
الرئيس بوتين يبحث مع ترامب وبزشكيان ومحمد بن زايد الجهود لوقف الحرب والعودة إلى المفاوضات…
الصديق عند الضيق…. هكذا تثبت روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين من جديد وقوفها ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتوصيفها اغتيال الخامنئي بأنها جريمة وحشية، وبأنها لا تتخلى عن أصدقائها وقت الشدة…. وهي بهذه المواقف تتجاوز كل التحديات والمنافع الاقتصادية الآنية، وتقتحم بشجاعة وثقة الصعاب وتوجه الرسائل وتمسك بزمام المبادرة بكل الاتجاهات لتلعب دورا محوريا لإحلال السلام من جديد في الشرق الأوسط، ولتساهم في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد ليس كما يريده الغرب، وإنما بما يتناسب مع مبادئها وقيمها. فهي تستطيع أن تمرغ أنف الغرب وأمريكا وإسرائيل بالتراب لو اتبعت سياسة اقتناص الفرص، ولكنها لا تريد لحرب نتنياهو ضد إيران أن تتجاوز الحدود والخطوط الحمر. ولهذا حذرت واشنطن قبل بدء الحرب من العواقب الوخيمة، ولا تزال تحذر من اتساع الحرب وإطالة أمدها، وتعمل لإيجاد حل لأخطر مشكلة يواجهها العالم اليوم وهي الملف النووي الإيراني في ظل إدارة ترامب وحكومة نتنياهو المتطرفة……
الجهود الروسية التي يقودها الرئيس فلاديمير بوتين والوزير الروسي المخضرم سيرغي لافروف لوقف الحرب بعثت برسائل من الأمل والتفاؤل إلى الأسواق والاقتصاد العالمي بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ترامب مع الرئيس بوتين في اليوم التاسع للحرب، وطرح خلاله الشروط الأمريكية لوقف الحرب وطلب من روسيا تفعيل وساطتها. ومع أن روسيا لا تقف على الحياد في الحرب وهي تدعم إيران سياسيا واقتصاديا وعسكريا، رغم وسائل إعلام أمريكية ذكرت أن روسيا قدمت لإيران معلومات استخباراتية حول مواقع تمركز القوات الأمريكية، وكان ذلك لتبرير النجاحات الإيرانية في استهداف القواعد الأمريكية في الخليج….
مع العلم أن الموقف الروسي ومهما بلغ من الدعم لإيران لا يفاجئ أحدا، فما تفعله روسيا واضح وضوح الشمس وهي لا تخفي أنها تدعم إيران. وقد أظهرت القيادة الروسية رغم استمرار الحرب مع أوكرانيا اهتماما كبيرا ولافتا بالأحداث في الشرق الأوسط….
فبعد الاتصال بين الرئيسين ترامب وبوتين، أجرى الأخير اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان هو الثاني بعد اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من شباط 2026، وتناول الرئيسان الشروط الأمريكية لوقف الحرب…….
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أعلن أن روسيا مستعدة لتقديم المساعدة لتسوية النزاع في الشرق الأوسط.
وقال بيسكوف للصحفيين بعد المكالمة بين الرئيسين ترامب وبوتين: إن روسيا مستعدة للمشاركة بأفضل ما لديها من إمكانيات في تسوية النزاع في الشرق الأوسط. وستكون سعيدة بالقيام بذلك.
وأضاف أنه “منذ بداية هذه القضية، وقبل بدء المرحلة العسكرية، قدم الرئيس بوتين خيارات متنوعة لوساطتنا وخدماتنا التي يمكن أن تساعد في تخفيف التوترات”.
وشدد بيسكوف على أن “العديد من هذه المقترحات لا تزال مطروحة”.
وأكد بيسكوف في الوقت نفسه أنه لا يمكن اعتبار بوتين وسيطا لتسوية الأزمة حتى الآن. وأردف: “هذا يتطلب تفاهما واسعا واتفاقا شاملا. لذلك، علينا التحلي ببعض الصبر”.
وردا على طلب توضيح المقترحات “التي لا تزال مطروحة”، قال بيسكوف: “لا، ليس هناك مجال للخوض في التفاصيل في الوقت الراهن. وفي الحقيقة، لا توجد أي نية لذلك”.
وأشار بيسكوف إلى أن “الرئيس قد أبلغ هذه المقترحات إلى محاوره (ترامب). وسنرى كيف ستسير عملية التوافق”.
وردا على سؤال حول رد فعل الكرملين على الاتهامات بتقديم معلومات استخباراتية لإيران: “لا نعلق عليها بأي شكل من الأشكال”.
وأشار إلى أن “الرئيسين قد قالا بالفعل كل ما أرادا قوله بشأن مضمون المحادثة”.
وكان من الواضح بعد سلسلة الاتصالات التي أجراها الرئيس بوتين والوزير لافروف أنهما يريدان التعرف أكثر على الأفكار والرؤية التي لدى إيران وقائدها الجديد مجتبى الخامنئي، وذلك ليتم صياغة مبادرة روسية متكاملة تستطيع موسكو من خلالها تقريب المواقف ووضع حد للحرب التي أرادها ترامب أن تكون قصيرة جدا لا تتجاوز الأيام، ولكن حسابات الحقل الأمريكي لا تتناسب مع حسابات البيدر الإيراني…
ويبدو أيضا أن النظر لروسيا كخصم وحكم أمر وارد، ولكن ليس بيد ترامب حيلة، وما من أحد يستطيع أن يتحدث إليه ويتحدث مع بزشكيان ونتنياهو مثل الرئيس بوتين. ومع أن الغموض لا يزال يلف محددات الوساطة الروسية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى منع امتداد وتوسع الحرب، فقد أثمرت الاتصالات التي أجرتها روسيا عن ترسيخ قناعة لدى الرأي العام بأن الحرب تقترب من نهايتها، خاصة بعد أن أعلن الرئيس ترامب مرارا أن الحرب على إيران حققت كل أهدافها، وأن موعد وقفها بات قريبا. وهذه التصريحات وإن كانت بدون رصيد على أرض الواقع حتى الآن فالتصعيد مستمر، إلا أنها أشاعت مناخ إيجابي انعكس على أسعار النفط والغاز…
فالوساطة الروسية لوقف الحرب في الشرق الأوسط وإن كانت غامضة حتى الآن، إلا أنها أصبحت الرهان الوحيد لخفض التوتر وإيقاف الحرب، بعد أن تجاوزت الحرب الوساطة التي تقوم بها سلطنة عمان التي تجنبت إيران قصفها باعتبارها دولة تقف على الحياد. ولكن في نهاية المطاف وجد الرئيس بزشكيان نفسه يتصل مع سلطان عمان هيثم بن طارق ليقدم له اعتذارا عن قصف محطات الوقود في مسقط التي يستخدمها الجيش الأمريكي.
ويبدو أن الوساطة الروسية تواجه تحديات كبيرة، فالأهداف الأمريكية لا تتطابق مع الأهداف الإسرائيلية. وحزب الله اللبناني بدخوله الحرب فإنه أراد أن يدخل ضمن سياق التسوية الشاملة، وهذا ما ترفضه إسرائيل التي ترغب في مواصلة الحرب حتى نزع سلاح حزب الله بالقوة. كما أن الوساطة الروسية تتطلب إيجاد حل للأزمة حول مضيق هرمز، ترغب إدارة ترامب في رفع يد إيران عن هذا الممر الحيوي وجعله أحد بنود الاتفاق بشأن ملف إيران النووي، وهذا ما ترفضه إيران وتعتبر المضيق تحت سيادتها الكاملة ولا يمكنها أن تتخلى عن هذه السيادة.
طبعا هذا كله تحديات إضافية إذا ما قبلت إيران بما تطرحه روسيا بشأن التوصل إلى اتفاق شامل حول الملف النووي ونقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا. لتبقى المشكلة المصطنعة مشكلة الصواريخ البالستية الإيرانية التي قال ترامب أن الجيش الأمريكي دمر 80 بالمئة منها، وأنه دمر أيضا مصانع الطائرات المسيرة. فإن مشكلة هذه الصواريخ تقف عائقا أمام أي تسوية، لأن إيران وقيادتها الجديدة لا تقبل بطرح هذا الموضوع للنقاش، وتعتبر أن الصواريخ مثلها مثل مضيق هرمز مسألة تتعلق بسيادة الدولة ولا يمكن مناقشتها، خاصة وأنه لا يوجد في القانون الدولي أية إشارة إلى أن إيران تخالف القانون عندما تقوم بتصنيع الصواريخ البالستية..
الوساطة الروسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية لا تزال في بدايتها وهي تسير ببطء وثبات، والرئيس بوتين الذي يتحلى بالصبر والمثابرة والدقة، فإنه حريص على أن يقدم خدمة لإيران وأخرى لصديقه الرئيس ترامب الذي يواجه معارضة شرسة من الحزب الديمقراطي الذي يعارض الحرب على إيران، لدرجة أن رئيس ولاية كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم قال متهكما أن ترامب يخوض الحرب بلا خطة، وأنه لم يفلح في غزة فكيف سيفلح مع إيران..
فالرئيس بوتين يتجاوز في وساطته الكثير من الاعتبارات، ويواصل اتصالاته المكثفة لمنع اتساع الحرب، وقد أجرى اتصالا مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد بعد أن تعرضت بلاده لموجات من القصف الإيراني..
وربما قرأت روسيا في التصريحات الأمريكية التي أدلى بها الرئيس ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث، وفي التصريحات الإسرائيلية أن الحرب كما بدأت فجأة سوف تتوقف فجأة، بعد أن توصل الجميع إلى قناعة باستحالة إسقاط النظام الإيراني الذي استفاد أو استغل بشكل صحيح الحرب لشد عزيمة أنصاره، خاصة بعد نجاح إيران بانتخاب قائد جديد شاب استطاع خلال ساعات من استلامه القيادة أن يلفت الانتباه إلى أن إيران لن تستسلم…
كما قرأت روسيا أن أحدا في هذا العالم لن يكون بمقدوره أن يقوم مقامها للوساطة بين الأطراف المتنازعة. وربما بذلك ترد روسيا الجميل الذي يؤديه الرئيس ترامب وهو يسعى جاهدا لوقف الحرب في أوكرانيا، كما ترفع بعض الخوف والقلق عن إيران التي تواجه قوتين كبيرتين: قوة عظمى هي الولايات المتحدة الأمريكية، وقوة إقليمية كبيرة هي إسرائيل.
ومع أن روسيا تحاول الظهور على الحياد عسكريا وهي تنفي مشاركة إيران معلومات عن مواقع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا أنها في حقيقة الأمر تعمل بكل السبل من أجل تمكين إيران ومنع هزيمتها في هذه الحرب التي وإن كانت أحداثها تنحصر حتى الآن على مساحة إيران والقواعد الأمريكية في الخليج، إلا أن تداعياتها وآثارها تطال العالم كله. ويكفي الإشارة إلى أن إغلاق مضيق هرمز أدى خلال أيام إلى رفع سعر برميل النفط إلى 120 دولار، وفي حال الاستمرار في الإغلاق فإن التوقعات بأن يصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 200 دولار أمريكي. واللبيب من الإشارة يفهم… فإيران في هذه الحالة تضع الاقتصاد العالمي والتنمية تحت رحمتها. وقد أحسنت صنعا عندما رمت بثلاثية أوراق قوية معا في وجه أمريكا وإسرائيل، فوضعت صواريخها البالستية ومضيق هرمز الحيوي وحزب الله اللبناني كأوراق إضافية، عدا عن الإرادة التي أظهرها الإيرانيون كشعب ذي حضارة عريقة في مواجهة الوحشية وشريعة الغاب التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب الأمن والسلام في العالم…

