
منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في السابع والعشرين من تشرين الثاني من عام 2024 برعاية أمريكية وفرنسية، التزم حزب الله اللبناني بهذا الاتفاق، فيما واصلت القوات الإسرائيلية خرقَه ومضت في أعمال القتل والقصف والاغتيالات ضد كوادر ومقاتلي المقاومة اللبنانية دون توقف ودون رقيب أو حسيب …..وبدأت التكهنات حول أسباب امتناع حزب الله عن الرد على الخروقات الإسرائيلية، وظن البعض أن الحزب بعد هزيمته في سورية وحادثة البيجر وتعرض قياداته للقتل خلال حرب غزة لم يعد لديه الحافز والقدرات التي تمكنه من الرد على إسرائيل التي استباحت أرض لبنان وأجوائه بشكل سافر…..
ولكن هذه الصورة عن حزب الله اللبناني سرعان ما تغيرت في الثالث من آذار من عام 2026 عندما انقض الحزب بصواريخه على إسرائيل دون سابق إنذار في ضربة استباقية معلنا دخوله الحرب رسميا إلى جانب إيران، وأطلق رشقة من الصواريخ على إسرائيل انتقاما لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 شباط في الضربات الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران …. .
ورغم أن حزب الله اللبناني لم يدخل حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل في منتصف العام 2025، إلا أن إعلانه دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في اليوم الثالث لاندلاعها لم يكن قرارا مفاجئا، بالنظر إلى أن المعركة اليوم في ظروفها ومناخاتها الإقليمية والدولية هي معركة حياة أو موت بالنسبة لإيران ومحورها وأذرعها في المنطقة، وبخاصة بعد أن أعلنت الحكومة اللبنانية قرارا بحظر نشاط حزب الله العسكري وطالبت بنزع سلاحه، وأعلنت لاحقا طرد السفير الإيراني. وجاء القرار في خضم الحرب التي يخوضها حزب الله إلى جانب إيران، ويعتبرها معركة وطنية وشرعية يقرها القانون الدولي بوصفها دفاعا مشروعا عن لبنان الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي. ومع أن هذه السردية لا تحظى بدعم القوى اللبنانية الكبيرة باستثناء حركة أمل وبعض القوى الإسلامية في لبنان، إلا أن هذه القوى كانت تتعامل بإيجابية مع حزب الله بكونه يواجه عدوانا ظالما، بالإضافة طبعا إلى روسيا والصين ودول عربية كالعراق والجزائر ومصر وإسبانيا، وهي الدولة التي اعتبرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عدوانا موصوفا لوضع باب شرعية …
وعلى المقلب الآخر، كانت إسرائيل تنتظر هذه اللحظة لتصفية حسابها مع حزب الله ومع بيئته الحاضنة، فأعلنتها حربا شاملة. ورغم التهديدات بتوسيع نطاقها لتشمل كل لبنان، إلا أنها بقيت محصورة ومحددة داخل الجغرافيا اللبنانية بثلاث مناطق هي الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة بعلبك شرق لبنان، وهي مناطق يقطنها أكثرية من المواطنين الشيعة الذين يشكلون بيئة حاضنة لحزب الله اللبناني الذي استطاع خلال عقود أن يحافظ على شرعيته الداخلية وأن يكون له ممثلين في مجلسي النواب والوزراء، خاصة وأن المسلمين الشيعة أكثرية بالنسبة لبقية الطوائف اللبنانية ويشكلون ثلث سكان لبنان.
ولكن الحسابات اليوم الداخلية والخارجية لا يمكن مقارنتها بالماضي. فقد صعدت إسرائيل فور دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران، صعدت حربها برا وجوا، وأصبحت الجبهة مع لبنان تعادل في أهميتها وضراوتها الجبهة مع إيران، وحشدت خمسة ألوية عسكرية وارتفعت 100 ألف احتياط، فيما كانت الحرب مع إيران تقتصر على عمليات القصف الجوي بالصواريخ والغارات التي تنفذها الطائرات المقاتلة الأمريكية والإسرائيلية ..
ومع إعلان ترامب تأجيل الضربات على محطات الكهرباء الإيرانية لمدة 5 أيام، دخلت الحرب على الجبهة اللبنانية مرحلة تصعيدية خطيرة، ذلك أن إسرائيل تفاجأت بإعلان ترامب عن تأجيل الضربات على إيران والعودة إلى المفاوضات، حيث رأى البعض أن إعلان ترامب مجرد محاولة لشراء الوقت. ذلك أن الجبهات ظلت مشتعلة، وراحت إسرائيل تكثف هجماتها على لبنان بشكل غير مسبوق. ولكن الظروف لم تعد تسير لصالحها بعد أن أنهكتها الضربات والصواريخ الإيرانية التي كانت متزامنة مع الرشقات الصاروخية اليومية التي يطلقها حزب الله على مناطق شمال إسرائيل، ما تسبب بهجرة داخلية إسرائيلية وباحتجاجات ودعوات لإيقاف الحرب. حيث بلغت صواريخ حزب الله مدن ومناطق عديدة وأصابت أهدافا هامة وتجمعات الجنود الإسرائيليين، عدا عن فشل إسرائيل باجتياح الجنوب اللبناني بريا، مع أنها قامت بقصف الجسور حتى ما بعد الليطاني لمنع الإمدادات عن الحزب، ودمرت خمسة جسور، كما دمرت عشرات الشقق السكنية بعد أن أنذرت الأهالي بمغادرة مناطق الجنوب والضاحية بشكل كامل، واعتبرت أن قرى وبلدات الجنوب مناطق عسكرية وصولا إلى نهر الليطاني. ولكن نتيجة المعارك التي خاضها الجيش الإسرائيلي على جبهتي إيران ولبنان لم تكن مشجعة.
فالصواريخ الإيرانية كانت تدك تل أبيب وحيفا دكا، وأما المقاومة اللبنانية فقد استطاعت تحويل الجبهة الشمالية طيلة الأسابيع الأربعة الأولى وخاصة الأسبوع الرابع بعد إعلان ترامب العودة إلى المفاوضات إلى كتلة من النار، وحافظت على وتيرة إطلاق منتظمة ودقيقة بلغت مئة صاروخ في اليوم الواحد لمديات مختلفة دون أن تتراجع، وزادت في الأسبوع الرابع من الصواريخ الثقيلة الأكثر فاعلية ودقة، وذلك بالتزامن مع موجات الصواريخ الإيرانية التي بلغت 75 موجة في اليوم الرابع والعشرين للحرب، بينما كان عدد الرشقات الصاروخية التي أطلقها حزب الله قد تجاوز هذا الرقم بكثير.
وعلى جبهة الحرب البرية، فقد بقيت وسائل الإعلام منذ اليوم الثالث للحرب وحتى اليوم الرابع والعشرين على أبواب بلدة الخيام الجنوبية والناقورة وبلدات الخط الأول، ولم يتمكن الجيش الإسرائيلي رغم كل مدرعاته وطائراته وتحشدات جنوده من تخطي هذا الخط باستثناء بعض العمليات الخاطفة. حيث أبدى مقاتلو حزب الله ثباتا وعزيمة، وقد حشد الحزب أكثر من أربعين ألف مقاتل داخل المنطقة التي تطالب إسرائيل بإخلائها من عناصر حزب الله، وهي المنطقة الممتدة من الحدود الدولية وحتى نهر الليطاني.
وهذه المنطقة لم يترك فيها جنود الاحتلال هدفا إلا دمروه، ولكن ذلك لم يفت من عضد المقاومة التي قاتل عناصرها بشراسة، وكبدوا جيش الاحتلال عددا كبيرا من دبابات الميركافا فخر الصناعات العسكرية الإسرائيلية. كما أفشلت المقاومة إنزالا جويا إسرائيليا كبيرا في بلدة النبي شيت شرق لبنان، وأعلنت يوم الاثنين في الثالث والعشرين من آذار أنها استهدفت طائرة إسرائيلية مقاتلة بصاروخ أرض جو لأول مرة في تاريخ المقاومة اللبنانية ….
وفي مقابل صورة الصمود على أرض الجنوب وعدم تمكن الجيش من التثبيت إلا في عدد محدود من النقاط التي احتلها، فقد كان الداخل اللبناني يغلي وقد بلغ السيل الزبى، وأعلنت الحكومة طرد السفير الإيراني من لبنان، واشتبكت القوى اللبنانية في سجالات واسعة وخطيرة حول دور الحزب وضرورة تسليم سلاحه فورا للسلطات اللبنانية، في وقت كانت إيران تتحدث عن ضرورة أن يكون مستقبل الحزب من ضمن الترتيبات والاتفاق المزمع توقيعه مع الولايات المتحدة في حال تم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب بين واشنطن وطهران بوساطة الترويكا الإسلامية: باكستان وتركيا ومصر …أما في الخليج فكانت الحرب على حزب الله بلا هوادة وفتكا، فقد أدانت الدول الخليجية حزب الله واتهمته بمحاولات زعزعة الأمن في الخليج. وأما الموقف الأكثر إيلاما وصعوبة فكان يتمثل بوقوع أكثر من مليون لبناني من بيئة المقاومة أسرى التهجير والفقر والنزوح داخل لبنان، وسط تذمر داخلي واحتقان حزبي وخلافات بين الحكومة وحزب الله الذي يواجه أعداء في الداخل والخارج على حد سواء، ووسط حصار محكم فرضته الجغرافيا. حيث قامت الحكومة السورية بنشر آلاف الجنود على الحدود الدولية بين سورية ولبنان، وذلك لمنع وصول أي إمدادات للحزب من إيران، كما منعت الحكومة السورية دخول اللبنانيين النازحين إلى سورية، وبقي مئات الآلاف منهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وسط بيئة اجتماعية وسياسية معادية وحملات إعلامية ضد حزب الله وداعميه ….
ومع كل هذه الصورة القاتمة وظروف الحرب القاسية، فقد كان المقاتلون في حزب الله يندفعون إلى الموت ويقصفون الصواريخ على شمال إسرائيل ويدمرون دبابات الميركافا ويلتحمون من مسافة صفر مع جنود الاحتلال الإسرائيلي على تخوم الحدود، دون أن يلتفتوا إلى المناكفات السياسية والقرارات الدولية، وإنما كانوا مع قياداتهم يضعون أرواحهم على أكفهم ويحاربون بقوة إرادتهم بإمكاناتهم المحدودة. فلم تتمكن إسرائيل رغم ما تمتلكه من تكنولوجيا وقدرات وقوة نارية ورغم كل ما حشدته أن تحقق النصر …مع الإشارة إلى أن الحرب في لبنان بعد حظر الحزب من قبل الحكومة اللبنانية لم تعد كما كانت قبل ذلك، فالغطاء الشرعي الذي كان حزب الله يقاتل تحته لم يعد موجودا، وهذا بحد ذاته يشكل خطرا على المقاتلين الذين يعتبرون أنفسهم يدافعون عن أرضهم ضد عدو معتدي، رغم أن خصومهم يتهمون الحزب بأنه فصيل من الحرس الثوري الإيراني ينفذ الأجندات الإيرانية….
ويبدو أن دخول مصر وفرنسا على خط الوساطة من أجل تخفيف التوتر على الجبهة اللبنانية يعد خطوة هامة، إلا أن طبيعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية جعلت حزب الله الرقم الصعب في هذه المعادلة التي سيتم حسمها في ميدان القتال قبل طاولة المفاوضات التي دعا إليها الرئيس الأمريكي ترامب والذي يزعم أنه انتصر فيها وأنه دمر إيران وقوتها الصاروخية والبحرية.
وأنه يتبجح ويزعم أنه قضى على 70 قيادة لها كما فعل في فنزويلا، مع أن المسؤولين الإيرانيين يتعاطون مع تصريحاته بسخرية واستهتار. ولكن بغض النظر عن مزاعم ترامب وما تؤكده وقائع الميدان وجبهات القتال، فقد تساءل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في رده على ترامب بالقول: طالما أن ترامب انتصر ودمر إيران لماذا تراجع عن قصف محطات الكهرباء وعاد إلى طاولة المفاوضات؟؟ وأكد عراقجي أنه يفاوض عن الجمهورية الإيرانية، أما مجلس الشورى ورئيسه قاليباف فإن له عمله المحدد. وكان بذلك يرد على محاولات أمريكا اللعب بالماء العكر وإظهار قاليباف وكأنه يفاوض واشنطن من وراء ظهر المرشد الخامنئي الشاب. ولكن قاليباف سخر من إعلان ترامب وأكد أنه لم يجر أي اتصالات مع أمريكا ….. وهذا ما يحدث في لبنان أيضا، حيث يتفوق حزب الله سياسيا وعسكريا وقانونيا، ولكنه يتعرض للظلم من ذي القربى من أبناء الوطن كما يتعرض للقصف الإسرائيلي. ولكن الكلمة العليا ستكون في هذه الحرب لمن يصمد أكثر، طالما أن أحدا لن يحقق النصر الكامل، فإنها الحرب تشبه لعبة عض الأصابع. ويبدو أن اللعبة تشارف على الانتهاء، وأن ترامب ونتنياهو هما من بدآ بالصراخ أولا … فالرئيس ترامب كان يظنها حملة لعدة أيام. أما نتنياهو فقد ذاق في ديمونا وعراد على يد إيران ما ذاقه أبناء غزة على يديه وما يذوقه المستوطنون في الشمال على يد حزب الله. ولم يعد باستطاعة الجمهور الإسرائيلي الذي يعيش بمعظمه في الملاجئ، ولا يعرف المستوطنون السبعة ملايين منذ الثامن والعشرين من شباط في يقظتهم وفي نومهم سوى صفارات الإنذار التي تخبرهم بأن رشقة صاروخية جديدة أطلقها حزب الله قادمة إليهم من الشمال، تتزامن مع موجة جديدة من الصواريخ الإيرانية الانشطارية تخترق المنظومات الاعتراضية وتسقط في تل أبيب وديمونا وحيفا، وترفع أسعار الطاقة في أوروبا والولايات المتحدة بعد إغلاق مضيق هرمز إلى مستويات عالية. وهذا الواقع العسكري والاقتصادي جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسارع للعودة إلى المفاوضات مع إيران رغم معارضة نتنياهو الشديدة، الذي يدفع باتجاه تجريد حزب الله اللبناني من سلاحه ويسعى إلى مواصلة الحرب ضد حزب الله حتى لو توقفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي وضعت بدورها مسألة إيقاف الحرب على جميع الجبهات وليس على الجبهة الإيرانية أحد الشروط للقبول بوقف الحرب والتوقيع على أي اتفاق بشأن ملفها النووي …

