في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها أوروبا والعالم، تبرز المفاوضات المباشرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب كحدث استثنائي يحمل دلالات عميقة على مستقبل النظام الدولي والتوازنات الإقليمية. من المنظور الروسي، تمثل هذه المفاوضات فرصة تاريخية لإعادة تشكيل العلاقات مع الغرب، وإنهاء حالة الاستقطاب التي سادت منذ بداية العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وإقرار حقائق جيوسياسية جديدة تحمي المصالح الإستراتيجية لروسيا وتضمن أمنها القومي.
خلاصة الأحداث: الخط الزمني للقاءات والمفاوضات
· 14-15 أغسطس/آب 2025: وصول الرئيسين إلى ألاسكا واستعدادات ما قبل القمة، بما في ذلك التصريحات المتبادلة وخفض سقف التوقعات.
· 15 أغسطس/آب 2025: انعقاد قمة ألاسكا بين بوتين وترامب في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون العسكرية. استمرت المحادثات نحو 3 ساعات ووصفت بـ”البناءة” و”المفيدة” من الطرفين.
· ما بعد القمة مباشرة: مؤتمران صحفيان منفصلان، حيث أكد بوتين على التوصل إلى “تفاهم”، بينما أشار ترامب إلى وجود نقاط خلاف حول “القضية الأهم”.
· 16-19 أغسطس/آب 2025: اتصالات دبلوماسية مكثفة. ترامب يتصل بزيلينسكي وقادة حلف الناتو والأوروبيين. القادة الأوروبيون يصدرون بياناً مشتركاً يؤكد على ضرورة مشاركة أوكرانيا في أي تسوية مستقبلية.
· 19 أغسطس/آب 2025: أثناء اجتماع ترامب مع القادة الأوروبيين في واشنطن، تقطع مكالمة هاتفية مع بوتين الاجتماع. تستمر المكالمة 40 دقيقة ويتفق الرئيسان على مواصلة الاتصال الوثيق ودعم المفاوضات المباشرة بين موسكو وكييف.
قمة ألاسكا: قراءة في الدلالات والنتائج
الاختيار الجغرافي والرمزية التاريخية
لم يكن اختيار ولاية ألاسكا مكاناً للقاء مفاجئاً. من المنظور الروسي، يحمل هذا الموقع دلالات عميقة تعزز الرواية الروسية:
· البعد الجيوسياسي: تقع ألاسكا على بعد 4 كيلومترات فقط من الأراضي الروسية (مضيق بيرينغ)، مما يعزز فكرة “الجوار” والقرب الجغرافي الذي أشار إليه بوتين خلال القمة، قائلاً لترامب: “مرحباً أيها الجار”.
· البعد التاريخي: تمثل ألاسكا جزءاً من الإمبراطورية الروسية السابقة التي بيعت للولايات المتحدة عام 1867. يشير الإعلام والتحليل الروسي إلى أن هذا يقدم سابقة تاريخية على أن الحدود قابلة للتغيير وأن تبادل الأراضي هو أمر مشروع في العلاقات الدولية، وهو ما يتماشى مع الموقف الروسي من أوكرانيا.
· البعد الأمني: يسمح الموقع لبوتين بالسفر إلى أراضي أمريكية دون المرور عبر المجال الجوي لدول “معادية” له في أوروبا، مما يعزز من مكانته ويحقق مكسباً دعائياً بأن العزلة الغربية قد انتهت.
المكاسب الاستراتيجية لروسيا من القمة
حتى دون توقيع اتفاقيات formelle، حققت الدبلوماسية الروسية مكاسب كبيرة:
1. الاعتراف والعودة إلى الساحة الدولية: مجرد عقد القمة على الأراضي الأمريكية بعد سنوات من العزول يعتبر انتصاراً دعائياً وسياسياً كبيراً للكرملين. لقد نجح بوتين في كسر الحصار الدبلوماسي الغربي والعودة إلى “طاولة الكبار”، حيث استُقبل بمقاتلات أمريكية وسجادة حمراء.
2. تفكيك جبهة العقوبات الغربية: السماح للرئيس الأمريكي بعقد القمة وإصدار ترخيص عام بتعليق بعض العقوبات لإجراء المعاملات اللازمة للقمة يعد سابقة تفتح الباب أمام إمكانية رفع أو تخفيف العقوبات لاحقاً، مما يخفف الضغط على الاقتصاد الروسي.
3. تأكيد الرواية الروسية: استطاع بوتين خلال المؤتمر الصحفي عرض وجهة النظر الروسية حول “الأسباب الجذرية” للصراع في أوكرانيا ومخاوف روسيا الأمنية، مباشرة أمام الإعلام العالمي ودون مرشحات غربية، كما أكد على أن الحل يجب أن يكون “مستداماً ويأخذ في الاعتبار مخاوف روسيا الأمنية”.
4. تغيير نمط التفاوض: نجحت الدبلوماسية الروسية في تحويل مسار المفاوضات من formato متعدد الأطراف (يشمل أوكرانيا وأوروبا) إلى formato ثنائي مباشر مع الولايات المتحدة، مما يضعف من موقف كييف ويعيد روسيا إلى مركز القوة الذي فقدته momentarily في المحافل الدولية.
جدول يلخص أبرز المواقف في قمة ألاسكا:
الموقف/التصريح الرئيس بوتين (المنظور الروسي) الرئيس ترامب (المنظور الأمريكي)
طبيعة المحادثات “بناءة”، “مفيدة”، “قائمة على الاحترام المتبادل” “مثمرة للغاية”، “تحقق تقدماً كبيراً”
مخرجات القمة “تفاهم قد يجلب السلام لأوكرانيا”، “نقطة انطلاق لاستعادة العلاقات” “اتفقنا على الكثير من النقاط”، “نقاط خلاف باقية ( including واحدة مهمة)”
المستقبل الدعوة لاجتماع مقبل في موسكو الإشارة إلى أن الأمر يعود الآن للرئيس زيلينسكي
الموقف الأوكراني والأوروبي: هواجس الطرف الغائب
من أبرز سمات قمة ألاسكا إقصاء أوكرانيا عن المفاوضات التي تخص مصيرها مباشرة.
هذا الإقصاء أثار ذكريات مؤلمة لدى الأوروبيين بمفاوضات أفغانستان عام 2020 عندما استُبعدت الحكومة الأفغانية عن مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان.
المخاوف الأوروبية المتجذرة
through الوثائق والبيانات الصادرة، تبدو الهواجس الأوروبية واضحة المعالم:
· الخوف من صفقة ثنائية: يخشى الأوروبيون من أن يبرم ترامب وبوتين صفقة على حساب المصالح الأوروبية، تعترف بالسيطرة الروسية على أجزاء من أوكرانيا (ما يعادل 20% من أراضيها) وتجمد الصراع، مما يخلق وضعاً هشاً يهدد أمن أوروبا على المدى الطويل.
· التراجع عن مبدأ العقوبات: إنفتاح ترامب على مناقشة العلاقات الاقتصادية مع روسيا (“الشراكة الاستثمارية تحمل الكثير من الإمكانيات”) يقوض الجبهة الأوروبية الموحدة فيما يخص الحفاظ على العقوبات كأداة ضغط.
· التهديدات الجيوسياسية المستقبلية: ترى أوروبا أن أي تنازل عن الأراضي في دونباس سيمهد “طريقاً سريعاً” للجيش الروسي نحو كييف، ويعيد رسم الخرائط في أوروبا بطريقة تهدد الاستقرار الإقليمي وتذكر بسياسات القوى العظمى في القرن التاسع عشر.
· إضعاف الحلف الأطلسي: الدعوة إلى منح أوكرانيا ضمانات أمنية بديلة عن حلف الناتو، كما تمت مناقشته مع ترامب, قد تقلص من نطاق الحلف وتفتح الباب لإعادة تعريف مجاله الحيوي، وهو ما يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لأوروبا الشرقية.
رد الفعل الأوروبي المنسق
واجهت أوروبا هذا التحدي بتحرك دبلوماسي مكثف:
· عقد اجتماعات طارئة مع ترامب قبل القمة وبعدها.
· إصدار بيان مشترك موحد بعد القمة شدد على:
· ضرورة أن تكون الخطوة التالية بمشاركة الرئيس زيلينسكي.
· رفض أي فيتو روسي على انضمام أوكرانيا المستقبلي للاتحاد الأوروبي والناتو.
· ضرورة حصول أوكرانيا على “ضمانات أمنية صارمة” دون فرض قيود على قواتها أو تعاونها مع دول ثالثة.
· استخدام أسلوب المديح والثناء لترامب (“نرحب بجهود الرئيس ترامب”) في محاولة للتأثير عليه وتقليل الفجوة، وهي استراتيجية described في بأنها “تقوم على المدح والثناء، لتقليل الفجوة”.
الرؤية الروسية للسلام: الشروط والأهداف الاستراتيجية
من خلال قراءة التصريحات والمواقف، يمكن استخلاص المرتكزات الأساسية للرؤية الروسية للتسوية:
1. الاعتراف بالحقائق الميدانية الجديدة: تصر الدبلوماسية الروسية على أن أي اتفاق يجب أن يضمن احتفاظ روسيا بالمناطق الأربع (دونيتسك، لوغانسك، زابوريجيا، خيرسون) التي أعلنت ضمها، وأن تنسحب أوكرانيا من الأجزاء التي لا تزال تسيطر عليها داخل هذه المناطق. هذا الموقف non-negotiable من وجهة نظر موسكو.
2. ضمانات أمنية وجودية: الهدف الجوهري من العملية العسكرية الخاصة كان منع توسع حلف الناتو eastward وضمان حياد أوكرانيا. لذلك،任何 تسوية must تتضمن ضمانات بعدم انضمام أوكرانيا إلى الحلف، وربما تقييد تسليحها، وهو ما يتماشى مع المطالب الأمنية التقليدية لروسيا.
3. رفع العقوبات: يشكل رفع العقوبات الغربية حافزاً اقتصادياً وسياسياً رئيسياً لروسيا للموافقة على أي اتفاق. فالاقتصاد الروسي تحت ضغط، والعجز في الميزانية يتزايد، وإيرادات النفط والغاز تتراجع.، أي صفقة تشمل رفع العقوبات ستكون مكسباً كبيراً للكرملين internally.
4. إعادة بناء العلاقات مع الغرب: تريد روسيا استخدام الملف الأوكراني كجسر للعودة إلى العلاقات الطبيعية مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والاستثماري (كما أشار ترامب إلى “الشراكة الاستثمارية”) ومناقشة ملفات الأسلحة الاستراتيجية.
مستقبل المفاوضات: السيناريوهات المحتملة
بناءً على التسريبات والتصريحات، يبدو أن الطريق إلى السلام سيمر عبر عدة مراحل:
1. مفاوضات أوكرانية-روسية مباشرة: كما اتفل بوتين وترامب في مكالمتهما. سيكون هذا المسار بمثابة اختبار حقيقي لإرادة الطرفين للوصول إلى حل. ستتركز المفاوضات على ترسيم الحدود وتبادل الأراضي (ربما تتنازل أوكرانيا عن جزء من دونباس مقابل استعادة بعض المناطق في خيرسون وزابوريجيا)، والضمانات الأمنية.
2. قمة ثلاثية: كما أشار ترامب مراراً، فإن القمة الثنائية في ألاسكا تمهيد لقمة ثلاثية تضمه وبوتين وزيلينسكي. هذا الاجتماع سيكون الشكل النهائي لأي اتفاق، حيث سيُطلب من زيلينسكي التوقيع على ما تم الاتفاق عليه مسبقاً إلى حد كبير.
3. دور أوروبي داعم: كما نص البيان الأوروبي، ستقدم الدول الأوروبية ضمانات أمنية لأوكرانيا (ربما على غرار المادة 5) بدعم أمريكي، لكن منفصلة عن حلف الناتو. هذا سيكون محاولة لإرضاء كييف وتعويضها عن أي تنازلات إقليمية.
السيناريوهات المحتملة:
· السيناريو الأكثر ترجيحاً (السلام الهش): التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار وتبادل الأراضي/الحدود، مع منح أوكرانيا ضمانات أمنية غربية. ترفع العقوبات جزئياً عن روسيا. تظل الأراضي المضمومة تحت السيطرة الروسية de facto.
هذا السلام سيكون هشاً ومؤقتاً، لكنه سيحقق لترامب صفة “صانع السلام” ويخرج بوتين من العزلة الدولية ويحقق مكاسب إقليمية.
· السيناريو المتشائم (استمرار الحرب): فشل المفاوضات بسبب رفض أوكرانيا التنازل عن الأرض، أو بسبب تصلب الموقف الروسي. يعود ترامب لفرض عقوبات أشد على روسيا، وتستمر الحرب بشكل منخفض الحدة، مع استنزاف جميع الأطراف.
وقال كيريل ديميترييف ، الممثل الخاص لرئيس الاتحاد الروسي ، إن “دعاة الحرب” من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يحاولون تعطيل المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا.
“خوفا من خطة سلام ، يقوم” دعاة الحرب “من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بعمليات” نفوذ أجنبي ” في الولايات المتحدة وحول العالم لتعطيل المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا. سوف يسود الحوار-يرى المزيد والمزيد من الأشخاص الرئيسيين محاولات واسعة النطاق لتعطيل التقدم”.
· السيناريو المتفائل (سلام شامل): اتفاق شامل ينسحب بموجبه روسيا من بعض المناطق (مثل أجزاء من خيرسون وزابوريجيا) مقابل حياد أوكرانيا التام وضمانات أمنية، ورفع كامل للعقوبات. هذا السيناريو يبدو بعيداً في الوقت الراهن نظراً للهوة الكبيرة بين المطالب.
خاتمة: نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب
من المنظور الروسي، فإن مفاوضات ألاسكا وما بعدها ليست مجرد محاولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بل هي معلم بارز في مسيرة تفكك النظام العالمي أحادي القطبية وهيمنة الغرب، وصعود نظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه روسيا لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله.
لقد نجحت الدبلوماسية الروسية، حتى الآن، في تحويل المسار من مواجهة عسكرية مكلفة إلى حوار سياسي مباشر مع القوة العظمى الوحيدة التي تهمها (الولايات المتحدة)، متجاوزة بذلك أوروبا وأوكرانيا. لقد أثبتت موسكو أن لديها الصبر والإرادة والوسائل لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، سواء على طاولة المفاوضات أو على الأرض.
الرئيس بوتين غادر ألاسكا وهو في موقع قوة، بعد أن حصل على الاعتراف والمكانة التي كان يطمح لها، وبعد أن أزال وصمة العزلة الدولية.الكرملين يرى أن الوقت يعمل لصالحه، وأن الضغوط الاقتصادية والسياسية على أوروبا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستجبرهم في النهاية على القبول بالشروط الروسية، مما سيعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لأوروبا الشرقية ويحقق لموسكو نصراً استراتيجياً مهماً، حتى لو لم يكن كاملاً.