
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، تصعّد حكومة نتنياهو اعتداءاتها على الجنوب السوري ضمن مخطط توسعي يستهدف إقامة منطقة أمنية تمتد حتى مشارف العاصمة دمشق، بحجة حماية الأمن القومي الإسرائيلي.
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها الحكومة السورية منذ تسلمها الحكم في سوريا، فإن أخطر ما تواجهه برئاسة أحمد الشرع هو التحديات العسكرية والأمنية التي مصدرها إسرائيل وأطماعها التوسعية في الجنوب السوري.
فقد أطلقت حكومة الاحتلال الإسرائيلية العنصرية، برئاسة بنيامين نتنياهو، على عمليات التوغل اليومية المدعومة بالعربات والمروحيات والمسيرات في عمق الأراضي السورية تسمية «سهم باشان»، وهي عملية مستمرة منذ سقوط النظام السابق، بهدف إنشاء ممر بري يخترق البادية السورية الممتدة من الجولان السوري في جنوب البلاد حتى شرق الفرات، ضمن مخطط جيوسياسي توسعي يصل بين إسرائيل وكردستان العراق مرورًا بالسويداء، ويسمى «ممر داوود»، ويؤمن لإسرائيل الاتصال مع الدروز في السويداء والأكراد في الحسكة. وهذا الوضع الذي تسعى حكومة الاحتلال إلى تنفيذه وتجهَر به يشكل خطرًا على سوريا وأمنها ووحدتها وسيادتها.
وخلال عملية «سهم باشان» المتواصلة، تمكنت قوات الاحتلال من السيطرة على كامل المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل على طول الحدود، وهي المنطقة المرسمة بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومساحتها 235 كيلومترًا مربعًا. ولم يقتصر الأمر على احتلال المنطقة العازلة، بل يسرح جيش الاحتلال ويمرح في الجنوب السوري وصولًا إلى مشارف العاصمة دمشق، فيما يأتي الرد من حكومة الشرع عبر الدبلوماسية النشطة مع المجتمع الدولي ومجلس الأمن، باعتبار أن إشعال أي حرب جديدة بين سوريا وإسرائيل ستفاقم الوضع المعيشي والاقتصادي وتزيد معاناة السوريين، فضلًا عن أن أي حرب جديدة سيستغلها الانفصاليون والفلول وتنظيم داعش الذين يتربصون للانقضاض على الحكومة.
من جانبها، تستغل حكومة الاحتلال الوضع الأمني والسياسي في سوريا وتعتبره مناسبًا لفرض شروطها، رافضة الانسحاب من المنطقة العازلة كما ترفض الانسحاب من الجولان. وأكثر من ذلك، زعم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في خطابه الذي لاقى مقاطعة عالمية غير مسبوقة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 أن اليهود سكنوا الجولان منذ عهد النبي موسى، وأكد أن حكومته لن تنسحب منه. وهذا الموقف الإسرائيلي ليس حكرًا على حكومة نتنياهو المتطرفة، وإنما تتبناه جميع الأحزاب والقوى السياسية في الكيان الإسرائيلي، وتخوض الانتخابات في 27 أكتوبر 2026 على أساسه.
وعلى ضوء هذه الأطماع الإسرائيلية في الأراضي السورية واعتماد الحكومة السورية اللغة الدبلوماسية لمواجهة الخطر، فإن ذلك يغري حكومة الاحتلال التي تنفذ مخططًا جهنميًا داخل الجنوب السوري، وتقوم بعمليات دهم ليلية واعتقالات، وتقيم نقاطًا ومواقع وحواجز عسكرية في عدد من المناطق الاستراتيجية مثل جبل الشيخ، إضافة إلى تل الأحمر الشرقي وتل الرياحين ومرتفعات بيت جن في ريف دمشق الغربي، ومواقع في محيط خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، وعدد من المرتفعات في حوض اليرموك قرب الحدود الأردنية.
وتحاول إسرائيل فرض قواعد اشتباك جديدة بعد أن دفنت اتفاقية 1974 التي حافظت على هدوء الجبهة لأكثر من نصف قرن في المنطقة العازلة التي تنتشر فيها قوات الأمم المتحدة (أندوف).
ولا يقتصر العدوان الإسرائيلي على مناطق الجنوب وقراه وبلداته ومياهه وأرضه، فقد هاجمت إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب بحجة وجود خطط لتحويله إلى قاعدة تركية، كما وقعت العديد من الانفجارات الكبيرة داخل مخازن الأسلحة في سرمدا وبنش بريف إدلب وتلة العيس في ريف حلب. وهذه الجرائم التي ترتكبها إسرائيل على امتداد الأراضي السورية، بالتوازي مع تنفيذ مخطط احتلال كامل الجنوب السوري ومنع الجيش العربي السوري من دخوله، تهدف إلى خلق واقع جديد مختلف بحجة حماية أمن إسرائيل وعدم تكرار أحداث السابع من أكتوبر في غزة عام 2023، وذلك عبر تسريع بناء القواعد العسكرية داخل الأراضي السورية حتى وصلت الآن إلى 12 قاعدة، ومن المحتمل أن تزيد إسرائيل عدد هذه القواعد لتصل، حسب تقارير إعلامية واستخباراتية، إلى 40 قاعدة وموقعًا.
فالتحركات الإسرائيلية والتصرفات الاستفزازية لقادة جيش الاحتلال وأعضاء حكومة نتنياهو اليمينية تكشف عن استخدام سوريا وجنوبها ورقة رابحة في المواجهة الدائرة على مستوى المنطقة. فبعد يوم من إعلان إسرائيل مسؤوليتها عن قصف مطار أبو الظهور السوري في 18 أغسطس 2026، أجرى رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير جولة لتفقد قواته الموجودة في المنطقة العازلة جنوب سوريا، وقال: «نعمل في جبهات متعددة تتغير فيها التحديات، وسوريا واحدة منها، ونرصد ما يجري في سوريا والتغييرات المستمرة، ويجب أن نستعد لذلك».
وزيارة زامير إلى جنوب سوريا سبقتها زيارة نتنياهو إلى جبل الشيخ، وذلك ضمن مسار تصعيدي سياسيًا وأمنيًا، وتوغلات عسكرية يومية تصل حتى مسافة 20 كم من دمشق.
وتكشف صور الأقمار الصناعية والخرائط عن تحول جذري في الوجود الإسرائيلي جنوب سوريا، وعن استباحة إسرائيلية كاملة لمناطق الجنوب، فقد تجاوزت قوات الجيش الإسرائيلي كل الخطوط الحمر، في خرق لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.
واحتل الجيش الإسرائيلي مساحة 235 كيلومترًا مربعًا داخل المنطقة العازلة، كما توغل بقواته في أكثر من 800 نقطة توغل في العمق السوري.
ولم يعد الوجود الإسرائيلي في الجنوب مجرد وجود شكلي طارئ، وإنما تقوم إسرائيل بتهيئة مناخ أمني وهيكلية عسكرية وبنية تحتية دائمة، وبناء شبكة من المواقع والقواعد والنقاط العسكرية التي لا تزال تتسع وتزداد، وتمتد منظومتها من مرتفعات الشمال حتى القنيطرة ودرعا وصولًا إلى الحدود الأردنية جنوبًا، وأهمها مرصد جبل الشيخ الذي حولته إسرائيل إلى قاعدة رئيسية وإلى موقع محصن بالتجهيزات لرصد المنطقة.
ومع مطلع عام 2025، حلت إسرائيل عمليًا محل قوات الأندوف التابعة للأمم المتحدة، وقامت بتحصين وإقامة نقاط وقواعد عسكرية عديدة، إذ جهزت نقطة عسكرية غرب بلدة حضر لتأمين الامتداد الشمالي للمنطقة العازلة، وتلتها نقطة ثانية جنوب غرب البلدة في مايو أيار لتكثيف الحضور الميداني في النطاق ذاته.
وفي القطاع الأوسط، أقيمت نقطة غرب جباتا الخشب لتكون حلقة وصل بين التمركزات الشمالية والوسطى، بالتوازي مع إنشاء نقطة شمال الحميدية لاستكمال السلسلة المتجهة جنوبًا، إلى جانب نقطة أخرى أنشئت في قلب المنطقة العازلة، كما شيدت نقطة جنوب القحطانية لفرض سيطرة طولية على امتداد الشريط.
ولم يقتصر التثبيت العسكري على حدود المنطقة العازلة، بل امتد خارجها عبر تجهيز قاعدة عسكرية في تل الأحمر، وشق طريق صاعد نحو قمتها للإشراف الميداني، فضلًا عن إنشاء نقطة عسكرية أخرى على بعد أقل من كيلومتر واحد من الحدود الأردنية، لتكتمل بذلك شبكة التمركز الدائم على طول الجبهة الجنوبية.
وما يزيد الوضع تعقيدًا بين سوريا وإسرائيل في الجنوب السوري استغلال حكومة نتنياهو الوضع الناشئ في السويداء بعد الأحداث الدامية في 12 يوليو 2025، عندما هاجم المسلحون من العشائر والقبائل، بدعم من الفصائل المسلحة، المدينة التي لا تزال حتى اليوم ترفض التعامل والاعتراف بحكومة الشرع، وتسعى بدعم إسرائيلي إلى الانفصال عن الدولة السورية. وكان لافتًا قيام نتنياهو بزيارة قرية حضر الدرزية في الجولان عندما قام مع وزير الدفاع وضباط آخرين بجولة استفزازية داخل المنطقة العازلة، وأطلق من هناك تهديدات ضد سوريا وحكومتها في 9 سبتمبر 2026، مؤكدًا دعم حكومته لانفصال السويداء، فيما تواصل وسائل الإعلام العبرية الحديث عن أهمية جبل العرب ومنطقة حوران وجبل الشيخ واللجاة في الجنوب السوري، والتي تطلق عليها تسمية جبل باشان، وتشكل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء وجزءًا من ريف دمشق، وحتى اليوم لم تدخل أي قوات سورية إلى هذه المنطقة بعد أحداث السويداء، حيث استخدم الشيخ حكمت الهجري مصطلح جبل باشان بدلًا من جبل العرب، وباتت ميليشيا الحرس الوطني الدرزية تسيطر على السويداء بعد أن أجبرت إسرائيل الجيش السوري وقوات العشائر على الانسحاب من السويداء ومحيطها.
وفيما يتعامل الهجري وقوات ما يسمى الحرس الوطني في السويداء مع إسرائيل ويدعوها لحمايته، فقد سجل أبناء الجولان المحتل موقفًا مختلفًا وأعلنوا إدانتهم للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وجددوا تمسكهم بهويتهم السورية ورفضوا البيانات التي يصدرها الشيخ حكمت الهجري والتي تدعو إلى انفصال السويداء عن حكومة دمشق.
ومع توقف المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية لحين إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، ورفض إسرائيل التوقيع على اتفاق أمني مع حكومة دمشق الانتقالية، وفي ضوء تباعد المواقف التي أعلنها كل من نتنياهو والشرع خلال اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الوضع لا يزال خطيرًا وقابلًا للانفجار، بالنظر إلى التصرفات الإسرائيلية والاستفزازات والتصريحات التي أدلى بها بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقوله مخاطبًا الرئيس أحمد الشرع إن اليهود موجودون في الجولان منذ زمن النبي موسى، وإن على سوريا أن تدرك أن الجولان لإسرائيل. ليرد الرئيس الشرع بأن أسباب توقف المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل هو هذا الموقف، وشدد الشرع أمام الأمم المتحدة على أن الجولان أرض سورية خالصة، وأن قرار ضم الجولان لاغٍ وباطل بقوة القانون الدولي.
وبانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن التوغلات الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية لم تعد مقبولة على المستويات الشعبية والرسمية. ونشير هنا إلى رفض أبناء القنيطرة ودرعا الوجود الإسرائيلي في أراضيهم، ففي بيت جن بريف دمشق الغربي لا تزال قوات الاحتلال تتجنب الدخول إلى البلدة وتكتفي بتسيير دوريات في محيطها، وذلك بعد المعركة والاشتباكات التي خاضها أبناء البلدة يوم الجمعة 28 نوفمبر 2025، إثر توغل لقوات الاحتلال الإسرائيلي، مما أسفر عن ارتقاء 13 شهيدًا وإصابة 25 بجروح من المدنيين جراء القصف الانتقامي والمدفعي الإسرائيلي، كما أصيب ضابط وجنديان للاحتلال.
ومنذ تلك المعركة ضاعفت إسرائيل أعداد قواتها في المنطقة العازلة، وبات القادة العسكريون والسياسيون في الكيان يتباهون وهم يقومون بزيارات شبه يومية برفقة القوات الإسرائيلية إلى الأراضي السورية، فيما يلتزم مجلس الأمن الدولي الصمت.
ولم تعد التوغلات الإسرائيلية كالسابق، بل أصبحت احتلالًا مباشرًا لمناطق واسعة، حيث تقوم إسرائيل بتسيير دوريات عسكرية تجوب مناطق الجنوب السوري وتصل إلى عمق ريف دمشق وصولًا إلى منطقة وادي الرقاد بحوض اليرموك في ريف درعا الغربي، ترهب الأهالي وتطلق النار على الرعاة ومواشيهم وتعتقل الشبان، وغالبًا تكون الدوريات الإسرائيلية مؤلفة من عدة سيارات وعربات قتالية ومحمية بطائرات حوامة ومسيرات.
ورغم الموقف الذي أعلنته الحكومة السورية والرهان على المفاوضات والدبلوماسية مع إسرائيل، فإن المقاومة الشعبية السورية تتسع، انطلاقًا من الجولان السوري المحتل، والذي يسجل أبناؤه مواقف وطنية برفضهم دعوات الانفصال التي أطلقها الشيخ حكمت الهجري في السويداء، وإعلان تمسكهم بالهوية السورية وعدم اعترافهم بضم الجولان، وقد أدانوا بشدة رفع الأعلام الإسرائيلية وصور نتنياهو في السويداء.
ويأتي هذا الموقف الوطني والقومي المتقدم والإيجابي فيما تتجه حكومة نتنياهو إلى التصعيد الميداني قبل انتخابات الكنيست من أجل احتلال المزيد من الأراضي السورية، وثمة تقارير إعلامية تهول الأمور لدرجة الحديث عن احتمال قيام إسرائيل بالوصول إلى دمشق ودخولها لفرض أجنداتها من أجل تأمين فوز نتنياهو وحزب الليكود اليميني بانتخابات الكنيست.
ومن المعروف أن ورقة المفاوضات ورقة قوية تستخدمها إسرائيل من أجل فرض شروطها وزيادة شعبية نتنياهو المنخفضة، وقد رفض التوقيع على أي اتفاق أمني أو سياسي مع حكومة دمشق ليزيد الوضع تعقيدًا بعد الفضيحة غير المسبوقة التي تعرض لها نتنياهو في الجمعية العامة ورفض ترامب استقباله على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، وانزعاج رئيس بلدية نيويورك من وجود نتنياهو كمجرم حرب موصوف ومطلوب للجنائية الدولية.
وهكذا فالأوضاع متشابكة ومعقدة محليًا وإقليميًا ودوليًا، ولا يمكن التكهن بمستقبل المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، ومن غير المعروف كيف سيكون الوضع بعد الانتخابات الإسرائيلية في الجنوب السوري على وجه الخصوص بعد تجربة السويداء المريرة ورفض إسرائيل وجود سلاح ثقيل بيد الجيش السوري. لكن التاريخ لا يمكن محوه، وتاريخ العلاقة بين سوريا وإسرائيل يكشف عن حقيقة واحدة، وهي أن الفوارق بين الحكومات الإسرائيلية في التعامل مع سوريا ضئيلة، فالأحزاب والقوى في الكيان الإسرائيلي اليمينية واليسارية والوسط متفقة على نهج نتنياهو اليميني المتطرف تجاه سوريا، ومن غير المحتمل أن تتغير هذه الصورة بعد انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر القادم.
ويجمع المحللون على أن الوضع يتجه إلى المزيد من التصعيد بين سوريا وإسرائيل، وبخاصة إذا فاز نتنياهو بالانتخابات، وقد أظهر خطابه بالجمعية العامة تفاقم الخلافات مع تركيا على الساحة السورية أيضًا. ورغم التحديات التي تواجه الحكومة السورية، فإن الجنوب السوري سيبقى على سلم أولوياتها للجم حكومة الاحتلال ووقف الأذى والتعديات، بعد اتساع الاعتداءات الإسرائيلية ورفض إسرائيل الامتثال للقانون الدولي والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
يحيى كوسا

