
إدارة ترامب تستبدل قسد بالحكومة لمحاربة داعش… والجيش السوري يسيطر على مخيم الهول شرق الحسكة… واتفاق وقف إطلاق النار لأربعة أيام آخر ما في جعبة ترامب…
كأحجار الدومينو تساقطت المواقع التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية في شمال وشرق سورية أمام تقدم الجيش العربي السوري وقوات العشائر العربية التي انشق بعضها عن قسد والتحق بعضها الآخر بالجيش… فبعد الأشرفية والشيخ مقصود في حلب انتقلت المعركة إلى دير حافر ومسكنة وسد تشرين غرب الفرات، ولاحقاً إلى الرقة وأرياف دير الزور ومنطقة الشدادي وكامل المنطقة الشرقية باستثناء الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني) والمناطق التي تضم أغلبية كردية، حيث توقف الجيش العربي السوري بعد أن سيطر على مخيم وسجن الهول شرق الحسكة الذي يضم آلاف الإرهابيين من داعش…
ولم يكن وقف إطلاق النار المفاجئ الذي قبلت به الحكومة السورية في الثامن عشر من كانون الثاني ولمدة أربعة أيام، بعد زيارة قائد قوات سورية الديمقراطية إلى دمشق والإعلان عن التوصل إلى هذا الاتفاق، إلا نتيجة عدة أسباب أولها أن أمريكا لا تريد أن تظهر وكأنها باعت قسد وتخلت عنها وهي المتحالفة معها في الحرب على داعش منذ العام ٢٠١٤، مع العلم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن صراحة أن قسد كانت تعمل لصالح نفسها ومشروعها وتأخذ ثمن ذلك من النفط. كما أن أمريكا التي خصصت الأموال لقسد بدأت تضغط على قسد لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار عام ٢٠٢٥، ولكن الضغوط التركية الكبيرة في الجهة المقابلة على الحكومة السورية حالت دون تنفيذ هذا الاتفاق الذي انتهى عملياً منذ لحظة دخول الجيش إلى منطقة شرق الفرات في العشرين من كانون الثاني الجاري، وبات يطوق الحسكة والقامشلي بعد أن أعلنهما ترامب (قبل مظلوم عبدي) خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الشرع خطاً أحمر…
الموقف العسكري والسياسي اليوم بعد الاتصال الهاتفي بين الرئيس الشرع وترامب، حيث أشاد الأخير بالرئيس الشرع ووصفه بالرئيس القوي والصلب، وقال: “لا نريد أن نضع لحكم سورية حملاً وديعاً”، أصبح مختلفاً تماماً عما كان عليه. فاتفاق العاشر من آذار انتهى عملياً، غير أن الرئيس ترامب وهو يدعم الحكومة السورية ويتخلى عن قسد، إلا أنه في الوقت نفسه أعطى قسد أربعة أيام لتحسم أمر انضمامها للجيش وفق الاتفاق الجديد في الثامن عشر من الشهر الجاري. وبعد ذلك فإن المعركة تكون حتمية، خاصة وأن الوساطة الأمريكية يقابلها ضغوط تركية وإشراف كامل على المعركة في شرق الفرات، ذلك أن تركيا تعتبر قسد جزءاً من حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يهدد أمنها القومي…
وفي المحصلة فإن الولايات المتحدة التي انخرطت أكثر في المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية منذ اندلاع المعركة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلا أن موقف ترامب وإدارته – رغم قوله إنه يحب الأكراد – كان التخلي بشكل واضح عن الأكراد وتجاهل دورهم في محاربة داعش إلى جانب القوات الأمريكية والتحالف الدولي. حيث أن إدارة ترامب تعمل على إعطاء فرصة للحكومة السورية برئاسة الشرع، وهي في طريقها لتحسين علاقاتها مع الحكومة ودعم الجيش السوري، وتسعى من أجل بناء شراكات اقتصادية مع دمشق من خلال الاستثمار بقطاع الطاقة في سورية، وخاصة الغاز في الساحل السوري حيث يدور الحديث عن كميات كبيرة في المياه الإقليمية السورية، وفي منطقة قارة بريف العاصمة دمشق، والحديث يدور عن كميات تفوق الغاز الموجود في قطر التي تسعى أيضاً مع العراق لإعادة تشغيل خط التابلاين الذي يصل العراق بمصفاة بانياس على الساحل السوري. كما تسعى قطر لإنشاء خط جديد عن طريق الأردن يمر بالأراضي السورية وإيصال الغاز القطري إلى أوروبا عبر تركيا. غير أن إسرائيل تراقب كل هذه التطورات، وربما كانت وراء التحول الأمريكي المفاجئ والانخراط بالمفاوضات التي تدور بين الحكومة السورية وقسد، خاصة وأن المبعوث الأمريكي توم باراك حذر من دخول إسرائيل لتعطيل مشروع التقارب الكبير والتحالف بين واشنطن ودمشق. وقد أظهر باراك نفسه خلال العام الماضي منذ تعيينه مبعوثاً أمريكياً في سورية كما لو أنه مندوب سامٍ، وقد جاءت تصريحاته دائماً ضد قسد، ولم يكن أحد يتوقع أن تتخلى الإدارة الأمريكية عن قسد بهذه السرعة وبهذا الشكل الذي يظهر حلفاء واشنطن كما لو أنهم لا قيمة لهم أمام المصالح الأمريكية. حيث أن إدارة ترامب وجدت أن مصالحها تتحقق مع الحكومة السورية، ولهذا تخلت عن قسد التي أخطأت قراءة المشهد السوري الجديد بعد انتصار الثورة السورية في الثامن من كانون الأول عام ٢٠٢٤، وتجاهلت أن الولايات المتحدة كانت تحلم منذ ستين عاماً بالتعامل مع حكومة موالية لها في دمشق، حيث كان نظام الأسد البائد ضمن محور معارض للمشروع الأمريكي في المنطقة… ولا شك أن قيادة قسد التي تشعر بالخذلان الأمريكي لها ستعيد من جديد ترتيب أوراقها بعد أن خسرت المعركة. فيما أبدت الحكومة السورية موقفاً جديداً ومفاجئاً تمثل بإصدار الرئيس أحمد الشرع – في خضم انتصارات الجيش شرق الفرات – مرسوماً أعطى الأكراد أكثر ما كانوا يحلمون به، وأقر بهويتهم الثقافية ولغتهم وعيدهم، وأكثر مما يمكن أن يحصلوا عليه بالحكم الذاتي الذي أصبح مجرد أضغاث أحلام أمام إصرار الحكومة السورية – بدعم أمريكي وتركي كبيرين – على المحافظة على وحدة سورية شعباً وأرضاً وجيشاً. ولا ننسى أيضاً أن روسيا الاتحادية ودول الخليج تدعم وحدة سورية ووحدة أراضيها. غير أن التفرد الأمريكي والسطوة الأمريكية تزعج الجميع، وبخاصة ألمانيا وفرنسا اللتين تخرجان من الساحة السورية بخفي حنين، كما يخرج الأكراد مهزومين رغم وقوفهم إلى جانب أمريكا التي تعتبر نفسها أكبر المنتصرين في الساحة السورية لأنها تحقق مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر هذه الساحة…

