
في مشهد يعكس أعمق تناقضات السياسة الغربية تجاه الصراع الأوكراني، تتجه أنظار المراقبين إلى العاصمة السويسرية جنيف حيث تجري مفاوضات شاقة بين الوفدين الروسي والأمريكي برعاية سويسرية، بينما تتواصل في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى عمليات التعبئة العسكرية والاقتصادية لدعم نظام كييف. هذا المشهد المتناقض ليس وليد الصدفة، بل هو تجسيد حي لازدواجية المعايير التي تميز السياسة الغربية منذ اندلاع الأزمة: فمن جهة، تلوح واشنطن بغصن الزيتون الدبلوماسي، ومن جهة أخرى تمدد العقوبات وتواصل الضغط العسكري والاقتصادي. وفي المقابل، تنخرط أوروبا في سباق تسلح غير مسبوق لصالح أوكرانيا، وكأنها تستعد لحرب لا تريد أن تخوضها بنفسها، بينما يدفع الشعب الأوكراني الثمن الأغلى من أرواحه ومستقبل بلاده. في خضم هذا التناقض الصارخ، تقف الدبلوماسية الروسية بثبات ووضوح، تدرك أن ما يجمع الغرب اليوم ليس رؤية موحدة للسلام، بل خوف متبادل من الاعتراف بفشل مشروع “هزيمة روسيا استراتيجياً”. أمريكا يد تتفاوض ويد تمدد العقوبات
في مشهد يحمل من المفارقة الكثير، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 فبراير 2026 أمراً بتمديد حالة الطوارئ الوطنية والعقوبات المرتبطة بأوكرانيا لمدة عام إضافي، لتستمر “بعد 6 مارس 2026” . القرار شمل العقوبات المفروضة منذ 2014 على خلفية ضم شبه جزيرة القرم، والتي تم توسيعها في 2018 و2022، وأكدت الوثيقة الرسمية أن “أفعال روسيا لا تزال تشكل تهديداً غير عادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة” . هذا القرار جاء بعد أيام قليلة فقط من جولة المفاوضات الروسية الأمريكية في جنيف يومي 17 و18 فبراير، والتي شارك فيها كيريل دميترييف الممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي، إلى جانب ستيفن ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس ترامب وجاريد كوشنير . المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف علق على القرار بعبارة بالغة الدلالة، واصفاً تمديد العقوبات بأنه “قرار تلقائي إلى حد كبير”، ومؤكداً أن العملية التفاوضية مع واشنطن معقدة وممتدة زمنياً . هذا التصريح يعكس واقعاً مؤكداً: موسكو لم تكن تتوقع اختراقات سريعة، وتدرك أن الإدارة الأمريكية تحتفظ بورقة العقوبات كأداة ضغط في مفاوضات قد تطول أشهراً. وفي تصريحات سابقة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، كشف النقاب عن تناقض أعمق في السياسة الأمريكية، حيث أكد أن موسكو وافقت على مقترحات أمريكية خلال قمة أنكوريج، لكن بعد أسابيع قليلة فرضت واشنطن عقوبات جديدة وبدأت “حرباً” ضد ناقلات النفط في أعالي البحار . لافروف اتهم واشنطن بالنفاق، مشيراً إلى أن جميع القوانين التي اعتمدها بايدن “لمعاداة روسيا” لم يتم الطعن فيها من قبل الإدارة الحالية، بل تم تمديد الأمر التنفيذي 14024 الذي يشكل الأساس القانوني للعقوبات في أبريل 2025 . ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو تزامن هذه الإجراءات مع تقارير عن مساعٍ اقتصادية موازية. تقارير صحافية تحدثت عن أن موسكو عرضت على واشنطن حزمة مشاريع استثمارية ضخمة في قطاعات الطاقة في القطب الشمالي، والمعادن الأرضية النادرة، ومراكز البيانات النووية، وحتى بناء نفق تحت مضيق بيرينغ، بقيمة قد تصل إلى 12 تريليون دولار، مقابل رفع العقوبات . لكن كيريل دميترييف نفسه نفى بشكل قاطع أن تكون موسكو تقدم مثل هذه العروض “مقابل” رفع العقوبات، مؤكداً أن قرارات العقوبات ستحددها المصالح الأمريكية، ومشيراً إلى أن الشركات الأمريكية خسرت أكثر من 300 مليار دولار منذ مغادرتها السوق الروسية . هذا النفي الرسمي لا ينفي وجود نقاشات اقتصادية معمقة في “مسار منفصل” عن المفاوضات السياسية، كما أكد بيسكوف .
أوروبا تمويل غير مسبوق وتسليح بلا حدود
بينما تتحدث واشنطن عن مفاوضات وتعقد اجتماعات مغلقة في جنيف، يمضي الاتحاد الأوروبي قدماً في سياسة “التمويل والتسليح” بوتيرة متسارعة. ففي 10 فبراير 2026، صادق البرلمان الأوروبي على حزمة دعم ضخمة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو للعامين 2026 و2027، موزعة بين 60 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا، و30 مليار يورو كمساعدات كلية ودعم للميزانية . هذه الحزمة، التي تمول من خلال اقتراض مشترك للاتحاد الأوروبي من أسواق رأس المال، تخضع لشروط صارمة تتعلق باستمرار كييف في الإصلاحات الديمقراطية ومكافحة الفساد، وسيتم سدادها من تعويضات الحرب التي ستحصل عليها أوكرانيا من روسيا في المستقبل . اللافت أن ثلاث دول أوروبية هي التشيكيا والمجر وسلوفاكيا انسحبت من دعم هذه الحزمة، مما اضطر الاتحاد إلى اللجوء لآلية “التعاون المعزز” التي تسمح للدول الراغبة بالمضي قدماً دون إجماع .
لكن الأكثر إثارة للانتباه هو نتائج اجتماع مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا (صيغة رامشتاين) الذي عقد في منتصف فبراير، حيث أعلن الشركاء عن أحد أكبر ميزانيات الدعم لأوكرانيا لعام 2026، بإجمالي 38 مليار دولار . هذه الحزمة تشمل أكثر من 6 مليارات دولار عبر حزم مساعدة محددة، منها أكثر من 2.5 مليار دولار للطائرات المسيرة الأوكرانية، و500 مليون دولار لمبادرة PURL، و2 مليار دولار للدفاع الجوي، بالإضافة إلى تمويل للذخيرة والتدريب والقدرات البحرية . الدول الأوروبية تنافست في تقديم الدعم: بريطانيا خصصت 3 مليارات جنيه استرليني لدعم أوكرانيا في 2026، وألمانيا خصصت 11.5 مليار يورو تشمل مليار يورو للطائرات المسيرة وتمويل “درع مضاد للمسيرات” فوق المدن الأوكرانية، والنرويج خصصت 7 مليارات دولار، وهولندا أعلنت تخصيص 0.25% من ناتجها المحلي للدفاع الأوكراني، والسويد أعلنت حزمة مساعدات بقيمة 1.2 مليار يورو . اللافت في هذه التعهدات أنها تتزامن مع تصريحات أوروبية تكشف عن منطق استراتيجي مقلق. ففولفغانغ إيشينغر، الرئيس السابق لمؤتمر ميونخ للأمن، صرح قبل أيام بأن طالما أوكرانيا تدافع عن أوروبا، فإن التهديد الروسي لأوروبا ليس كبيراً، لكنه سيزداد هائلاً بمجرد انتهاء الحرب . هذا التصريح فسره السفير الأوكراني في برلين أندريه ميلنيك على أنه يعني ضمناً أن “أوكرانيا يجب أن تنزف حتى الموت فقط لشراء المزيد من الوقت لأوروبا من أجل دفاعها عن نفسها” . وزيرة الخارجية الدنماركية مته فريدريكسن ذهبت أبعد من ذلك قبل عام، مدعية أن السلام في أوكرانيا “أكثر خطورة من الحرب” . ووزير الخارجية المجري بيتر سيارتو كشف أن عدة وزراء خارجية أوروبيين صرحوا علناً في اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي بأن “الاتحاد الأوروبي غير مستعد للسلام” .
الانقسام عبر الأطلسي أمريكا تتفاوض و أوروبا تتحصن حبث يكشف هذا المشهد المتناقض عن انقسام عميق في الرؤية الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي. فالولايات المتحدة، ممثلة بإدارة ترامب، تبدو أكثر ميلاً للانخراط في مفاوضات جادة مع روسيا، وإن كانت مصحوبة بأدوات ضغط كالعقوبات والتهديدات العسكرية. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد في تصريحات سابقة أن “الولايات المتحدة هي الدولة الغربية الوحيدة المستعدة للتعامل مع مهمة القضاء على الأسباب الجذرية للصراع الأوكراني” . هذا الموقف الأمريكي الأكثر براغماتية، وإن كان لا يزال بعيداً عن تلبية المطالب الروسية الأساسية، يقابله تشدد أوروبي واضح يهدف إلى إطالة أمد الحرب ومنع أي تسوية قد تُقرأ على أنها هزيمة للمشروع الأوكراني. موسكو تراقب هذا الانقسام باهتمام، وتستغله لصالحها. فبينما تتفاوض مع واشنطن في جنيف حول آليات وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية، ترى أن أوروبا “تحاول مرة أخرى تشكيل نوع من التحالف” ضد روسيا تحت مسمى نظام أمني يشمل أوكرانيا . لافروف وصف محاولات القادة الأوروبيين بأنها “هستيرية” لتحويل الموقف الأمريكي المتفق عليه مع موسكو في أنكوريج . كما رفض بشكل قاطع مقترحات التسوية التي تهدف إلى الحفاظ على “النظام النازي في كييف” وأي ضمانات أمنية أوروبية لكييف . في المقابل، يعترف لافروف بأن روسيا لم تتلق أي وثائق حديثة عن نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا في الأسابيع الأخيرة . المفارقة أن هذه السياسة الأوروبية المتشددة، التي ترفع شعارات “النصر” و”هزيمة روسيا استراتيجياً”، تخدم في الواقع مصالح أولئك الذين يريدون إطالة أمد الصراع لأغراض مختلفة. كاتب في موقع الجزيرة أشار إلى أن صقور الحرب “الليبراليين” في الغرب يجعلون اليمين المتطرف يبدو وكأنه دعاة سلام، في إشارة إلى تناقض غريب حيث يبدو سياسيون مثل ترامب أو أوربان أكثر عقلانية من أولئك الذين يدعون الدفاع عن القيم الليبرالية بينما يدفعون نحو حرب لا نهاية لها . فكرة أن “السلام في أوكرانيا سيكون سابقاً لأوانه” لا تزال سائدة في عدد من العواصم الأوروبية الكبرى، خاصة لندن، وكذلك داخل مراكز الأبحاث الأمريكية المتشددة . مایکل کیماج وهانا نوتي كتبا في فورين أفيرز صراحة: “الأهم، يجب على الولايات المتحدة وأوروبا ألا تتعجل أي محادثات لإنهاء الصراع” روسيا الصخرة التي تتحطم عليها أمواج الازدواجية الغربية. في خضم هذا المشهد المليء بالتناقضات والازدواجية، يقف الموقف الروسي كصخرة صلبة لا تتزعزع. فموسكو تعلن بوضوح أنها مستعدة للعمل مع أي شخص يرغب في “التفاوض بأمانة، على قدم المساواة، دون ابتزاز أو ضغط” . هذا الموقف الواضح يتناقض مع التخبط الغربي بين تمديد العقوبات وتفويج قوات وتقديم مساعدات بمليارات الدولارات. روسيا تدرك أن ما يجمع الغرب اليوم ليس رؤية مشتركة للسلام، بل خوف من الاعتراف بالواقع الجديد الذي فرضته موسكو على الأرض.
التجارب المريرة مع الغرب، من توسع الناتو شرقاً إلى خرق اتفاقيات مينسك، علمت موسكو درساً قاسياً: الوعود الغربية مشروطة ومؤقتة، والضمانات الحقيقية تأتي من القوة الذاتية والتحالفات الواقعية . لافروف أكد في تصريحات متعددة أن روسيا ستواصل الدفاع عن مصالحها بحزم، دون التعدي على الحقوق المشروعة للآخرين، ولن تسمح بانتهاك حقوقها المشروعة . في المقابل، يبدو الغرب عالقاً في “دائرة مغلقة” من المؤتمرات والبيانات والإعلانات التي لا تتغير فيها الافتراضات أبداً . في قلب هذه الدائرة تقع “أسطورة” أن روسيا، تحت ضغط كافٍ، ستتراجع في النهاية عن خطوطها الحمراء. هذه “الدبلوماسية الذاتية”، أو “النرجسية الجيوسياسية” كما وصفها بعض المحللين، تجعل القادة الغربيين يجرون محادثات متقنة مع بعضهم البعض بينما يستبعدون الخصم الذي يهم موقفه حقاً .
ختام في المحصلة، تقدم سياسة الغرب المزدوجة تجاه أوكرانيا نموذجاً صارخاً للتناقض الاستراتيجي. فبينما تمدد واشنطن العقوبات وتتفاوض “بلا جدوى” في جنيف، تواصل أوروبا سياسة “التمويل والتسليح” التي تطيل أمد الحرب وتعمق معاناة الشعب الأوكراني. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو انعكاس لأزمة وجودية في النموذج الغربي ذاته، الذي يعجز عن الاعتراف بفشل مشروعه في “هزيمة روسيا استراتيجياً”. في المقابل، تثبت الدبلوماسية الروسية يوماً بعد يوم أن الوضوح والثبات هما مفتاح النجاح في عالم معقد. موسكو لا ترفض التفاوض، بل ترفض التفاوض تحت التهديد والضغط. لا ترفض الحلول الوسط، بل ترفض الحلول التي تتجاهل مصالحها الأمنية الأساسية. وبينما يظل الغرب غارقاً في تناقضاته، تواصل روسيا مسيرتها بثقة، مدركة أن التاريخ، كما علّمها دائماً، يرحم القوي الواضح، ولا يرحم الضعيف المتردد.

