
أثارت طبيعة المباحثات والملفات التي تناولها اللقاء الخامس بين الرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 6 أكتوبر 2026 في الرياض موجة من التكهنات حول احتمال زج سوريا في حرب جديدة، ومطالبتها بإرسال قوات إلى اليمن للقتال إلى جانب السعودية ضد الحوثيين. وزاد من هذه التكهنات أن زيارة الشرع إلى الرياض كانت مفاجئة، وتزامنت مع إطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، ومع اجتماع حلف مكة بين السعودية وباكستان وتركيا.
ولم تحسم التصريحات الرسمية الجدل الدائر حول احتمال مشاركة سوريا في عملية «فجر اليمن» من عدمها، ولا يزال الغموض يلف هذه القضية، إذ إن وجود فصائل مسلحة تضم عناصر أجنبية متطرفة داخل الجيش السوري دفع محللين إلى اعتبار الحرب في اليمن فرصة للتخلص من هذه العناصر، التي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على حكومة دمشق، في ظل ضغوط دولية وأمريكية متزايدة للتخلص منهم.
وفي ضوء المباحثات السياسية والأمنية بين الشرع ومحمد بن سلمان، وطبيعة العلاقة الوثيقة التي تربطهما بإدارة ترامب، تكشفت هذه المباحثات، كما ذكر موقع «أكسيوس» المقرب من إدارة ترامب، عن وجود محادثات بين الرياض ودمشق لإرسال قوة عسكرية سورية يتراوح قوامها بين 10 آلاف و20 ألف جندي للمشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، دعماً للقوات الحكومية.
وذكر الموقع أن الفرقة 84 تضم آلاف المقاتلين الأجانب، وأن إرسالهم إلى اليمن يدخل من باب التخلص منهم ومن العبء الذي يشكله وجودهم داخل الجيش السوري.
ولم تعلق إدارة ترامب على هذه التقارير، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، بعد تعرض مطار الرياض الدولي للقصف، أن إدارته سوف تدرس الرد والمشاركة في توجيه ضربات إلى اليمن.
من جانبها، التزمت الحكومة السورية الصمت تجاه السجال الدائر حول المشاركة في عملية «فجر اليمن» العسكرية، واكتفت مصادر إعلامية سورية بالتأكيد على أن الحكومة السورية تدعم الإجراءات التي تتخذها المملكة للحفاظ على أمنها، وأن أمن السعودية من أمن سوريا. ووصف مصدر إعلامي سوري طلب المملكة من سوريا إرسال قوات خلال زيارة الشرع إلى الرياض بأنه مجرد تكهنات.
أما صنعاء، فقد وجهت انتقادات لاحتمال المشاركة السورية في الحرب على اليمن، وأعلن مسؤول من جماعة أنصار الله (الحوثيين) أن إسرائيل تحتل الأراضي السورية، و«إذا أرادت الحكومة السورية التخلص من المرتزقة الأجانب لديها، فالأولى أن تدفع بهم في معركة ضد إسرائيل لتحرير الأراضي السورية».
وفي وسط هذه الأجواء المتلبدة والغامضة حول طبيعة وحقيقة المباحثات التي أجراها الشرع ومحمد بن سلمان في الرياض، وبعد إطلاق عملية «فجر اليمن» ضد الحوثيين، فإنه لم ترد تقارير توثق وجود قوات سورية في اليمن.
ومهما تكن طبيعة المباحثات السورية السعودية، سياسية أو أمنية أو اقتصادية بحتة كما ذكر الجانبان، فإنه لا يجب الاستهانة بالموقف السوري من الحرب في اليمن ومدى خطورة المشاركة السورية وانعكاسها السلبي على الأوضاع الداخلية المعقدة والمتفاقمة أصلاً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الأيام يتعلق بالثمن الذي يتوجب على الحكومة السورية الانتقالية دفعه إلى كل من السعودية والولايات المتحدة لقاء رفع العقوبات والدعم السياسي، والجهود التي بذلتها واشنطن والرياض لشرعنة حكومة الشرع أمام العالم ورفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وهل تستطيع حكومة الشرع حقاً أن تتملص أو تتهرب بحجة الظروف الداخلية وضعف القدرات من تقديم الدعم للسعودية وترفض الانخراط والتورط في الحرب، أم أن الضغوط عليها كبيرة؟
وهنا لا بد من التذكير بالدور الكبير والبارز الذي لعبته المملكة العربية السعودية والأمير محمد بن سلمان في رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عن سوريا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع العقوبات بعد اجتماعه في مايو 2025 مع الرئيس السوري أحمد الشرع وولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان في الرياض.
وحتى تركيا، التي تحظى بنفوذ كبير وواسع على الساحة السورية، لم تشارك بالحرب حتى الآن، وأكد وزير خارجيتها هاكان فيدان أن حلف مكة دفاعي وليس هجومي. ولم يصدر أي موقف من تركيا حول التقارير التي تناولت احتمال مشاركة قوات سورية في عملية «فجر اليمن». ومن غير المعروف حجم التغيرات في السياسة السعودية أمام الوقائع الجديدة الماثلة والمخاطر الحقيقية التي تواجهها جراء عملية «فجر اليمن» العسكرية، وكيف ستتعاطى الرياض مع حكومة دمشق مستقبلاً في ضوء نتائج زيارة الرئيس الشرع إلى الرياض ومباحثاته مع ولي العهد السعودي.
فالتخالف الذي تم تشكيله عام 2015 ضد اليمن وإطلاق عملية «عاصفة الحزم» لا يمكن استعادته، وبالتالي فإن إثارة المشاركة السورية في الحرب اليوم ليست عبثية، وإنما مقصودة وجدية.
والسؤال: هل سيبقى الدعم والزخم السعودي تجاه الحكومة السورية الجديدة مستمراً، أم أن الصراع الإقليمي والدولي الدائر في المنطقة يضع دمشق من جديد أمام خيارات صعبة في قلب هذا الصراع؟ وبالتالي، فالدعم الاقتصادي والمالي والسياسي الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لحكومة الشرع سيبقى رهناً بالموقف السوري من تطورات الحرب في اليمن، وهل تستطيع الحكومة السورية الانتقالية أن تحافظ على شعرة معاوية مع السعودية في ظل تداعيات الحرب في اليمن؟
في كل الأحوال، فإن الحكومة السورية محرجة وفي موقف لا تُحسد عليه، فسياسة النأي بالنفس لم تعد مقبولة، وإذا وافقت على إرسال قوات إلى اليمن فإنها تضيف عبئاً جديداً على كاهلها وتفتح جبهة جديدة، خاصة في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة على الأراضي السورية والظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة والحاجة إلى التركيز على التعافي الداخلي. وإذا ما رفضت حقاً الانخراط إلى جانب السعودية ورفضت طلب الرياض إرسال قوات إلى اليمن، فإنها ستفقد الدعم السياسي والتمويلي الذي يعد ركيزة أساسية وضرورية لإعادة الإعمار والمحافظة على الأمن والاستقرار في سوريا.
وبانتظار أن يتبلور الموقف السوري النهائي، فإن الحرب على اليمن لا تزال تتصاعد، والوضع الميداني لا يسير لصالح السعودية، وربما تتحول الحرب بعد الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم إلى حرب شاملة بحجة حماية الملاحة البحرية وفتح مضيق هرمز وباب المندب.
يحيى كوسا

