
أعادت الأحكام القضائية التي أصدرتها محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق عدد من رموز النظام السوري السابق الملف السوري إلى واجهة الأحداث الدولية، بعد عام ونصف على التحرير وانتصار الثورة، في ظل الظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها سوريا، وصراع النفوذ الدائر على أطرافها، والتداخل بين الشأن السياسي وموجباته، والعدالة الانتقالية، والشأن القضائي ومحدداته.
وأثارت الأحكام الغيابية والعقوبات المشددة التي صدرت في 10 آب/أغسطس 2026 عن محكمة وطنية لها رمزية، ويمكنها مخاطبة الإنتربول الدولي لتسليم المحكومين غيابيًا، ردود فعل واسعة، في وقت تتجه فيه معظم دول العالم إلى إلغاء عقوبة الإعدام من قوانينها، فيما يسمح القانون السوري بعقوبة الإعدام حضوريا وغيابيا.
وفور صدور الحكم، توالت البيانات من مختلف الوزارات والهيئات الحكومية السورية مرحبة بحكم الإعدام الغيابي الصادر بحق بشار الأسد وماهر الأسد ولؤي العلي وجاسم الفريج وطلال العيسمي وقصي ميهوب ووفيق ناصر، وبحكم الإعدام حضوريا بحق المتهم عاطف نجيب، رئيس جهاز الأمن السياسي في درعا. وأكدت المحكمة، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، أن المتهمين المحكومين بالإعدام ارتكبوا جرائم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فيما شهدت محافظة درعا احتفالات شعبية بعد قرار محكمة الجنايات الرابعة تجريم نجيب وإعدامه.
واعتبر رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، العميد عبد الباسط عبد اللطيف، أن المحكمة قالت كلمتها، وهذه محطة مهمة في طريق العدالة وإنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون. فيما أكد وزير العدل السوري، مظهر الويس، أن الحكم في حق المجرم عاطف نجيب صدر باسم الشعب السوري كاملًا، وأشار إلى أن الحكم في حق نجيب سينقل إلى محكمة النقض كونها المحكمة الأعلى في البلاد.
في سياق متصل، أثار البيان الذي أصدرته منظمة العفو الدولية بشأن الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة ردود فعل متباينة. فالبعض اعتبر أن الأحكام الغيابية كانت مستعجلة بعض الشيء، ذلك أن الحكم بالإعدام على عدد من رموز النظام السابق، ومنهم بشار الأسد الذي منحته روسيا حق اللجوء الإنساني، قد يقيد إمكانية المطالبة بتسليمه للسلطات السورية، نظرًا إلى أن معظم دول العالم ألغت حكم الإعدام، وحتى الدول التي لم تلغه قد تتحفظ على هذا الحكم الغيابي، مع إمكانية إعادة المحاكمة لتمكين المتهم من الدفاع عن نفسه.
غير أن الحكومة السورية اعتبرت يوم الحكم بالإعدام على رموز النظام السابق يومًا تاريخيًا للعدالة، فيما شهدت العديد من المناطق احتفالات، وأسكرت الفرحة بعضًا من ذوي الضحايا والمتضررين والمفقودين، وصدرت مئات البيانات من شخصيات وجهات ومنظمات حقوقية رحبت بالأحكام، فيما طالبت منظمة العفو الدولية في موقف لافت بإلغاء الأحكام.
ويبدو أن قوانين معظم دول العالم تمنع تسليم من صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، إضافة إلى التحذيرات التي أطلقتها منظمة العفو الدولية، والتي اعتبرت أن المحاكمات الغيابية وأحكام الإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب لا تنسجم مع ضمانات المحاكمة العادلة والمعايير الدولية. ودعت المنظمة إلى إجراء المحاكمات أمام محاكم مدنية عادية بمشاركة الضحايا، دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، كما طالبت بإلغاء المحاكمات الغيابية.
وقالت العفو الدولية إنه يجب أن تشكل ملاحقة المسؤولين قضائيًا عن الجرائم الفظيعة التي ارتكبت خلال عهد الأسد خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة وكشف الحقيقة وجبر الضرر لعشرات الآلاف من الضحايا.
ومع أن سوريا تعتبر المحاكمات الجارية صمام الأمان للمرحلة القادمة، فقد جاء رد وزارة العدل السورية في بيان أكدت فيه أن تصريح منظمة العفو الدولية بشأن الأحكام القضائية التي صدرت لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتبعت، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضي. وأشارت الوزارة إلى أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وعلى أيدي قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم.
وأكدت وزارة العدل السورية أيضًا أن طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا تفرض على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عنها، وأن تحقيق العدالة في هذه القضايا يجري ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها، وبما يحفظ حق الضحايا. واعتبرت الوزارة أن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام يعد استهانة وتجاهلًا لفظاعة الجرائم، وأكدت أن عقوبة الإعدام مقررة في القانون السوري، ولا تفرض إلا بحكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع.
وبالإضافة إلى ترحيب الوزارات والهيئات بصدور أحكام الإعدام، فقد لقي صدور هذه الأحكام ترحيبًا في العديد من المناطق في سوريا، بخاصة في درعا. وقد اعتبر متابعون لملف العدالة الانتقالية أن صدور الحكم بحق عاطف نجيب يشكل محطة مفصلية في مسار إرساء العدالة وسيادة القانون، ورسالة واضحة بأن زمن الإفلات من المساءلة قد ولى.
وأكدوا أن القضاء لا ينتقم ولا يتشفى، وإنما يحكم وفق القانون والأدلة وأصول المحاكمة العادلة، دون تمييز أو انتقائية.
ومع أن هذه المحاكمات تشكل أول اختبار حقيقي لقدرة القضاء في سوريا على موازنة المعايير الدولية للنزاهة وضمانات الدفاع مع حجم الانتهاكات المرتكبة، فإن الكثيرين ينظرون إليها باعتبارها مفتاح نجاح الحكومة السورية برئاسة الرئيس أحمد الشرع، كون العدالة الانتقالية تمثل صمام الأمان لضمان استقرار سوريا ووحدتها، ولا يمكن، من دون إعطاء المظلوم حقه، أن يشعر الناس بالأمان في وطنهم.
ومع أن روسيا أكدت أكثر من مرة أن ملف بشار الأسد مقفل وأنها لن تقوم بتسليمه إلى سوريا، فإن صدور الحكم غيابيًا بالإعدام ربما أصبح عائقًا حقيقيًا أمام إمكانية تسليمه، بدلًا من أن يكون الحكم دافعًا لتسليمه.
وبين فرحة السوريين ومعارضة منظمة العفو الدولية وإقفال موسكو لملف تسليم رئيس النظام السابق، تبقى الإشارة إلى أن السوريين، رغم أن هاجسهم الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي في ظل استمرار أعمال الخطف والفوضى والاعتداءات الإسرائيلية وهجمات داعش، فإن موضوع العدالة الانتقالية يحتل اهتمامًا ومتابعة ورمزية خاصة لدى ذوي الضحايا على وجه الخصوص، ولعموم الشعب السوري، بوصفه رسالة بأن سوريا لا تتهاون بحقوقها الوطنية وحقوق مواطنيها.
وأن العدالة الانتقالية، مهما بلغت من الاتساع ومن شدة العقوبات، فإنها لن تعوض إلا القليل مما أصاب سوريا، في وقت لا يزال ملايين السوريين في المخيمات، عدا عن المفقودين واليتامى، وليس لهم من أمل سوى ضمان حقوقهم ومنع الانتهاكات والمجازر بحقهم. وهنا نشير أيضًا إلى أن القضاء في سوريا بدأ محاكمة عدد من المتهمين بمجازر السويداء، وبانتظار الأحكام على هؤلاء المتهمين بارتكاب الجرائم، فإن سوريا تكون قد قطعت مرحلة صعبة من تاريخها.
فالناس في نهاية المطاف لا يريدون الانتقام، وإنما الهدف ردع المجرم عن تكرار فعلته، وتجبر خواطر المكلومين وذوي الضحايا، ومنح الثقة الكاملة بالقانون السوري والقضاة السوريين، فالعدل أساس الملك. فالجميع ينظر إلى العدالة الانتقالية في سوريا كتجربة فريدة، باعتبارها، رغم قساوتها ومصاعبها على السوريين، عبرة ودرسًا للآخرين وصمام أمان لهم في قادم الأيام، ومفتاح نجاح لهذه المرحلة ومقدمة لحل جميع المشكلات المتراكمة.
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن التعاون الواسع بين الحكومة السورية والمجتمع الدولي يحتم أيضًا التعاون بينهما في موضوع العدالة الانتقالية، بما يؤمن العدالة للجميع، وبما يحافظ على وحدة البلاد من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها.
يحيى كوسا

