
عشرات القتلى والمصابين في حلب ونزوح جماعي من حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
مع كثير من الأسف، لم يعد أحد يكتب اليوم لحلب بماء الذهب، بل أضحت لغة التخاطب بالرصاص والبارود، فغدت “الشهباء” مثل عروس ترتدي طرحتها البيضاء الملطخة بالدماء وهي تتربع على عرش قلعتها وتراثها الإنساني الغني. ولكن من الحب ما قتل؛ فحب تركيا وأطماعها يدمي الفيحاء ويقتل أبناءها برصاص الإخوة وليس برصاص الأعداء.
فمع نهاية العام 2025، كانت حلب الشهباء على موعد مع الحرب وليس مع الفرح والسلام، وذلك بسبب التدخلات التركية التي وضعت المدينة وأهلها وسط بؤرة من الخوف، بذريعة الخطر الذي يشكله بقاء مسلحين أكراد في حيي الأشرفية والشيخ مقصود. واعتبرت حكومة أنقرة أن انتهاء المهلة المحددة لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، وعدم تطبيق اتفاق الأول من نيسان لعام 2025 الخاص بانسحاب قوات “الأسايش” من حيي الأشرفية والشيخ مقصود اللذين يسكنهما أغلبية كردية، جريمة لا تغتفر. فسارعت إلى إشعال الفتنة والحرب، وأعلنت دعمها لأي عملية عسكرية يقوم بها الجيش السوري لاستعادة السيطرة على الحيين المذكورين.
وأخذت التحركات التركية المكثفة طابعاً عسكرياً باتجاه دمشق، فقام وزيرا الخارجية والدفاع ومدير الاستخبارات التركية بزيارة دمشق، وتبعتها زيارة لرئيس الأركان السوري إلى أنقرة. وبالمقابل، أجرت تركيا اتصالات دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات، واتصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب وأكد على وحدة سوريا وسيادتها، كما شاركت تركيا باجتماعات باريس مع “تحالف الراغبين” في دعم أوكرانيا، وكان هاجسها الأساسي الوضع على حدودها الجنوبية.
وكان واضحاً أن تركيا تريد إنهاء ملف “قسد” عسكرياً، باعتبارها جزءاً من حزب العمال الكردستاني المحظور وتهديداً خطيراً للأمن القومي التركي. وأخيراً، تخلت الحكومة السورية عن سياسة الصبر وسارت في ركب أنقرة الذي يستعجل القضاء على “قسد” وإنهاء وجودها ليس في حلب فحسب، وإنما في شرق الفرات، ونجحت الضغوط التركية على حكومة دمشق، التي أعلنت في بيانات متعددة لوزارة الدفاع موعد بدء الحسم العسكري في الواحدة والنصف من يوم الخميس الثامن من كانون الثاني الجاري.
وطلبت من الأهالي في الشيخ مقصود والأشرفية المغادرة، ودعت الكنائس والمساجد لاستقبال النازحين من الحيين. وقد بلغ عدد الذين نزحوا خلال يومين فقط قبل بدء الهجوم أكثر من 140 ألف نازح من الأشرفية والشيخ مقصود وبقية المناطق المجاورة التي تساقطت فيها القذائف وعانت من الخوف والهلع، فيما تعيش المدينة شتاءً قارساً شديد البرودة.
ولكن انعدام الثقة بين الحكومة و”قسد”، والانطباع الذي توصل إليه الجميع، هو استحالة تفكيك “قسد” واستحالة اندماج قواتها بالجيش بسبب الخلافات حول الهوية الوطنية وعقيدة الجيش. كان انعدام الثقة عاملاً أساسياً في تسريع الحسم العسكري بعد استنفاد الحل السياسي نهاية العام 2025، ورغبة تركيا المتحالفة بقوة مع الحكومة السورية في حسم هذا الملف قبل الانتخابات التركية القادمة، والتي يواجه فيها حزب العدالة والتنمية تحديات، أقلها أن واشنطن وضعت “الإخوان” على لائحة الإرهاب.
ولهذا كان التحريض التركي والدفع باتجاه تنفيذ اتفاق العاشر من آذار واتفاق الأول من نيسان لعام 2025 الخاص بانسحاب “الأسايش” من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لإعادة دمج الأكراد بمؤسسات الدولة السورية ودمج “قسد” بالجيش بعد سنوات من الإدارة الذاتية شرق الفرات في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، وحيي الأشرفية والشيخ مقصود ومناطق واسعة من أرياف حلب.
فالتحريض التركي والرغبة التركية الجامحة هذه المرة أكثر زخماً وإصراراً، خاصة وأن تركيا تخشى من قيام دولة كردية على حدودها الجنوبية، فيما تخشى حكومة دمشق من تفكيك سوريا وانقسامها وذهاب مواردها، باعتبار أن شرق الفرات الذي تسيطر عليه “قسد” هو سلة غذاء سوريا ومنبع ثرواتها النفطية والطبيعية.
وفور بدء العملية العسكرية السورية في حلب وتقدم الجيش للسيطرة على الحيين المذكورين، عبرت تركيا عن فرحتها ودعمها للحكومة السورية، واتهم هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، “قسد” بالتعاون مع إسرائيل. في حين أعلنت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتقديم الدعم للحكومة السورية، واعتبرت أن أمن تركيا من أمن سوريا، وأنها تتابع الوضع أولاً بأول، وتدعم الحكومة السورية في محاربة الإرهاب حفاظاً على سلامة ووحدة الأراضي السورية.
ومع أن البيانات التركية والتصريحات والتحركات كانت تتفاعل مع الأوضاع في سوريا بشكل متواصل، لكون المعركة تخص تركيا أكثر مما تخص سوريا نفسها، فقد حافظ الأمريكيون على صمتهم لأيام وهم يراقبون المعركة بين حلفائهم (الحكومة وقسد) وسط غموض لا يزال يلف موقفهم الضبابي. فيما تقدمت فرنسا المشهد من خلال اتصال هاتفي بين الرئيس الفرنسي ماكرون (وإردوغان)، تبعه اتصال بين أردوغان والشرع، فيما بقيت الولايات المتحدة بعيدة عن الصورة بعض الوقت، ما يطرح سؤالاً جوهرياً عما إذا كانت الحكومة السورية قد أخذت ضوءاً أخضر أمريكياً قبل البدء بالهجوم.
إن أي حديث عن تجنيب المدنيين ويلات الحرب في هذه الأحياء المكتظة ما هو إلا ضرب من الجنون، كمن يطلب من الغريق ألا يبتل بالماء؛ فالبيوت متلاصقة ولا توجد فيها مواقع عسكرية أو ثكنات، وهذا يضاعف عدد الضحايا. وقد بلغت الحصيلة بعد أقل من ساعتين على انتهاء مهلة الجيش خمسة قتلى وأكثر من ثمانين جريحاً نتيجة القصف المتبادل، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن نزوح السكان والدمار.
وقد كان لافتاً الموقف الأوروبي وبخاصة فرنسا، حيث دعا الاتحاد الأوروبي إلى ضبط النفس وحماية المدنيين، وهو موقف يميل إلى الأكراد أكثر من الحكومة، رغم العلاقات الجديدة بين دمشق والاتحاد الأوروبي الذي أعلن عن زيارة قريبة لرئيسة المفوضية الأوروبية إلى دمشق. كما كان لافتاً أيضاً الموقف الإسرائيلي الذي هو بطبيعة الحال إلى جانب الأكراد، رغم المفاوضات المستمرة بين إسرائيل وحكومة دمشق، فقد أعلن “جدعون ساعر” أن “قسد” حاربت الإرهاب وداعش، وأن على المجتمع الدولي تحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الأكراد.
على مدى أيام منذ الرابع من كانون الأول الجاري، نقلت وكالات الأنباء وسائل الإعلام مشاهد النزوح الجماعي التي شملت معظم أحياء المدينة، فيما كانت القذائف تتساقط كالمطر فوق المدينة التي تدفع للمرة الثانية ضريبة حروب الآخرين؛ وهي المدينة التي تشتهر بصناعاتها وزعترها وصابونها وقلعتها الشامخة وفنها الرفيع، فإذا بالحرب تسرق كل هذا وتحولها إلى مدينة أشباح وسط اتساع مساحة الحقد وفقدان الأمل بأي حلول سياسية قريبة.
وأكثر من ذلك، فإن المخاوف تتسع من أن تمتد الحرب إلى شرق الفرات بعد حلب في ظل استمرار التدخل التركي والإسرائيلي والصمت الأمريكي المريب، في وقت كانت الحكومة السورية تعول فيه الكثير على إدارة ترامب لإرغام الأكراد على تطبيق الاتفاقات، ولكن لم يحصل شيء من ذلك، وبقي السلاح بيد المقاتلين الأكراد.
ويبدو أن الحكومة مصممة على حسم الوضع عسكرياً، رغم كل الدعوات الدولية، وذلك لأن هدف الدولة السورية في نهاية الأمر هو المحافظة على وحدة سوريا وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع تمرير المخطط الإسرائيلي الذي يهدف إلى تقسيم سوريا عرقياً وطائفياً. فيما تعتبر الحكومة التركية أن الحسم العسكري في حلب فرصة لمواصلة الحرب باتجاه شرق الفرات، ومحاولة لتعميم لغة الحرب بين الحكومة السورية والمكونات المختلفة، كما حصل في الساحل والسويداء العام الماضي.
معركة حلب تضع سوريا اليوم من جديد على مفترق طرق، خاصة إذا ما تواصلت وامتدت إلى شرق الفرات كما تريد تركيا التي تدفع بكل قوتها لتوسيع الحرب ضد الأكراد. وخلاصة القول إن المعركة الحالية هي “معركة الأتراك ضد الأكراد” على الأرض السورية، وإن الحكومة السورية تستطيع أن تمضي على طريق السلام إذا ما رفضت الانجرار وراء تركيا التي تدفع باتجاه التصعيد لخدمة أجنداتها، فالسوريون قد تعبوا من الحروب ويتوقون إلى الحرية والازدهار.

