
في حديث خاص مع شبكة شام نيوز إنفو على إذاعة فيرجن إف ام، قدّم المحلل السياسي الأستاذ مصطفى النعيمي تحليلاً مستفيضاً لأهداف زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي المفاجئة إلى دمشق، برفقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ولقائه بالرئيس أحمد الشرع، معتبراً أنها تأتي في إطار سعي سورية إلى “الإمساك بالعصا من المنتصف” واتباع سياسة متوازنة بين روسيا وأوكرانيا.
أكد النعيمي أن المتغيرات الدولية ألقت بظلالها على الساحة السورية، مشيراً إلى أن الزيارة ذات طابع سياسي ودبلوماسي بحت، ولم تظهر حتى اللحظة مؤشرات أو تسريبات حول وجود ملفات عسكرية أو أمنية. ووصف الحالة الدولية الراهنة بأنها “حالة من الجنون والتخبط في اتخاذ القرارات”، حيث تُبنى تحالفات جديدة لكنها “هشة جداً” وتتفكك عند أول عاصفة. ورأى أن التحالفات التي بنتها إيران كانت قوية بفضل أدوات التأثير التي تمتلكها، بينما بقيت التحالفات الأخرى هشة في ظل التهديدات الأمريكية المستمرة.
وأشار النعيمي إلى أن الولايات المتحدة تشرف على المعارك بالوكالة، لكن اليوم انخرط “الأصلاء” في المعركة بشكل أو بآخر، معتبراً أن الوجود الأوكراني في الساحات العربية هو حضور “إيجابي” من وجهة نظر الدول العربية، خاصة وأن المنطقة مهددة من خلال أدوات التأثير الروسية المباشرة. وأوضح أن سورية انتقلت من “المحور الشرقي إلى المحور الغربي”، وأن الزيارة تأتي في سياق تعزيز الدور الأوكراني والعلاقات المشتركة، وربما البحث عن مصادر الغذاء والحبوب. ورغم أن أوكرانيا لا تنتمي إلى أي من المحورين، وأن أوروبا لم تعد تشكل محوراً مستقلاً، إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية تبقى “الحرب الحقيقية” التي تستنزف الجميع.
وشدد النعيمي على أن سورية تحاول اتباع مسار وسطي و”تمسك العصا من المنتصف” خشية ارتدادات سلبية على الساحة السورية. وأكد أن وجود هاكان فيدان بجانب زيلينسكي يطمئن روسيا، لأن زيارة وزير الخارجية تبقى ضمن الإطار الدبلوماسي السياسي، وليس هناك حضور عسكري أو استخباراتي. ورأى أن المصالح المشتركة هي الفيصل، وأن أوكرانيا قد تلعب دوراً وسيطاً بين سورية وإسرائيل لتسوية التوغلات البرية الإسرائيلية وتهدئة الخواطر بحثاً عن الاستقرار.
وحول العلاقة مع روسيا، أكد النعيمي أن سورية لا تستطيع الاستغناء عن الدور الروسي، خاصة في قضايا مثل تحييد الصواريخ الإيرانية التي تمر عبر الأجواء السورية. ورأى أن سورية تبحث عن حلفاء غير متجانسين (تركيا، أوكرانيا، أمريكا، إسرائيل) وهذا الخليط يحتاج إلى تحليل دقيق والبحث عن مشتركات مع كل حلف على حدة لتحييد الساحة السورية عن الاشتباك الدولي، وهو ما تم بالفعل بفضل الدبلوماسية المرنة.
وانتقل النعيمي إلى الحديث عن الهجمات التي تعرضت لها السفارة الإماراتية في دمشق، معتبراً أن السبب الرئيسي يعود إلى خلفية اعتقال أحد قيادي وزارة الدفاع السورية (عصام بويضاني) ومحاكمته قبل يومين من الاعتداءات. وأشاد بموقف الحكومة السورية التي أدانت بشدة هذه الأعمال وطالبت بمحاسبة المعتدين، وشددت على أن السفارات هي أراضٍ تابعة لدولة الإمارات وتتمتع بالحماية السورية. ورأى أن العلاقات الجيدة بين البلدين ستساهم في تجاوز هذه الأزمة.
وفي الشأن الداخلي، اعتبر النعيمي أن سلم الأولويات في سورية أصبح “أفقياً” وليس عمودياً، حيث تتصدر ملفات الاقتصاد والأمن والخدمات جميعها قائمة الأولويات في وقت واحد. وأكد أن غياب مجلس الشعب يعطل التعديلات التشريعية والقانونية، وخاصة قوانين الاستثمار التي تعتبر مفتاحاً لعملية إعادة الإعمار. وانتقد البيروقراطية المتوارثة في مؤسسات الدولة، مستشهداً بمعاناة المواطنين في إصدار جواز السفر أو إخراج القيد، داعياً إلى تجاوز هذه الإجراءات المتعبة التي تستنزف الوقت.
وأشار النعيمي إلى أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية أثرت سلباً على عملية إعادة البناء، بسبب ارتفاع أسعار النفط وانكفاء المستثمرين لحين البت في مسألة مضيق هرمز. لكنه تطرق إلى مشروع خط أنابيب النفط القطري المار عبر الأراضي السورية والممتد إلى أوروبا، برعاية أمريكية واستثمار أوروبي، والذي سيعود بالنفع على سورية بعد أن دفعت ثمناً كبيراً في السابق. ولفت إلى أن خط كركوك يعمل حالياً، وأن سورية أصبحت محط أنظار العالم كنقطة عبور بديلة للنفط العراقي إلى مرفأ بانياس.
وختم النعيمي بالتشديد على أن السوريين هم من يحددون سرعة النهوض، وكلما اقتربوا من بعضهم كلما تسارعت عملية البناء والاستثمار، داعياً إلى تكامل المسؤوليات بين المجتمع والحكومة والبناء على المشتركات لتجاوز الأزمة الداخلية التي تعتبر “منطلقاً للحلول المستقبلية المستدامة”.

