
لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعمه الصريح للاحتجاجات التي تجتاح إيران، وخاصة مدن قم وهمدان والعاصمة طهران، وتدخل أمريكا في التظاهرات في إيران، أمراً غريباً. فقد تدخلت الولايات المتحدة مرات عديدة سابقاً، وشاركت العام الماضي بحرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران، وقصفت مفاعل “فوردو” بطائراتها العملاقة التي أحدثت دماراً هائلاً، غير أن إيران لم تستسلم كما فعل الرئيس الفنزويلي مادورو…
وأمام التصدي الإيراني، فقد اعتمدت الولايات المتحدة أسلوب الضغط الاقتصادي والمظاهرات الاحتجاجية التي اكتسبت زخماً كبيراً في معظم المناطق للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية… إلا أن هذه الأوضاع تبدو مجرد ذريعة، لأن الرئيس الأمريكي تقدم بتصريحاته للمواطنين الإيرانيين وقام بتشجيع المتظاهرين الذين واجهوا أياماً صعبة، حيث أعلنت إيران أنها تفرق بين المحتجين وبين العناصر التخريبية المدعومة من واشنطن.
ويبدو أننا ما زلنا في الخطوة الأولى، والمسار طويل. ذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية علمتنا أنها تعتمد النفس الطويل وأنها غير مستعجلة، خاصة أنها متورطة في جبهتها الخلفية أمريكا الجنوبية. فيما لا تزال إيران، بعد فشل العدوان الإسرائيلي الأمريكي عليها، تتحدى وتؤكد الوقائع على الأرض أنها تمتلك أدوات المواجهة القادمة. رغم صعوبة الفصل بين المحتجين الذين يطالبون بحقوقهم وبين الجواسيس والعناصر التخريبية التي تعمل على إسقاط النظام في إيران، كما حدث في سورية العام الماضي وكما يحدث اليوم في فنزويلا، حيث تظهر واشنطن كامل قوتها وجبروتها دون أن تقف أمامها أي قوة كبيرة. في وقت يعمل الرئيس الأمريكي لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية بالتوازي مع تحريك الأساطيل الأمريكية في البحر الكاريبي وإشعال منطقة الخليج والشرق الأوسط بالحروب.
إيران التي تواجه موجات من المتظاهرين في العاصمة طهران ومعظم المناطق، أكدت أنها قادرة على المواجهة. وأعلن رئيسها مسعود بيشكيان المحسوب على التيار الإصلاحي عن سلسلة إجراءات لتخفيف الاحتقان في الشارع، وقال: “اتخذنا قراراً سنعلن عنه في وقتٍ لاحق بتقديم المعونات لكل أبناء الشعب الإيراني، ونعتبر معيشة الناس خطاً أحمر”. وأضاف: “نحن نعتبر أنفسنا موظفين لدى الشعب الإيراني ولا يوجد أي مشكلة لا يمكن حلها”.
ورغم اللغة التصالحية التي يستخدمها الرئيس بيشكيان، إلا أنه في موضع آخر أبدى لغة التحدي وقال: “إننا مستعدون لتقديم أي تضحية من أجل إيران، والشهادة رفعت قاسم سليماني إلى مرتبة أعلى”. وأكد أن إيران لن ترضخ للقوى المتعجرفة، وأنهم سيواصلون الطريق بكل قوة.
ولا شك أن أحداث فنزويلا، التي تربطها بإيران علاقات صداقة استراتيجية، سترسل برسالة سلبية بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، وهي رسالة موجهة إلى الحكومة الإيرانية التي فقدت أحد أبرز مناصريها في أمريكا اللاتينية وهو الرئيس مادورو. وسيعطي هذا زخماً للمحتجين في إيران، غير أنه في المقابل سيدفع الحكومة الإيرانية إلى استخدام القوة من أجل الدفاع عن النظام. وهذا ما أشار إليه رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الذي أكد أن بلاده ستعالج المشكلات كما قال بيشكيان، ولكن لاريجاني اعتبر أنه مع صدور مواقف من ترامب ومسؤولين إسرائيليين اتضحت خفايا ما يجري خلف الكواليس. وقال مخاطباً ترامب: “عليه أن يدرك أن تدخل الولايات المتحدة في القضايا الداخلية يعني زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وتقويض المصالح الأميركية”. وأضاف: “ليعلم الشعب…”.
أما مستشار الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، فقد أكد أن أمريكا هي من بدأت بالمغامرة، واعتبر أن الأمن القومي الإيراني خط أحمر وليس موضوعاً لتغريدات مغامرة.
وأكد شمخاني أن أي محاولة تدخل بأمننا القومي عبر ذرائع واهية ستواجه برد ساحق، وقال: “إن شعبنا يعرف تجربة الإنقاذ الأمريكية من #العراق وأفغانستان إلى غزة”.
ومع اتساع التظاهرات، فقد دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة بعد خمسة أيام من التظاهرات التي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى. في وقت أعلنت السلطات في إيران، بلسان رئيس النيابة العامة في محافظة لرستان سعيد شهواري، إلقاء القبض على عدد من مخربي الأمن في مدينتي أزنا ودلفان. فيما نفى مواطن من محافظة فارس إصابته بطلق ناري.
وفيما أعلن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي أن مطالب التجار محقة، فقد دخل ترامب على خط الأزمة وحذر يوم الجمعة الثالث من كانون الثاني من أن واشنطن ستتدخل في حال استخدمت طهران القوة ضد المتظاهرين في إيران، وذلك إثر احتجاجات شهدتها البلاد بسبب تراجع قيمة العملة المحلية وسوء الأوضاع الاقتصادية…
وتعهد الرئيس الأميركي بدعم المشاركين في المظاهرات، قائلاً إن الولايات المتحدة ستوفر لهم الدعم إذا استخدمت السلطات القوة.
ستة أيام من الاحتجاجات في إيران، ومن المتوقع أن تستمر وتتسع بعد التدخل الأمريكي. فيما تتبع حكومة بيشكيان حتى الآن سياسة مختلفة عن السابق، وتحاول استرضاء المحتجين وفرزهم بين محتجين وجواسيس. مع العلم أن السلطات في إيران تراهن على انقسامات المعارضة، وهو السبيل الوحيد أمام الحكومة الإيرانية للسيطرة على التظاهرات واستعادة الحوار مع واشنطن، من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني وربما القوة الصاروخية الإيرانية التي ترفض طهران حتى الآن التفاوض بشأنها.

