
في الخامس من فبراير 2026، سُجّلت لحظة تاريخية فارقة مرت على العالم مرور الكرام، لكنها ستعيد تشكيل معادلات القوة والردع لعقود قادمة. مع انتهاء العمل رسمياً بمعاهدة “نيو ستارت” بين روسيا والولايات المتحدة، يكون آخر قيد قانوني ملزم يحد من ترسانتي أكبر قوتين نوويتين في العالم قد سقط إلى غير رجعة . هذا المشهد لم يأت من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من تآكل الثقة وتفكيك ضبط التسلح الذي بدأ قبل سنوات مع انسحاب واشنطن الأحادي من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى عام 2019. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في خضم هذا الفراغ القانوني غير المسبوق منذ سبعينيات القرن الماضي، هو: كيف ستعيد القوى الكبرى رسم سياساتها النووية في عالم لم يعد يعترف بـ”السقوف” و”القيود”؟ لم يكن انهيار معاهدة مجرد حجر أزيل من صرح ضبط التسلح، بل كان إيذاناً بزوال المنطق الاستراتيجي الذي حكم العلاقات بين الشرق والغرب لعقود. تلك المعاهدة التي وقعها رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف في واشنطن عام 1987، قضت على فئة كاملة من الأسلحة النووية: الصواريخ الأرضية التي تتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر . على مدى سنوات، دمر الجانبان بموجبها 2692 صاروخاً (846 من الجانب الأمريكي و1846 من الجانب السوفيتي)، في تجسيد عملي لإمكانية تجاوز منطق الحرب الباردة . لكن الاتهامات المتبادلة بانتهاك المعاهدة من الجانبين، مع تركيز واشنطن على تطوير روسيا لصاروخ “نوفاتور 9 إم 729” وتركيز موسكو على قدرة منصات الدفاع الصاروخي الأمريكية في أوروبا على إطلاق صواريخ “توماهوك” الهجومية، قوضت أسسها تدريجياً . ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الذي لم يخفِ ازدراءه للاتفاقيات الدولية التي يعتبرها “سيئة” وتضع أمريكا في موقف ضعف، كان الانسحاب الرسمي في 2019 مجرد إعلان وفاة لمعاهدة كانت تحتضر أصلاً . الآن، مع انتهاء “نيو ستارت” التي حددت سقف 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً و700 قاذفة لكل من الجانبين، يدخل العالم مرحلة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “لحظة خطيرة” و”أكثر لحظة خطورة منذ عقود” . الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من أن “لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، نواجه عالماً بلا أي قيود ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية لأكبر قوتين نوويتين” . هذا التحذير لم يكن عاطفياً، بل استند إلى معطى بسيط: روسيا والولايات المتحدة تمتلكان معاً حوالي 87% من الرؤوس النووية في العالم . عندما يتحرر هذان العملاقان من أي قيود قانونية، فإن الرسالة التي ترسل للعالم بأسره هي أن عصر “الردع المتبادل” الذي أدارته المعاهدات قد انتهى، ليحل محله عصر “السعي للتفوق”. التأثير المباشر لهذا الانهيار على السياسة النووية العالمية يتجلى في عدة مستويات مترابطة. أولها، الانتشار الرأسي، أي توسع الترسانات القائمة. نظرياً، لم يعد هناك ما يمنع موسكو وواشنطن من زيادة مخزونهما الاستراتيجي إلى ما لا نهاية، مما قد يشعل شرارة سباق تسلح كمي جديد . صحيح أن التكلفة الهائلة لهذه الأسلحة قد تشكل رادعاً عملياً في المدى القصير ، لكن الخطر الحقيقي يكمن في إلغاء آليات التحقق والشفافية التي وفرتها المعاهدة. فبدون عمليات التفتيش الميداني وتبادل البيانات التي نصت عليها “نيو ستارت”، ستعتمد القوتان بشكل متزايد على التقديرات الاستخباراتية وسيناريوهات “أسوأ الاحتمالات”، مما يضيق بشكل خطير نافذة اتخاذ القرار في الأزمات ويزيد من مخاطر التصعيد غير المقصود أو الضربات الاستباقية المبنية على سوء التقدير . ثاني هذه التأثيرات وأكثرها خطورة على المدى البعيد، هو الانتشار الأفقي، أي تزايد عدد الدول التي تسعى لامتلاك السلاح النووي. هنا يصبح الارتباط مع معاهدة منع الانتشار النووي واضحاً. فتحت مظلة هذه المعاهدة، تخلت دول غير نووية عن خيار امتلاك السلاح مقابل التزام القوى النووية (خاصة روسيا والولايات المتحدة) بالسعي نحو نزع السلاح . إن انسحاب هاتين القوتين من التزاماتهما الأخيرة تحت “نيو ستارت” يرسل إشارة سلبية للمجتمع الدولي مفادها أن الدول النووية الكبرى تتخلى عن مسؤولياتها الأساسية تجاه نزع السلاح، مما قد يدفع دولاً أخرى، بدافع الأمن القومي، إلى الشروع في برامجها النووية الخاصة . الخبير الصيني تشيان فنغ من جامعة تسينغهوا يحذر من أن هذا التطور “قد يشجع دولاً أخرى، بدافع المخاوف الأمنية، على تعزيز قدراتها النووية، مما قد يحول السياسة النووية العالمية من الردع إلى السعي للتفوق” . أما ثالث التأثيرات، فيتعلق بظهور لاعبين جدد على مسرح السباق النووي. لقد انهارت ثنائية القطبية التي أنتجت معاهدات سالت وستارت وإن إف. اليوم، تبرز الصين كقوة نووية كبرى في طور التوسع السريع .
الخبيرة راجيسواري بيلاي راجاغوبالان من المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية تحذر من أن انتهاء “نيو ستارت” قد يكون “بداية سباق تسلح نووي أكثر خطورة بثلاثة خيول” . الصين التي تمتلك ترسانة أصغر لكنها تنمو بسرعة، لم تعد طرفاً يمكن تجاهله في أي معادلة مستقبلية. لكن مشكلة إشراك الصين في أي إطار جديد للحد من التسلح معقدة للغاية؛ فهي ترفض ذلك بسبب الفجوة الكبيرة مع الترسانتين الروسية والأمريكية . وفي الوقت نفسه، تطور روسيا والولايات المتحدة أسلحة جديدة (الصواريخ الفرط صوتية، الطوربيدات النووية، صواريخ كروز التي تعمل بالطاقة النووية) تجعل المعايير القديمة لعدّ الرؤوس والمنصات تبدو وكأنها من عصر مضى . هذا التطور النوعي يذيب الخط الفاصل بين الأسلحة النووية والتقليدية، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود عندما تعتمد الدول على أنظمة فرط صوتية لا تمنح سوى دقائق لاتخاذ القرار . المفارقة الأعمق في هذا المشهد هي أن انهيار نظام ضبط التسلح لا يهدد فقط بتفكيك ما تبقى من معاهدات، بل يهدد أيضاً بتفكيك “المحرمات” الأخلاقية التي أحاطت بالسلاح النووي منذ 1945. خطاب الرئيس بوتين حول إمكانية استخدام الأسلحة التكتيكية في أوكرانيا، وتهديدات متبادلة بين الغرب وروسيا، كلها ساهمت في “تطبيع” الحديث عن استخدام هذا السلاح المحرم، مما يزيد من خطورة أي سوء تقدير مستقبلي . في هذا السياق، تصبح الدعوات الروسية للحفاظ على السقوف الكمية طواعية (كما اقترح بوتين في سبتمبر 2025) مجرد لافتة حسن نوايا في بحر من انعدام الثقة، خاصة مع عدم تلقيها استجابة أمريكية رسمية .
ختاماً، فإن نهاية معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، وما تلاها من انهيار كامل لمنظومة الحد من التسلح بإنهاء “نيو ستارت”، لا يمثل مجرد خسارة لاتفاقيات ثنائية، بل هو إعلان عن نهاية حقبة كاملة من السياسة النووية القائمة على فكرة “الاستقرار عبر القيود”. العالم يدخل اليوم منطقة مجهولة، حيث لا وجود لسقوف ملزمة، ولا آليات تحقق، ولا ثقة متبادلة. في هذه المنطقة، ستلعب الحسابات الخاطئة دوراً أكبر من أي وقت مضى، وستتحول سياسة الردع من علم دقيق إلى لعبة حظ خطيرة. الخيار الوحيد لتجنب الكارثة، كما يدعو الأمين العام للأمم المتحدة، هو العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات لصياغة إطار جديد يأخذ في الاعتبار الحقائق الجيوسياسية والتكنولوجية الجديدة . لكن مع انشغال العالم بأزماته المتعددة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، يبقى السؤال المفتوح: هل يملك القادة في موسكو وواشنطن الإرادة لبناء جسر فوق الهاوية التي حفروها بأنفسهم، أم أننا على موعد مع سباق تسلح جديد ستدفع البشرية ثمنه غالياً؟

