
في التاسع من أغسطس 2026، وفي تطور وصفته الأوساط الدبلوماسية بـ”التحول الاستراتيجي الأبرز منذ سقوط نظام الأسد”، أعلنت وزارة الخارجية السورية عن توقيع مذكرة تفاهم تاريخية مع الجانب الروسي، حُسم بموجبها مصير القاعدتين العسكريتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، بعد عام ونصف من المفاوضات المكثفة. بموجب هذه المذكرة، التي حددت سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال تنفيذها، ستتحول القواعد الروسية من منشآت عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، بينما تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس. هذا الاتفاق، الذي جاء تتويجاً لمسار تفاوضي معقد، لم يكن مجرد إعادة ترتيب للوجود العسكري الروسي، بل كان إعلاناً عن ولادة مرحلة جديدة من العلاقة بين دمشق وموسكو، حيث تتحول سوريا من مجرد ساحة لوجود عسكري أجنبي إلى شريك في بناء قدراتها الدفاعية، بمساعدة من أقوى حليف لها. والأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر إسرائيل والغرب، أن هذه المراكز التدريبية المشتركة قد تكون النواة الأولى لإعادة بناء القوات الجوية السورية، التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي في ديسمبر 2024، مما يهدد بتغيير موازين القوى في المنطقة برمتها، وإفشال المخططات الغربية التي كانت تراهن على إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة.
لم يكن هذا الاتفاق وليد فراغ، بل جاء بعد سلسلة من التحركات الميدانية والدبلوماسية التي كشفت عن عزم دمشق وموسكو على إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، رغم كل الضغوط الغربية والإسرائيلية. ففي الأسابيع التي سبقت توقيع المذكرة، رصدت الاستخبارات الإسرائيلية مؤشرات متسارعة على إعادة بناء سلاح الجو السوري، بما في ذلك تجنيد طيارين جدد، وتنفيذ تدريبات جوية باستخدام طائرات تدريب ومروحيات، وأول تدريب لطائرات مقاتلة من طراز “سوخوي-22” في شمال سوريا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. هذه التدريبات، التي جرت في أجواء محافظة إدلب التي تخضع لسيطرة فصائل معارضة سابقاً، كانت رسالة واضحة من دمشق بأنها تستعيد قدرتها على فرض سيادتها على كامل أراضيها، وأنها لن تترك مجالها الجوي رهينة للإرادة الإسرائيلية. والأكثر دلالة، أن حفل تخريج أكثر من ألف صف ضابط من الكلية الجوية في قاعدة “خالد بن الوليد” (مطار كويرس) شرق حلب في نهاية يوليو 2026، كان بمثابة إعلان عن ولادة جيل جديد من الطيارين السوريين، المستعدين لحماية سماء بلادهم، بفضل الدعم والتدريب الروسي. جوهر هذه المذكرة يتجاوز بكثير مجرد إعادة تسمية القواعد العسكرية، فهو يكمن في السؤال الأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر إسرائيل والغرب: هل ستشارك روسيا في تدريب الطيارين السوريين وإعادة تأهيل القوات الجوية السورية؟ الإجابة، كما تشير كل المؤشرات، هي نعم. فالخبراء العسكريون يؤكدون أن تحويل القواعد الروسية إلى مراكز تدريب مشتركة يعني أن موسكو ستوفر خبراتها العسكرية الهائلة لتدريب الكوادر السورية، ليس فقط على تشغيل الطائرات، بل على صيانتها وتطويرها وتخطيط العمليات الجوية. هذا التدريب، الذي سيشمل الطيارين والفنيين وضباط التخطيط، سيمثل نقلة نوعية في قدرات القوات الجوية السورية، التي كانت تعتمد قبل الحرب على طائرات سوفيتية الصنع بمعايير تقنية متواضعة. روسيا، التي تمتلك واحدة من أقوى القوات الجوية في العالم، والتي اكتسبت خبرة قتالية هائلة في سماء سوريا على مدى سنوات، هي الشريك المثالي لإعادة بناء سلاح جوي سوري حديث وقادر على حماية سيادة البلاد. وهذا ما تخشاه إسرائيل بالضبط، لأن أي قوة جوية سورية مدعومة روسياً ستشكل تهديداً وجودياً لقدرتها على التحرك بحرية في الأجواء السورية واللبنانية، وستجبر تل أبيب على إعادة حساباتها الاستراتيجية في المنطقة بأكملها. الأبعاد الاستراتيجية لهذا الاتفاق تتجلى في ثلاثة مستويات رئيسية. أولاً، المستوى العسكري: فإعادة بناء القوات الجوية السورية، بدعم روسي، ستعيد التوازن العسكري في المنطقة، وستجعل سوريا قادرة على الرد على أي عدوان إسرائيلي، وستحمي مجالها الجوي من الاختراقات المتكررة. ثانياً، المستوى السياسي: فالاتفاق يثبت أن روسيا، رغم انشغالها بالحرب الأوكرانية والضغوط الغربية، لا تزال قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها، وأن سوريا الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، قادرة على إدارة علاقاتها الدولية بذكاء، والحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية دون التضحية بسيادتها. ثالثاً، المستوى الجيوسياسي: فالاتفاق يوجه ضربة قاصمة للمخططات الغربية والإسرائيلية التي كانت تراهن على إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، ويؤكد أن المنطقة تشهد تحولاً في موازين القوى لصالح المحور الذي تقوده روسيا، بعيداً عن الهيمنة الغربية.
كما أن الاتفاق يمنح سوريا “خيار المناورة” بين الأطراف الدولية الفاعلة، مما يعزز موقفها التفاوضي في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب. في خضم هذا المشهد، يبرز الموقف الإسرائيلي كصوت القلق والعجز. فوفقاً لتقارير هيئة البث الإسرائيلية “كان”، فإن “المنظومة الأمنية الإسرائيلية، رصدت مؤشرات على تسارع سوريا في إعادة بناء سلاحها الجوي”، وأن “القلق الإسرائيلي يتركز بصورة خاصة على تنامي النفوذ التركي في سوريا، وما قد يرافقه من احتمال نشر أنظمة دفاع جوي تركية في الأراضي السورية، الأمر الذي ترى إسرائيل أنه قد يشكل تحدياً لقدرتها على التحرك جويا في المنطقة”. هذا القلق الإسرائيلي، الذي تشاركه فيه واشنطن، يعكس إدراكاً عميقاً بأن سوريا الجديدة لم تعد مجرد دولة منهكة بحاجة إلى المساعدات، بل أصبحت قوة إقليمية صاعدة، مدعومة من روسيا وتركيا والسعودية وفرنسا. والمفارقة أن إسرائيل، التي دمرت سلاح الجو السوري في ديسمبر 2024 بغاراتها الجوية، هي اليوم من تشعر بالقلق من إعادة بنائه، وكأنها تدرك أن محاولاتها لإضعاف سوريا قد أتت بنتائج عكسية، حيث دفعت دمشق إلى التعاون بشكل أوثق مع روسيا وحلفائها. في الجانب الآخر، يقف الموقف الروسي كصخرة صلبة، يثبت مرة أخرى أن موسكو، رغم كل الضغوط الغربية، لا تتخلى عن حلفائها، وتستطيع تحويل أي أزمة إلى فرصة لتعزيز نفوذها. فالكرملين، الذي كان قد سحب قواته العسكرية من قاعدة القامشلي مطلع عام 2026 كبادرة حسن نية تجاه الحكومة السورية الجديدة، ها هو اليوم يوقع اتفاقاً يحول قواعده العسكرية إلى مراكز تدريب، مما يضمن استمرار وجوده العسكري في سوريا بشكل قانوني ومؤسسي، بعيداً عن أي ذرائع غربية. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “موسكو مستعدة لدعم سوريا في استعادة سيادتها على كامل أراضيها”، واليوم، ها هي المذكرة التاريخية تترجم هذه الوعود إلى واقع ملموس، في ضربة استراتيجية للمشاريع الغربية التي كانت تراهن على إخراج روسيا من سوريا. في المحصلة، فإن مذكرة التفاهم بين سوريا وروسيا، التي تحول القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، ليست مجرد اتفاق تقني، بل هي إعلان عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، حيث تستعيد البلاد سيادتها وقدراتها الدفاعية، بمساعدة حليفها الأقوى. إنها رسالة إلى العالم بأن سوريا لن تبقى رهينة للإرادة الإسرائيلية أو الغربية، وأنها قادرة على إعادة بناء جيشها وقواتها الجوية، رغم كل التحديات. والأهم من كل ذلك، أن هذا الاتفاق يمثل ضربة استراتيجية للمخططات التي كانت تسعى إلى إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، ويؤكد أن المنطقة تشهد تحولاً في موازين القوى، لصالح القوى التي ترفض الخضوع للهيمنة الغربية. وكما قال أحد المحللين السوريين: “سوريا تعود بقوة، وهذه المرة بجناحين روسيين”. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستكتفي إسرائيل والغرب بمشاهدة هذا التحول من بعيد، أم أنها ستسعى إلى عرقلته بكل الوسائل، حتى لو كان الثمن حرباً جديدة في المنطقة؟ موسكو حذرت، ودمشق تستعد، والقادم سيكون أكثر إيلاماً لأعداء سوريا مما يتصورون.

