
هزت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 9 أكتوبر 2026، والتي استمرت ساعة ونصف، عروش أوروبا وغيّرت اتجاه الأحداث في العالم، ونزلت كالصاعقة على زيلينسكي ونظامه.
وفور انتهاء المكالمة، أعلن الرئيس ترامب التوصل إلى اتفاق مع الرئيس بوتين يقضي بتوريد ملايين الأطنان من الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع العقوبات، وترخيص توريد النفط الروسي إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية لمدة ستة أشهر، لغاية أبريل 2027، وذلك قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات الأمريكية النصفية، بهدف تخفيض أسعار البنزين بعدما وصل سعر الغالون، بسبب إغلاق مضيق هرمز، إلى أرقام قياسية في الولايات المتحدة بلغت 6.28 دولارات، بزيادة 70 بالمئة عن العام الماضي.
وتكشفت الصفقة عن نتائج أحدثت زلزالًا سياسيًا واقتصاديًا في أوروبا وأوساط الحزب الديمقراطي الأمريكي، وأشعلت أزمة سياسية في أمريكا، وأصابت الرئيس الأوكراني زيلينسكي بحالة من الهستيريا، بينما اعتبرها الكرملين لحظة تاريخية مهمة.
وراح الرئيس ترامب يتباهى بالصفقة بوصفها إنجازًا جديدًا لإدارته، وسط ترحيب مناصريه الجمهوريين الذين يتوقعون أن يؤدي تنفيذها إلى تخفيضات حقيقية في أسعار البنزين، ما يشجع المزارعين وأصحاب المهن والأعمال على التصويت لصالح المرشحين عن الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر 2026. وتظهر استطلاعات الرأي تقدمًا ملحوظًا للديمقراطيين، وسط تزايد المخاوف من أن يخسر الجمهوريون الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما دفع ترامب إلى الإسراع في إبرام الاتفاق مع بوتين والإعلان عنه بهذا الشكل الاحتفالي المفاجئ، بعدما اقتنع أن تراجع شعبية الحزب الجمهوري سببه ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، بعد أن فشل في إنهاء الحرب بسرعة مع إيران كما وعد، وفي فتح مضيق هرمز.
ولهذا كان قراره بإتمام الصفقة بالسرعة الممكنة وتوجيه إنذار لزيلينسكي لوقف الهجمات فورًا على المصافي الروسية، وهو القرار الذي أصاب الرئيس الأوكراني مقتلاً، ونزل على أوكرانيا وأوروبا كالصاعقة، وكاد زيلينسكي يفقد عقله، وراح يستنجد برئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام، الذي وعده بمواصلة العقوبات على روسيا، وأكد له وقوف بريطانيا مع نظام كييف حتى آخر جندي أوكراني.
ولم يكتف ترامب بإبرام الصفقة مع بوتين ورفع العقوبات عن روسيا والاحتفال بالإنجاز الجديد مع مناصريه خلال الحملة الانتخابية للحزب الجمهوري، وإنما شن هجومًا غير مسبوق على زيلينسكي، تزامن مع عقد اجتماعات في ميامي بين المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير ووفد أوكراني يزور الولايات المتحدة، وذلك لإنهاء الحرب وإحلال السلام.
وقال ترامب إن على أوكرانيا أن تبحث عن زعيم جديد، متهمًا زيلينسكي بإثارة المشكلات للعالم بأسره. واعتبر ترامب أن زيلينسكي كان بإمكانه تسوية النزاع في أوكرانيا مرات عديدة، لكنه اختار ألا يفعل.
وحذر ترامب زيلينسكي من الاستمرار في استهداف مصافي تكرير النفط الروسية، وأكد أن إدارته أرسلت قبل توقيع الاتفاق مع روسيا 6 تحذيرات إلى أوكرانيا لوقف الهجمات على محطات الطاقة الروسية. ويبدو أن زيلينسكي، الذي جعله الاتفاق محشورًا في زاوية ضيقة، أصبح تلقائيًا مجبرًا على وقف الهجمات على المحطات الروسية، وذلك لتسهيل وصول الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية، كما أنه في موقف أكثر ضعفًا في المفاوضات لإنهاء الحرب المستمرة منذ 24 فبراير 2022.
ولربما يحتاج الرئيس الأوكراني زيلينسكي وقتًا طويلًا لكي يستوعب الزلزال الذي وقع عليه، وحتى يتحسس حجم الضربة السياسية والاقتصادية المزدوجة التي تلقاها نظامه من الرئيسين الأمريكي والروسي، ترامب وبوتين معًا، اللذين فاجآ العالم باتفاقهما التاريخي الذي أحدث صدمة عنيفة في أوكرانيا وأوروبا. ووصف زيلينسكي الاتفاق بأنه هدية للرئيس بوتين واستثمار في الحرب، فيما حذر الاتحاد الأوروبي من أن رفع العقوبات عن روسيا سيمنح موسكو تدفقات مالية ضخمة.
ولم يكن وقع الصدمة جراء اتفاق الديزل الروسي على أوروبا بسبب رفع العقوبات عن روسيا بأقل من وقع الصدمة في الداخل الأمريكي بسبب تأثيره المباشر على الحملات الانتخابية قبل أسابيع من الانتخابات النصفية المقررة في 3 نوفمبر 2026. فالأتفاق بين ترامب وبوتين على توريد ملايين الأطنان من الديزل الروسي ورفع العقوبات، وقيام وزارة الخزانة الأمريكية بالترخيص اللازم لتوريد 300 ألف طن من الديزل بشكل فوري، ثم 500 ألف طن في نوفمبر القادم، وبعد ذلك مليون طن إضافي، من شأنه قلب معادلة الانتخابات أو تعديلها على أقل تقدير، ذلك أن هذه الكميات كفيلة بتخفيض الأسعار، وإن كان من الصعب أن تعود إلى ما كانت عليه في العام الماضي، لكن أي انخفاض في أسعار البنزين سيكون في صالح الجمهوريين. ولهذا كانت ردود الفعل عنيفة، وتسببت بأزمة سياسية حادة بين أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
فعلى الرغم من أن الصفقة قانونية ولا تشوبها شائبة، فقد وصفها الديمقراطيون بأنها «خيانة للأمن القومي» لأنها تكسر عزلة موسكو، بينما دافعت إدارة ترامب عن القرار باعتباره أولوية قصوى لخفض أسعار الوقود وتخفيف العبء عن المواطنين والمزارعين.
وأما روسيا فقد أسكرتها الفرحة، وجاء الاتفاق مفاجئًا وفتحًا مبينًا لأسواق الطاقة الروسية بعد سنوات من الخناق والعقوبات والحصار، ليس لأنه يعود عليها بمليارات الدولارات فحسب، وإنما لأن توقيته كان مناسبًا لها من ناحية إعطاء زخم للمفاوض الروسي على طاولة المفاوضات، فضلًا عن كونه يتوافق مع رؤيتها للأحداث ويخدم موقفها لإنهاء الحرب وتطلعاتها للعب دور أكبر على الساحة الدولية، في وقت يتقلص الدور الأوروبي بعد هزيمة أوكرانية ومعها أوروبا في الحرب أمام روسيا.
وأكد الرئيس بوتين أن دخول الوقود الروسي إلى الأسواق الأمريكية سيخلف تداعيات إيجابية على الاقتصاد العالمي، فيما وصف مبعوث الرئيس الروسي كيريل دميتري تصريحات ترامب بشأن ضرورة تغيير زيلينسكي بأنها لحظة تاريخية وذات دلالة سياسية كبيرة.
ولم تغب الحرب في الشرق الأوسط عن أجواء الاتفاق والمكالمة الهاتفية التي استغرقت ساعة ونصف بين بوتين وترامب، ذلك أن روسيا لم تترك حليفتها وراء ظهرها، وإنما كانت الصفقة، بطريقة أو بأخرى، لا ترضي إيران في هذه الظروف، لأنها تصب في صالح عدوها اللدود ترامب. وكانت إيران مصرة على إغلاق مضيق هرمز من أجل أن يستمر ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة، غير أن الرئيس بوتين دخل، ولأول مرة، على خط الوساطة بشكل شخصي بين أمريكا وإيران، وأكد أنه نقل للرئيس ترامب رؤية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإنهاء الحرب والتوترات في الشرق الأوسط.
أقل ما يمكن أن يوصف به الاتفاق بين بوتين وترامب لتوريد ملايين الأطنان من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية أنه ضربة معلم، وانتصار اقتصادي وسياسي لروسيا والرئيس بوتين شخصيًا، يضاف إلى الانتصار العسكري الذي حققه الجيش الروسي والقوات الجوفضائية الروسية، التي أثبتت قدرتها على تحقيق النصر وتلقين أوكرانيا ومن ورائها أوروبا درسًا آخر لن تنساه، وبخاصة الدول التي تضع نصب أعينها هزيمة روسيا، كبريطانيا التي كانت تؤجج الصراع كلما هدأ، وتعمل على إطالة أمد الحرب. فإذا بصفقة الديزل تنهي جزءًا من العقوبات ضد روسيا، وتوجه لزيلينسكي وداعميه صفعة قوية، وتجعل روسيا أقرب ما تكون سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا لتحقيق النصر النهائي.
يحيى كوسا

