
في الفترة بين الثامن عشر والعشرين من سبتمبر 2026، وجدت روسيا نفسها أمام اختبار وجودي غير مسبوق منذ بداية العملية العسكرية الخاصة. ففي ثلاثة أيام فقط، تزامنت ثلاث أزمات كبرى: انتخابات برلمانية هي الأولى منذ اندلاع الحرب، وهجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية وُصفت بأنها الأكبر على الإطلاق استهدفت العاصمة موسكو ومناطق استراتيجية، وتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون “الجحيم” للعقوبات الذي يهدد بإغراق الاقتصاد الروسي في مستنقع جديد. هذا التزامن لم يكن مصادفة، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الروسية على الصمود وإدارة الأزمات المتعددة في وقت واحد، في مشهد يذكرنا بأسوأ أيام الحرب الباردة، لكنه هذه المرة يتطلب من الكرملين أن يثبت أن روسيا، رغم كل الضغوط، لا تزال قادرة على الحفاظ على استقرارها الداخلي، وشرعيتها السياسية، وقدرتها على تجاوز العقوبات.
في ليلة العشرين من سبتمبر، بينما كان الروس يتابعون نتائج الانتخابات التشريعية، أعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين عن تعرض العاصمة لهجوم بطائرات مسيّرة وصفه بأنه “الأكبر منذ بدء الصراع”. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن أنظمة الدفاع الجوي تمكنت من تدمير 344 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق عدة مقاطعات روسية والبحر الأسود، بما في ذلك 249 مسيّرة أُسقطت فوق مناطق محيطة بموسكو في يوم واحد. وبحسب السلطات الروسية، فقد أسقطت الدفاعات الجوية 1600 طائرة مسيّرة منذ بدء الهجوم، منها 450 كانت في طريقها إلى موسكو.
لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة. فقد سقط قتيلان وأصيب خمسة على الأقل في هجمات استهدفت مناطق مدنية، وتضررت منشآت صناعية وحيوية، من بينها مصفاة نفط في موسكو وحي كابوتنيا، ومصفاة “سلافنفت-يانوس” في ياروسلافل، ومطار عسكري في روستوف أون دون. هذا التزامن بين الهجمات المكثفة من جهة، والانتخابات من جهة أخرى، جعل من الواضح أن أوكرانيا كانت تهدف إلى إرباك المشهد السياسي الروسي وزعزعة ثقة المواطن في قدرة دولته على حمايته، في محاولة لتقويض شرعية العملية الانتخابية نفسها.
رغم الهجمات، أصر الكرملين على إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المحدد من 18 إلى 20 سبتمبر، في أول انتخابات تشريعية تجرى منذ بدء العملية العسكرية الخاصة. وأظهرت النتائج الأولية، التي أعلنتها رئيسة لجنة الانتخابات المركزية إيلا بامفيلوفا، فوز حزب “روسيا الموحدة” بنسبة 57.83% من الأصوات، متفوقاً بفارق كبير على الحزب الشيوعي الذي حل ثانياً بنسبة 13.8%، ثم الحزب الليبرالي الديمقراطي بنسبة 8.6%. وبلغت نسبة المشاركة أكثر من 50%، وهي نسبة وصفها المراقبون بأنها “مفاجئة” نظراً للظروف الأمنية الاستثنائية.
لكن ما وراء الأرقام، ثمة دلالات أعمق. فقد رأى المحللون في هذه النتيجة تأكيداً على أن الحرب لم تضعف قاعدة دعم الكرملين، بل على العكس، عززت الالتفاف حول القيادة في مواجهة التهديدات الخارجية. وكما أشار أحد الخبراء، فإن “الانتخابات المتوقعة في ظل الظروف الاستثنائية ليست مجرد استعراض ديمقراطي، بل هي اختبار لقدرة الدولة على إدارة العمليات السياسية في وقت الحرب”. وبالفعل، نجح الكرملين في تقديم صورة التماسك والاستمرارية، رغم محاولات التشويش الأوكرانية.
في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه النتائج الأولية للانتخابات، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما وُصف بـ”قانون جحيم العقوبات” (Sanctions Hell Act)، الذي يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين، إلى جانب عقوبات على شركات أجنبية تدعم الجيش الروسي. ويستهدف القانون، الذي أقرّه الكونغرس بغالبية واسعة، خمس دول كبرى تشتري الطاقة الروسية، من بينها الصين والهند، في محاولة لقطع أكبر مصادر التمويل التي تغذي الاقتصاد الروسي، وفرض رسوم تصل إلى 500% على الواردات الأمريكية من روسيا.
هذا القانون ليس مجرد إجراء عقابي جديد، بل هو محاولة استراتيجية لتفكيك شبكة التجارة البديلة التي بنتها روسيا مع آسيا والشرق الأوسط. فبعد أن فشلت العقوبات الأولى في إسقاط الاقتصاد الروسي، وتحولت التجارة الروسية نحو الشرق، تدرك واشنطن أن الضغط الحقيقي لا يكون على موسكو مباشرة، بل على شركائها التجاريين الذين يمنحونها متنفساً. لكن موسكو، التي راكمت خبرة سنوات في التعامل مع العقوبات، تدرك أيضاً أن هذه اللعبة قد تكون أخطر من سابقاتها، لأنها تضع الصين والهند في موقف صعب بين مصالحهما الاقتصادية مع روسيا والتهديدات الأمريكية.
ما يميز هذه الأزمة المزدوجة أن الكرملين تعامل معها بثلاث أدوات متكاملة. أولاً، القبضة الأمنية: حيث كثفت الدفاعات الجوية جهودها، وأعلنت السلطات حالة التأهب في مناطق واسعة، ونجحت في إسقاط مئات المسيّرات، حتى وإن لم تمنع سقوط قتلى وأضرار.
ثانياً، التماسك السياسي: حيث لم تؤجل الانتخابات، بل تمت في موعدها، مما أرسل رسالة داخلية وخارجية بأن الدولة الروسية قادرة على إدارة الاستحقاقات الدستورية في أحلك الظروف. ثالثاً، المرونة الاستراتيجية: عبر تعزيز التحالفات مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى، وبناء شبكات مالية وتجارية بديلة عن النظام الغربي، وهو ما جعل بعض المراقبين يشككون في فعالية العقوبات الجديدة على المدى الطويل.
والأمر الأكثر دلالة على فشل العقوبات التي تفرضها واشنطن وحلفاؤها أن أوروبا نفسها اعترفت بفشلها. فالمفوضية الأوروبية رفعت توقعاتها لنمو الاقتصاد الروسي في 2026 من 1.1% إلى 1.3%، رغم كل العقوبات، ما يعني أن الاقتصاد الروسي لم ينهار كما كان يأمل الغرب، بل تكيف مع الظروف الجديدة، وأصبح أكثر مرونة. وقال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف في وقت سابق: “لقد طورنا مناعة ضد كل أنواع العقوبات”. هذه المناعة لم تأت من فراغ، بل من إعادة هيكلة الاقتصاد نحو الإنتاج المحلي وتنويع الأسواق، والاعتماد على موارد الطاقة والزراعة والصناعات الثقيلة التي لا يمكن للغرب أن يستغني عنها.
في المحصلة، فإن الأسبوع الذي جمع بين هجمات المسيّرات، والانتخابات، والعقوبات الجديدة، يمكن اعتباره اختباراً حقيقياً للدولة الروسية. فمن جهة، أثبتت روسيا أنها قادرة على إدارة أزمات متعددة المستويات في وقت واحد، دون أن تتعطل مؤسساتها أو تتزعزع أركان نظامها. ومن جهة أخرى، كشفت هذه الأحداث عن تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها: هجمات المسيّرات أصبحت أكثر تطوراً وحجماً، وتستهدف العمق الروسي، والانتخابات جرت في ظروف أمنية استثنائية، والعقوبات الأمريكية الجديدة قد تكون الأكثر خطورة على شركاء روسيا التجاريين.
لكن الأهم أن الكرملين، الذي يواجه هذه التحديات الثلاثة، لا يبدو في حالة دفاع، بل في حالة هجوم: يشن حرباً في أوكرانيا، ويعزز تحالفاته في آسيا، ويبني نظاماً اقتصادياً بديلاً، ويثبت لشعبه أن الانتخابات في موعدها. هذا لا يعني أن المشهد الروسي خالٍ من المخاطر، لكنه يشير إلى أن موسكو، بدأت تتعلم كيفية إدارة الأزمات المتراكمة، وتحويلها إلى فرص لتعزيز الشرعية والتماسك. وفي عالم متعدد الأقطاب، من يملك هذه القدرة على الصمود، هو من يكتب قواعد اللعبة في النهاية.

