديسمبر 2025، شكل رئيس البرلمان رسلان ستيفانتشوك مجموعة عمل خاصة تضم أكثر من 60 خبيراً، بينهم نواب ومسؤولون حكوميون وممثلون عن اللجنة المركزية للانتخابات ومنظمات المجتمع المدني . المهمة الموكلة إليهم تبدو ضخمة: إعداد تشريعات انتخابية جديدة تسمح بإجراء انتخابات في فترة ما بعد الحرب أو حتى في ظل ظروف أمنية استثنائية .هذه المجموعة، التي يرأسها أولكسندر كورنينكو النائب الأول لرئيس البرلمان، انقسمت إلى سبع مجموعات فرعية تدرس مختلف الجوانب التقنية والسياسية، بدءاً من ضمان الامتثال للالتزامات الدولية، وصولاً إلى آلية تصويت العسكريين والنازحين واللاجئين في الخارج . لكن مصادر أوكرانية وصفت عمل هذه المجموعة بأنه “غير فعال” و”مجرد ثرثرة”، مشيرة إلى أن كبر حجم المجموعة يضمن عملياً تأخير النتائج .
اللافت أن رئيس اللجنة المركزية للانتخابات أوليه ديدينكو طلب مهلة ستة أشهر على الأقل لإجراء التحضيرات اللازمة بعد انتهاء الأحكام العرفية، لكنه قوبل بسؤال صادم من القيادة البرلمانية: “ألن تكفي 60 يوماً؟ يجب أن ننجزها في هذا الإطار” . هذا التناقض بين المهل الزمنية الواقعية التي تحتاجها العملية الانتخابية والضغوط الأمريكية السريعة يضع السلطات الأوكرانية في مأزق حقيقي: إما الامتثال للضغوط الخارجية على حساب جودة الانتخابات وشرعيتها، أو التمسك بالروزنامة الزمنية الطويلة والمخاطرة بغضب واشنطن.
حتى لو تم تجاوز العقبات الدستورية والسياسية، تبقى العقبات اللوجستية كابوساً حقيقياً لأي عملية انتخابية في أوكرانيا اليوم. اللجنة المركزية للانتخابات لا تملك بيانات دقيقة عن عدد الناخبين داخل البلاد وخارجها. فسجل الناخبين الحكومي عاد للعمل بشكل كامل في الأول من يناير 2026، لكن تحديث المعلومات يعتمد كلياً على المبادرة الفردية للمواطنين أنفسهم .
على الصعيد الخارجي، يمثل أكثر من 5 ملايين لاجئ أوكراني في الخارج تحدياً هائلاً . كيف سيتمكن هؤلاء من الإدلاء بأصواتهم؟ هل سيكون هناك اقتراع عبر البريد، أو تصويت إلكتروني، أو إنشاء مراكز اقتراع إضافية خارج البعثات الدبلوماسية؟ اللجنة المركزية تدرس جميع هذه الخيارات، لكن أياً منها لا يخلو من مشاكل تقنية وأمنية معقدة . أما داخل أوكرانيا، فالوضع أكثر تعقيداً. مئات مراكز الاقتراع دمرت بالكامل في القصف الروسي، وأخرى تحتاج إلى تأهيل وتجهيز. عشرات آلاف العاملين في العملية الانتخابية إما نزحوا أو التحقوا بالجيش أو قتلوا. كما أن المناطق المحاذية لخطوط الجبهة، التي تتعرض للقصف يومياً، تشكل تحدياً أمنياً غير مسبوق. خبير الانتخابات فولوديمير فسينكو قال صراحة: “الانتخابات في الأراضي المحتلة مستحيلة تماماً”، مضيفاً أنه حتى بعد انتهاء الحرب، سيكون من الصعب إجراؤها في ظل القوانين الأوكرانية التي تحظر ذلك .
ربما يكون الجانب الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو تآكل الشعبية التي تمتع بها زيلينسكي في بداية الحرب. فوفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجراها المعهد الدولي لعلم الاجتماع في كييف (KIIS) أواخر 2025، لا تزال نسبة الثقة بالرئيس مرتفعة نسبياً عند 59% . لكن الأهم هو استطلاعات نوايا التصويت، التي تظهر تقارباً شديداً بين زيلينسكي وقائد الجيش السابق فاليري زالوجني، الذي أقاله الرئيس في 2024 وعينه سفيراً في لندن. وفقاً لهذه الاستطلاعات، يمكن لزالوجني أن يهزم زيلينسكي في جولة إعادة محتملة .
هذا المشهد السياسي المتغير يضيف بُعداً جديداً للجدل حول الانتخابات. فزيلينسكي، الذي أكد في مقابلات سابقة أنه لا يرى نفسه “قائداً في زمن السلم” وأنه مستعد لترك السلطة بعد انتهاء الحرب، قد يجد نفسه مضطراً للتمسك بالسلطة في وقت تتراجع فيه فرص إعادة انتخابه . كما أن اتهامات مركزية السلطة في يد الرئيس ومكتبه، على حساب المعارضين مثل زالوجني، تثير علامات استفهام حول نزاهة أي عملية انتخابية تجرى في ظل الحرب .
المفارقة أن زيلينسكي نفسه كان وراء تشكيل مجموعة العمل البرلمانية، وأصدر تعليماته للنواب بصياغة مقترحات لتعديل التشريعات الانتخابية في ظل الأحكام العرفية . لكن حتى الآن، لم يتم اعتماد أي تعديلات. أولها أيفازوفسكا شددت على أن التعديلات يجب أن تشمل ليس فقط القانون الانتخابي، بل أيضاً القانون الجنائي وقانون المخالفات الإدارية، مما يزيد من تعقيد العملية ويطيل أمدها .
في تطور دراماتيكي خلال مؤتمر ميونخ للأمن في 14 فبراير 2026، أطلق زيلينسكي تصريحاً لافتاً: أوكرانيا قد تعلن وقف إطلاق نار تجاه روسيا إذا أجرت موسكو انتخاباتها الخاصة . هذا الطرح، الذي يبدو وكأنه من عالم الخيال السياسي، يحمل في طياته رسالة مزدوجة: من جهة، هو تأكيد على أن كييف لا تضع شروطاً تعجيزية وحدها، بل تطبق المعايير نفسها على الخصم. ومن جهة أخرى، هو إحراج للكرملين الذي يرفض أي حديث عن انتخابات رئاسية مبكرة في روسيا.
لكن موسكو، التي طالما شككت في شرعية زيلينسكي بعد انتهاء ولايته الدستورية في 2024، تقدم عرضاً مغايراً. فقد أعلن الكرملين استعداده لوقف إطلاق النار أثناء الانتخابات الأوكرانية، لكن بشرط أن يُسمح للأوكرانيين المقيمين في روسيا والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية بالمشاركة في التصويت .
هذا الشرط، الذي يبدو معقولاً ظاهرياً، يعيد إنتاج المعضلة الأساسية: هل يمكن تنظيم انتخابات في مناطق تحت الاحتلال؟ وكيف يمكن ضمان نزاهتها؟
الخاتمة في المحصلة، يبدو المشهد الانتخابي الأوكراني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فمن جهة، تدفع واشنطن باتجاه انتخابات سريعة قد تخدم جدولها الزمني للانتخابات النصفية، وتريد اتفاق سلام يعزز سجل ترامب السياسي . ومن جهة أخرى، تراقب موسكو عن كثب، وتشترط مشاركة مواطنيها في المناطق المحتلة، وتستغل أي تأخير لإضعاف الرواية الأوكرانية. وفي الوسط، يقف زيلينسكي في موقف لا يحسد عليه: إن أجرى الانتخابات الآن، فسيخاطر بفقدان السلطة لصالح منافسين أقوى في ظل ظروف أمنية مستحيلة، وإن أرجأها، فسيواجه اتهامات بالتمسك بالسلطة وتجاهل الديمقراطية.
الواضح أن “ورقة القوة العسكرية” التي يحملها زيلينسكي ذات حدين. فهي من ناحية تبرر تأجيل الانتخابات وتجعل أي حديث عن صناديق الاقتراع ضرباً من المستحيل. لكنها من ناحية أخرى، تضعف موقفه التفاوضي مع الغرب وتغذي خطاب خصومه الذين يتهمونه بأنه أصبح “ديكتاتوراً بلا انتخابات” كما وصفه ترامب . في هذه المعادلة الصعبة، يبقى الخيار الوحيد المتاح هو ربط الانتخابات باتفاق سلام شامل، مع استفتاء عام يشرعن أي تنازلات إقليمية قد تضطر كييف لتقديمها .
المحلل السياسي أولكسندر ليونوف لخص المعادلة بدقة: “التسلسل مهم: أولاً ضمانات أمنية، ثم كل شيء آخر. لأنه إذا تم أولاً اتفاق سلام، ثم توقيع وتنفيذ اتفاق الضمانات الأمنية، فهذا وقت يمكن أن يستغله بوتين” . في هذا السياق، تبقى الانتخابات الأوكرانية رهينة للتطورات الميدانية والدبلوماسية، ورهناً بقدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهمات قد تنهي أطول حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وحتى ذلك الحين، سيظل زيلينسكي ممسكاً بزمام السلطة في ظل حالة طوارئ لا تبدو نهايتها قريبة، بينما تتعالى الأصوات من كل اتجاه تطالبه بتسوية الحساب مع شعبه وصناديق الاقتراع.

