
“يكفي يعني يكفي”.. هكذا خاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حليفه الوحيد في الحرب على إيران بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل بأن عليه وقف إطلاق النار مع لبنان فورا، وحدد منتصف السادس عشر من أبريل موعدا لوقف كامل لإطلاق النار والبدء بعملية سلام بين لبنان وإسرائيل، وذلك في محاولة للهرب إلى الأمام وإظهار نفسه بأنه الآمر الناهي في هذه الحرب، بعد سلسلة الإخفاقات السياسية والعسكرية أمام إيران التي تفاوض ويدها على الزناد، مع احتمالات عودة ترامب إلى خيار الحرب إذا ما فشلت جولة المفاوضات الثانية بين أمريكا وإيران في إسلام آباد والتي ستعقد قبل انتهاء الهدنة في 22 أبريل 2026.
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط واستمرت أربعين يوما، ذهبت عمليا بهيبة أمريكا كدولة عظمى في منطقة الشرق الأوسط. وكشفت الحرب عورة أمريكا وهي تقصف إيران دون وجه حق وخارج الشرعية، ولكنها كانت في الوقت نفسه تفقد هيبتها كدولة عظمى إلى غير رجعة، رغم كل التهديدات وحملات الأكاذيب والتضليل التي يقودها ترامب وإدارته ونتنياهو وحكومته لتبرير الحرب بحجة منع إيران من صناعة قنبلة نووية، مع أن إيران أكدت مرات وتكرارا أنها ملتزمة بالقانون الدولي وأنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي. ونجحت إيران حتى الآن في استخدام الأوراق التفاوضية وأوراق القوة التي لديها والتي تمتلكها ببراعة، وفي مقدمتها ورقة الصواريخ التي وصل مداها إلى جزيرة دييغو غارسيا، وورقة مضيق هرمز كسلاح اقتصادي، بالإضافة إلى ورقة الدعم المعنوي والسياسي والعسكري الروسي والصيني الذي ما يزال يشكل كابوسا يحطم آمال ترامب ونتنياهو في إمكانية هزيمة إيران، في وقت كان ترامب يظهر في ساحة المعركة بدون غطاء قانوني أو شرعي، يفقد حلفاءه في الناتو ويفقد الدعم في مجلس الأمن …
وكما نجحت إيران في إدارة المعركة بدعم من روسيا والصين، فإنها برعت في إدارة المفاوضات وفي استخدام مضيق هرمز خلال الحرب وخلال الهدنة، وتركت للرئيس ترامب فرصة التبجح بالنصر وبأنه يحاصر الموانئ الإيرانية وأنه استطاع فتح مضيق هرمز، وذلك قبل موعد الجولة الثانية من المحادثات المقررة في التاسع عشر من أبريل في إسلام آباد بين جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي ومحمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الإيراني. وهو يتبجح طوال الوقت بسحق إيران ويهدد بعدم تمديد الهدنة بعد 22 أبريل إذا لم ترضخ طهران لشروطه، مع أن القاصي والداني يعلم أن أمريكا لو كانت منتصرة كما يزعم ترامب فإنها لا تفاوض، وأن إدارة ترامب عاجزة عن إغلاق أو فتح مضيق هرمز، ولا تملك القدرة ولا الوسائل ولا حتى الإرادة السياسية على إغلاق مضيق هرمز، ولا تستطيع أي قوة أن تحاصر الموانئ الإيرانية لأنها ممتدة وواسعة على طول السواحل وتعد بالعشرات، فكيف يروج ترامب صباحا ومساء أنه يحاصر إيران ….
ولا شك أن القوة المعنوية التي تنبع من الدعم الروسي والصيني كانت عاملا حاسما خلال الحرب وخلال المفاوضات. فقبل هذه الحرب لم تتجرأ أي دولة على قصف البوارج وحاملات الطائرات والقواعد الأمريكية في الخليج، فيما كانت موسكو وبكين تستخدمان على المستوى السياسي الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد قرار يستهدف إيران ويدعو لفتح مضيق هرمز تحت الفصل السابع ….
ورغم الفشل العسكري وإعلان ترامب وقف إطلاق النار مع إيران وتمديد الهدنة حتى يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، وإطلاقه عشرات التهديدات، إلا أن ترامب كان يشتري السمك بالماء، ووصل إلى مرحلة لم يعد أحد يصدق كلمة واحدة مما يقوله، فمن ثبت كذبه خلال الحرب لا يجوز تصديقه خلال السلام. وقد خرجت الأمور من يده، وباتت المبادرة بيد إيران وحلفائها، بعد ادعاءات نتنياهو وترامب أنهما دمرا الصواريخ الإيرانية وهذا ليس صحيحا، وبعد معركة أصفهان البرية، وبعد قصف جزيرة دييغو غارسيا وفيها مركز تدريب تقوم القوات الأمريكية بإجراء تدريبات عليها لخوض معركة برية ضد إيران، وبعد التقارير الصحفية التي أكدت أن الصين زودت إيران بقمر صناعي يكشف المواقع الأمريكية والقواعد في المنطقة، وبعد الحديث عن إطلاق مسيرات من صنع روسي ضد إسرائيل خلال الهجوم الإسرائيلي الفاشل على بنت جبيل في جنوب لبنان، وهي نفس المسيرات المتطورة التي تطلقها روسيا على أوكرانيا ..
وعلى الصعيد السياسي، كانت الصين وروسيا رغم أنهما لم تشتركا في المفاوضات مع إيران في إسلام آباد، ولكنهما كانتا الحاضر الغائب، وكما كان حضورهما عسكريا كان لهما حضور سياسي. وقد تحول الفشل الأمريكي في إخضاع إيران إلى فرصة حقيقية، وتحولت الحرب إلى صورة معركة بين إيران وأمريكا في الظاهر، ولكن في الباطن أصبحت نوعا من الكباش بين مشروع أمريكا للسيطرة على الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وتعميم الفوضى الخلاقة وصولا إلى إيران، عبر المحاولات الأمريكية ليس بتوقيع اتفاق حول الملف النووي الإيراني وإنما بالتحكم بمضيق هرمز بهدف تدمير مشروع الحزام والطريق الصيني واستبداله بمشروع الهند وأوروبا من خلال إخضاع إيران، ومحاولات ترامب إغراء الصين بمنحها موانئ في الإمارات بدلا من الموانئ الإيرانية والتعويض لها عن النفط الإيراني .. ولكن الرسالة الصينية الروسية وصلت بسرعة إلى البيت الأبيض حتى قبل أن تبدأ الجولة الثانية من محادثات إسلام آباد، عبر رسالة عسكرية روسية في بنت جبيل في الجنوب اللبناني، وسياسية في مجلس الأمن، وخلال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى بكين، في وقت كان العالم كله يقف على قدم واحدة وكان ترامب يهدد بمعاودة القصف على إيران بعد انتهاء الهدنة في 22 أبريل، وكانت إسرائيل ترتكب مجزرة مروعة ضد لبنان راح ضحيتها أكثر من 400 مدني و1300 جريح. ولكن إيران كانت تسند ظهرها بقوة على حلفائها وتصر على أنها لن تعود إلى المفاوضات في إسلام آباد قبل التزام إدارة ترامب بوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإجبار نتنياهو على وقف إطلاق النار.
هي حرب ليست على إيران وحدها، وإنما على روسيا والصين وكل الدول التي تدور في فلكهما في منظمتي البريكس وشنغهاي. ولكن الفشل الأمريكي في السيطرة على مضيق هرمز وعلى إخضاع إيران عسكريا كان يعطي رسائل قوية بأن مهاترات ترامب وعنترياته لا يمكن أن تصرف خارج المعركة الحقيقية التي أثبتت إيران أنها قادرة على خوضها من خلال إغلاق مضيق هرمز ومن خلال إلحاق الهزيمة بإسرائيل ومنعها من تحقيق أهدافها في احتلال المزيد من الأراضي في جنوب لبنان …..
والسؤال …. هل انتصرت أمريكا؟ وهل هزمت إيران؟ وهل انتهت الحرب بالفعل؟ أسئلة من هذا النوع تشغل أوساط الدبلوماسية والإعلام.. من يملك الجواب؟
مهلا، لماذا العجلة في إعلان النصر؟ إن كان حاصلا فعلا فستظهر نتائجه على الأرض. لذلك .. ربما علينا ترك الأيام القادمة تروي لنا الحكاية كاملة …. لو كانت أمريكا منتصرة لما شغلت نفسها بإجراء المفاوضات، وكانت تصرفت مع إيران كما تصرفت مع فنزويلا ومع العراق سابقا ومع أفغانستان …. أمريكا لم تنتصر ولن تنتصر.
وبدلا من المماحكة، دعونا نغير طبيعة الأسئلة .. ولنسأل مثلا: لماذا تداعى الصين وروسيا إلى عقد اجتماعات عالية المستوى بعد أن استخدمتا الفيتو المزدوج في مجلس الأمن لصالح إيران، وقام وزير الخارجية الروسي لافروف بإجراء محادثات استراتيجية مع نظيره الصيني وانغ يي حول ضرورة عدم تمكين أمريكا من النصر مهما كانت الظروف؟
ولنسأل: لماذا تداعى الأوروبيون لقمة باريس، وتضمن بيانهم الختامي عبارة واحدة ذات مدلول قوي: “ستشكل قوة دولية (لا تحمل طابعا هجوميا) لضمان الملاحة في مضيق هرمز”.. رغم أن المضيق بات مفتوحا.. ما العبرة إذا؟
لماذا أصر السيد رجب طيب أردوغان على الإسهاب في الحديث عن الأمة والعصبية التي تحدث عنها ابن خلدون قبل 1000 عام؟
لماذا غابت تصريحات المسؤولين العرب في نشرات الأخبار، وسكت الجميع من بيروت إلى الرياض والدوحة والكويت والمنامة وأبو ظبي ومسقط؟
الجواب عطفا على أسئلة البداية: ما جرى في باريس ويالطا وبيروت وطهران وتل أبيب وواشنطن له تفسير واحد .. يقول إن الحرب لم تنته، وربما ما شهدناه ليس بداية حتى، بل جس نبض على طريقة المبارزات الفردية قبل المعارك الكبرى.
الأوروبيون خائفون من نفوذ أمريكا .. والصينيون والروس يريدون لترامب أن يتورط أكثر، وهم يدعمون إيران سياسيا وعسكريا، ولكنهم لا يريدون أن تحصل إيران على دور أكبر في المنطقة وتصبح قوة عظمى ….. أردوغان يعلم أن المسرحية لها فصول كثيرة، أحدها على الأقل يجب أن يكون في أنقرة.
العرب يريدون لإيران أن تضعف، لكنهم يعلمون الثمن الذي سيطلبه ترامب…
إسرائيل تخشى نهاية المعارك قبل أن تحصل على آخر بندقية في جنوب لبنان وصنعاء وغزة.
أما أمريكا التي يقودها سمسار عقارات .. فإنها لا تثق إلا بنفسها، ولذلك حولت الجميع إلى خصوم بدرجات مختلفة….
انظروا حولكم الآن، هل هذا مناخ سلام؟ وهل كل هذه الطموحات المتناقضة تدل على أن القادم هو مدافع صامتة؟ .. لابد من قراءة من زاوية أخرى .. النظام العالمي الذي أسس بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية لم يعد يعبر عن توازنات القوى اليوم .. قالها أردوغان أمس ملمحا لضرورة تغيرات جوهرية في بنية مجلس الأمن .. وقالها ترامب بشكل أوضح في كل تهكمه على حلف الناتو … تخيلوا أن الناتو ومجلس الأمن لم يعودا صالحين .. وتخيلوا الطريقة لتغيير طبيعة النظام العالمي ..
هي حكاية روت جزء من فصولها تلك المبارزة الفردية بين إيران وحزب الله وأمريكا وإسرائيل ….. والجزء الآخر سنتابع فصوله خلال الأشهر والسنوات القادمة من حكم ترامب في البيت الأبيض ..

