
كل الطرق تؤدي إلى موسكو… بوتين يلتقي محمد بن زايد، ويتكوف يشارك في مفاوضات أبوظبي الأمنية… وترامب يقول: “لأول مرة حققنا نتائج جيدة للغاية”…
في ذروة التركيز الروسي على مجري الحرب في أوكرانيا عسكريا وسياسيا، في محاولة للتوصل إلى نهاية لهذه الحرب التي اشتعلت قبل أربع سنوات في الثاني والعشرين من شباط عام 2022، وعلى إيقاع المفاوضات السياسية السيادية في ميامي في فلوريدا بين الروس والأمريكان، والمفاوضات الأمنية في أبوظبي بين وفود من روسيا وأمريكا وأوكرانيا، شهدت العاصمة الروسية نشاطًا سياسيًا عالميًا مكثفًا على خلفية التقدم في المفاوضات المتعلقة بأوكرانيا والتهديدات الأمريكية بقصف إيران والتطورات على الساحة السورية…
وفي هذا التوقيت الدقيق التي كانت جميع الطرق المؤدية إلى الكرملين تزدحم بالزوار من بلدان العالم المختلفة من سوريا والإمارات وإيران والولايات المتحدة، بعد أن ظهرت ملامح الانتصار الروسي وتكشفت أمام العالم لأول مرة الحقائق التي كانت غائبة لفترة طويلة والتي تخص السياسة الروسية الهادئة والحاسمة المستندة على القواعد الأخلاقية والقانونية بالدرجة الأولى وعلى مصداقية السياسة الروسية التي يقودها الرئيس بوتين، والتي تهدف إلى إقامة السلام عبر الحوار وعبر ترسيخ القانون والشرعية الدولية…
فالقوة الروسية كانت دائمًا موجهة ضد قوى الشر والارهاب. فالشر لا يرده إلا القوة…
بالتزامن مع المفاوضات الأمنية الخاصة بإنهاء الحرب في أوكرانيا في أبوظبي، قام الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بزيارة إلى روسيا واجرى محادثات هامة مع الرئيس بوتين في الكرملين، فيما كان الجيش الروسي يحقق انتصارات ميدانية كبيرة على جبهات عدة ويوقف عمليات القصف على كييف بناءً على طلب ترامب، الذي أدلى بتصريحات جديدة وأكثر وضوحًا وقال: “للمرة الأولى أقول حققنا نتائج جيدة للغاية مع روسيا وأوكرانيا”…
وفيما تعصف الخلافات بأوروبا حول تشكيل جيش أوروبي، فقد اعترفت مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس بأن الأوكرانيين بصدد تقديم تنازلات صعبة في مفاوضات التسوية…
وفيما تزداد الخلافات بين روسيا والاتحاد الأوروبي ودوله بسبب أوهام أوروبا حول إمكانية هزيمة روسيا وتنامي الروسوفوبيا في الغرب مع اقتراب الحرب من نهايتها، فقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن عرض روسيا لحصيلة السياسة الخارجية الروسية لعام ٢٠٢٥، يهدف إلى استعادة العلاقات بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، ويتطلب من العواصم الأوروبية “العودة إلى رشدها” والتخلي عن أيديولوجية كراهية روسيا…
وفي المقابل، جراء تطورات الحرب في أوكرانيا والنصر السياسي والعسكري الذي يقترب أكثر من أي وقت من روسيا، والهزيمة التي لحقت بأوروبا قبل أوكرانيا، تحاول موسكو تجاوز الخلافات مع أوروبا والتعويض عنها بعلاقات استراتيجية مع دول مؤثرة بما يعزز الانتصار الروسي والمكانة التي تحتلها روسيا على الساحة الدولية، وكسر محاولات عزلها بالعقوبات ونشر الدعايات الحاقدة ضدها…
وتبرز في هذا المجال العلاقات الروسية الإماراتية كنموذج للعلاقات الدولية الراسخة منذ خمسين عامًا، والتي يحرص الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد على إضافة ابعاد جديدة سياسية واقتصادية واستثمارية لها. وفيما كانت طائرة محمد بن زايد تدخل الأجواء الروسية رافقتها طائرات عسكرية لتحية الضيف والترحيب به كرسالة رمزية تشير إلى الاهتمام الروسي بالزيارة وبنمية العلاقات بين موسكو وأبوظبي، وهي علاقات صافية من أي علائق تعود بالفائدة على البلدين ولا تتسبب بأي ضرر لأي طرف ثالث…
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبل الشيخ محمد بن زايد في التاسع والعشرين من كانون الثاني بين جولتين من المحادثات الأمنية في أبوظبي بشأن الخطة الأمريكية لحل النزاع في أوكرانيا. وأعرب بوتين عن امتنانه الشخصي لأبوظبي لترتيبها واستضافتها مفاوضات ثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، كما ثمن دور الإمارات في عملية تبادل الأسرى. وقد نجحت دولة الإمارات في إتمام 17 عملية وساطة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، تم بموجبها إطلاق 4641 أسيرا، ما يعكس عمق العلاقات التي تجمع دولة الإمارات بالبلدين ويجسد دورها كوسيط موثوق به في دعم الحلول الدبلوماسية والإنسانية…
المحادثات الروسية الإماراتية ذاتها أطلقت الأوضاع في المنطقة، وبخاصة الملف الإيراني والقضية الفلسطينية. وأكد الرئيس بوتين أن روسيا تراقب الوضع في إيران عن كثب، مشيرًا إلى مناقشة هذا الملف مع الرئيس الإماراتي. لأن العالم كله سوف يتأثر ويتفاعل بنتائج الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا…
وليس اختيار أبوظبي لاتمام هذا الجانب الأمني الهام وانجاحه بالأمر العابر ذلك، لأن ما تبقى من عناصر وبنود لإنجاز وتنفيذ مبادرة السلام الأمريكية لانهاء الحرب في أوكرانيا قليلا لا يتجاوز عشرة بالمئة، فيما تنتظر جميع دول العالم وبخاصة الدول الكبرى نتائج هذه المبادرة لأنها تتعلق بالدرجة الأولى بنتائج العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، والتي تثثر فيها جميع الدول وليس فقط أوكرانيا وروسيا، فهي ترسم خرائط جديدة لاوروبا وتحدد مكانة ودور وحجم القوى الأوروبية والعالمية أيضا، وبخاصة روسيا التي كان الهدف الرئيسي للحرب والعقوبات الأطلسية ضدها هزيمتها وإخراجها من المعادلات الدولية كقوة عظمى واقوى دولة أو روبية غير أن الرئيس بوتين والقيادة الروسية اداروا المعركة بإرادة صلبة وصبر عسكري وسياسي واقتصادي وأمني، فكانت ساحة اختبار جديدة لمكانة روسيا كقوة عظمى لا استعمارية، وساحة اختبار أيضا لقدرة الجيش الروسي والأسلحة الروسية المتطورة التي لا قبل للغرب بمواجهتها أو صناعة أسلحة تضاهيها عددا…
ويبدو أن النصر الروسي في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا لا ريب فيه وسيكون له تأثير واسع على جيل كامل، كما كان وقع النصر الذي تحقق على النازية في الحرب العالمية الثانية التي تشهد لعظمة روسيا وانتصاراتها والتي تثبت من جديد بأنه لا يوجد قوة تستطيع هزيمة الجيش الروسي…

