
في رابع فبراير 2026، وقف وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة إلى جانب نائب وزير الدفاع الروسي، الجنرال يونس بك يفكيروف، في دمشق، ليعلنا عن رغبة مشتركة في “تطوير التعاون الميداني في المناطق الجنوبية، بما يشمل القنيطرة والحدود المحاذية لخط فصل القوات”. لم تكن هذه التصريحات مجرد مجاملات دبلوماسية عابرة، بل كانت إعلاناً عن بدء واحدة من أكثر العمليات حساسية وتعقيداً في سوريا ما بعد الأسد: إعادة انتشار القوات الروسية في الجنوب السوري، على مرمى حجر من الحدود الإسرائيلية، تحت أنظار تل أبيب التي تراقب كل خطوة بقلق بالغ. وبعد أشهر من الجولات الميدانية والمباحثات المغلقة، بدأت تتكشف ملامح هذا الترتيب الأمني الجديد: موسكو تعيد فتح نقاطها العسكرية التي أُغلقت بعد سقوط نظام الأسد، ودمشق تراهن على الوجود الروسي كحاجز يحميها من التوغلات الإسرائيلية، وتل أبيب ترفض في العلن وتتفاوض في الخفاء، في لعبة ثلاثية معقدة قد تحدد مستقبل المنطقة الجنوبية بأكملها.
لفهم جوهر هذه اللعبة، لا بد من العودة إلى الأرقام والحقائق على الأرض. ففي 17 نوفمبر 2025، أي قبل شهر واحد فقط من سقوط نظام بشار الأسد، عززت القوات الروسية وجودها في الجنوب السوري، حيث نشرت تسع نقاط مراقبة في ريفي القنيطرة ودرعا، وقرب منطقة “فصل القوات” مع إسرائيل. لكن بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، وانسحاب الجيش الروسي من معظم مواقعه في سوريا التي تجاوزت 110 قواعد ونقطة عسكرية، أُغلقت هذه النقاط بالكامل، وتقلص الوجود الروسي بحلول فبراير 2026 ليقتصر على قاعدتي حميميم الجوية في اللاذقية وطرطوس البحرية. هذا الانكشاف الأمني في الجنوب لم يمر دون عواقب. ففي الأشهر التي تلت انسحاب موسكو، توغلت إسرائيل بعمق في الأراضي السورية جنوباً، وسيطرت على مناطق واسعة في ريف دمشق والقنيطرة ودرعا، وأنشأت ما وصفته بـ”منطقة عازلة” أمنية، بحجة حماية مستوطناتها الشمالية. عشرات المدنيين السوريين دفعوا الثمن، بينما وقفت دمشق الجديدة عاجزة عن الرد، لأن جيشها لم يكن قد استكمل بعد عملية إعادة البناء.
هنا بالتحديد يتضح لماذا يعد ملف الجنوب أولوية قصوى لدمشق. ففي لقائه مع الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين في 28 يناير 2026، طرح الرئيس السوري أحمد الشرع بشكل مباشر قضية “الترتيبات الأمنية المستقبلية في جنوب سوريا”، بما في ذلك وجود شرطة عسكرية روسية في القنيطرة في هضبة الجولان، لتكون بمثابة حاجز ضد أي توغلات إسرائيلية. كان الشرع واقعياً في تقييمه: جيشه في طور التشكيل، وقدراته الدفاعية محدودة، وإسرائيل لا تتوانى عن ضرب أي هدف ترى فيه تهديداً. فكان الخيار الروسي هو الأمثل: قوة عسكرية لها خبرة طويلة في المنطقة، وقادرة على التواصل المباشر مع الطرف الإسرائيلي، وتملك مصداقية كضامن أمني لا يمكن تجاهله. وكما قال الشرع لاحقاً في تصريح لواشنطن بوست: “لدينا مصالح استراتيجية مع روسيا، ولا نريد دفعها إلى خيارات بديلة في التعامل مع سوريا”.
لكن الطرف الإسرائيلي لم يكن مستعداً للقبول بهذا الترتيب بسهولة. ففي يناير 2026، كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية أن روسيا سعت لنشر قواتها في جنوب سوريا بموافقة دمشق، لكن إسرائيل “عارضت ذلك وعرقلت هذه الخطوة حتى الآن”. المصدر الإسرائيلي المطّلع أوضح أن دمشق أرادت “إدخال القوات الروسية إلى جنوب سوريا لأن تقف هذه القوات حائلاً بينهم وبين إسرائيل وأن توفّر لهم غطاءً واقياً”، لكن تل أبيب كانت “معنية بوجود روسي محدّد في سوريا ليكون بمثابة ثقل موازن لتركيا، غير أن ليس في جنوب سوريا، وبالتأكيد ليس في هذه المرحلة”. هذا الموقف الإسرائيلي، الذي يجمع بين الرفض العلني والقبول الضمني بوجود روسي في أماكن أخرى، يعكس إدراكاً استراتيجياً عميقاً: إسرائيل لا تريد قوات روسية على حدودها مباشرة، لأنها قد تقيد حرية عملها الجوي في المستقبل، لكنها في الوقت نفسه لا تريد فراغاً يستغله الأتراك أو الجماعات المسلحة المناهضة لها.
ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو أن هناك اتفاقاً غير معلن، أو على الأقل تفاهماً، بين موسكو وتل أبيب حول مسألة القوات الإيرانية في الجنوب. ففي مارس 2026، كشفت تقارير أن “إسرائيل وروسيا توصلا إلى تفاهم حول سحب القوات الإيرانية من جنوب سوريا، حيث اتفق الجانبان على ضرورة إزالة القوات الإيرانية من المنطقة الجنوبية، والسماح لإسرائيل بمهاجمة الأهداف التي تراها تهديداً بحرية، بشرط ألا تكون هذه الأهداف مرتبطة بنظام الأسد”. هذا التفاهم، الذي لم يُعلن عنه رسمياً، يمنح موسكو دوراً مزدوجاً: من جهة، هي تضغط لإخراج إيران من الجنوب، وهو مطلب إسرائيلي أساسي، ومن جهة أخرى، هي تقدم نفسها كضامن لأمن المنطقة بعد خروج الإيرانيين.
هذا الدور الوسيط، الذي وصفه أحد المحللين بأنه “استراتيجية التوازن الروسية”، يسمح لموسكو بالحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف دون أن تخسر أي منها.
لكن هذا التوازن الدقيق لا يخلو من مخاطر. ففي أبريل 2026، انسحبت القوات الروسية من جميع نقاطها العسكرية المتبقية في محيط الجولان المحتل، وريف القنيطرة، ودرعا، متجهة نحو قاعدة حميميم على الساحل السوري. هذا الانسحاب، الذي جاء بعد أشهر من المفاوضات غير المثمرة مع إسرائيل، أثار موجة من القلق في دمشق، التي وجدت نفسها فجأة أكثر انكشافاً على الجبهة الجنوبية. لكن المفاجأة كانت في التوقيت: فبعد أقل من خمسة أشهر، وتحديداً في سبتمبر 2026، عادت القوات الروسية إلى المنطقة، حيث وصل رتل عسكري يضم 15 قطعة من المعدات العسكرية إلى ريف القنيطرة، ووصل إلى قرية صيدا الحنوت في جنوب الجولان السوري، بالقرب من المنطقة العازلة. هذا العودة المفاجئة، التي جاءت بعد جولة ميدانية واسعة أجراها وفد عسكري روسي رفيع في نوفمبر 2025، ثم جولة أخرى في فبراير 2026، تشير إلى أن موسكو لم تتخلَّ عن مشروع العودة إلى الجنوب، بل كانت تنتظر الظروف المناسبة، وتجري مشاورات مكثفة مع الجانبين السوري والإسرائيلي.
اللافت أن هذه العودة الروسية إلى الجنوب جاءت بعد سلسلة من الاتصالات الرفيعة المستوى التي لم تُعلن تفاصيلها. ففي 14 سبتمبر 2026، أجرى الرئيس بوتين اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شدد فيه على “وحدة الأراضي السورية”، وذلك بعد أعمال عنف طائفية في جنوب سوريا دفعت إسرائيل إلى التدخل عسكرياً. هذا الاتصال، الذي جاء في ذروة التوترات في منطقة السويداء، يكشف عن حقيقة أساسية: موسكو وتل أبيب تتحدثان مباشرة، وهما الطرفان القادران على إدارة الأزمة الجنوبية دون أن تنزلق إلى مواجهة شاملة. السفير الروسي لدى تل أبيب، أناتولي فيكتوروف، كشف في سبتمبر 2026 عن وجود “آلية بين الجيشين الروسي والإسرائيلي لمنع وقوع حوادث غير مرغوب فيها في سوريا”، مضيفاً أن “الاتصالات على الصعيد السوري تُجرى عبر القنوات العسكرية”. هذه الآلية، التي تعمل في الخفاء منذ سنوات، هي المفتاح لفهم كيف تمكن الطرفان من تجنب الصدام المباشر رغم وجودهما في نفس المسرح العملياتي.
وبحسب مصادر “ذا كريدل” التي نشرت تفاصيل عن العودة الروسية، فإن روسيا بدأت خطوات عملية لإعادة تموضع قواتها في جنوبي سوريا عبر “إعادة إنشاء تسعة مواقع عسكرية في محافظة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل”. هذه المواقع هي ذاتها التي انسحبت منها موسكو بعد سقوط نظام الأسد، وهي تشمل مواقع استراتيجية حساسة مثل “تلول الحمر” قرب خط وقف إطلاق النار لعام 1973، والتي تُعد من أكثر النقاط حساسية لمهام الرصد والمراقبة باتجاه الجولان المحتل. الوفد العسكري الروسي-السوري المشترك زار هذه المواقع، وأبقى “مركزاً لوجستياً دائماً في القنيطرة” مهمته “تقييم الاحتياجات الهندسية والتقنية، ورفع تقارير حول متطلبات إعادة تشغيل هذه المواقع، بما يشمل تأهيل البنى التحتية وخطوط الإمداد”. ومن المتوقع أن تبدأ “الخطوات التنفيذية لإعادة الانتشار خلال الأسابيع المقبلة، مع إعلان متدرج عن إعادة فتح النقاط قبل نهاية العام الجاري”.
لكن ما الذي تغير بين أبريل وسبتمبر ليسمح بعودة روسيا إلى الجنوب؟ الإجابة تكمن في ثلاثة تطورات متزامنة. الأول هو تصاعد النشاط الإسرائيلي في الجنوب، حيث شنت إسرائيل في سبتمبر 2026 سلسلة غارات على دمشق ومحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، ودفعت باتجاه “جنوب سوريا منزوع السلاح”. هذا التصعيد، الذي جاء بعد أعمال عنف طائفية في المنطقة، خلق حالة من الفوضى الأمنية التي أضرت بجميع الأطراف. الثاني هو إدراك إسرائيل أنها بحاجة إلى قوة ضابطة في الجنوب، لا إلى فراغ أمني. فوجود قوات روسية محدودة، مهمتها المراقبة وليس القتال، قد يكون أقل خطراً على إسرائيل من وجود فصائل مسلحة غير منضبطة أو نفوذ تركي متزايد. الثالث هو استكمال دمشق وموسكو لاتفاقهما حول القواعد الساحلية، حيث وُقّعت مذكرة التفاهم في 9 أغسطس 2026، مما حرّر موسكو للتركيز على ملف الجنوب.
ورغم كل هذه التطورات، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح روسيا في ترسيخ وجودها في الجنوب دون أن تصطدم بالإسرائيليين؟ المؤشرات الأولية تشير إلى أن موسكو تعمل بحذر شديد. فهي لم تنشر قوات قتالية، بل “شرطة عسكرية” مهمتها المراقبة والدوريات، وهي صيغة مقبولة نسبياً لإسرائيل، لأنها لا تشكل تهديداً عسكرياً مباشراً. كما أن روسيا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل، وتنسق معها بشكل غير معلن قبل أي تحرك. وكما قال المحلل الروسي ديميتري بريجع: “موسكو لا تتحرك في الجنوب إلا بعد أن تتأكد من أن إسرائيل لن تعترض. هذا ليس ضعفاً، بل حكمة استراتيجية، لأن المواجهة مع إسرائيل في هذه المرحلة ستكون مكلفة للغاية”.
في المقابل، تبدو دمشق هي الرابح الأكبر من هذا الترتيب، على الأقل في المدى القصير. فوجود قوات روسية في الجنوب يعني أن أي توغل إسرائيلي جديد سيصطدم بحاجز عسكري لا يمكن تجاهله. كما أن موسكو تقدم لدمشق غطاءً سياسياً في مجلس الأمن، حيث تمتلك حق النقض الذي يمكن أن يحمي سوريا من أي قرارات دولية معادية. لكن هذا الترتيب ليس مجانياً: دمشق تدفع ثمنه من خلال استمرار النفوذ الروسي في البلاد، ومن خلال القيود التي يفرضها هذا النفوذ على سياستها الخارجية. فحين تطلب إسرائيل من موسكو الضغط على دمشق لمنع أي نشاط معادٍ، تكون موسكو في موقع الوسطاء، وليس الحلفاء المطلقين.
في المحصلة، يكشف ملف التنسيق العسكري في جنوب سوريا عن حقيقة أوسع: أن سوريا الجديدة، رغم أنها خرجت من حرب مدمرة، لم تعد ساحة مفتوحة لأي طرف، بل أصبحت مسرحاً لتوازنات دقيقة بين قوى إقليمية ودولية لا يمكن لأي منها أن تفرض إرادتها وحدها. روسيا تريد الحفاظ على نفوذها دون الاصطدام بإسرائيل، وإسرائيل تريد أمنها دون أن تغرق في مستنقع سوري جديد، ودمشق تريد استعادة سيادتها دون أن تخسر حلفاءها. هذا التوازن الثلاثي، الذي يدار في الغرف المغلقة ويُترجم على الأرض في نقاط مراقبة متفرقة، قد يكون الهشاشة بعينها، لكنه في الوقت ذاته هو الأمل الوحيد لتجنب انفجار جديد في الجنوب. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستصمد هذه المعادلة الدقيقة، أم أن أي خطأ في الحسابات، من أي طرف، سيكون كافياً لنسفها وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر؟ موسكو تراهن على الحكمة والصبر، وتل أبيب تراهن على القوة والردع، ودمشق تراهن على الوقت. لكن في الجنوب السوري، الوقت ليس دائماً في صالح أحد.

