
خلافات عميقة بين ضفتي الأطلسي وميرتس وروبيو يقدمان خطابين مختلفين تجاه روسيا
للعام الثاني على التوالي، تجري رياح منتدى ميونيخ للأمن على عكس ما تشتهي سفن القارة العجوز… فالمنتدى العالمي الذي يناط به مناقشة السياسات الدفاعية والأمنية، تحول مع استلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإدارة في البيت الأبيض إلى مرآة عكست الخلافات العميقة وانعدام الثقة بين ضفتي الأطلسي، وغيبت القضايا الأساسية التي أُنشئ المنتدى من أجلها قبل 62 عاماً. فقد راح المستشار الألماني فريدريك ميرتس يغرّد في خطابه أمام 60 رئيس دولة وحكومة ومئة وزير خارجية ودفاع خارج السرب، متجاهلاً مواقف الدول العظمى من الحرب في أوكرانيا – وهي الحرب التي تطغى منذ أربع سنوات على أعمال وفعاليات منتدى ميونيخ – كما يتجاهل الواقع الميداني الذي فرضه الجيش الروسي الذي حقق انتصاراً يعزز من خلاله الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية. ولم ينته ميرتس من أعمال المنتدى حتى جاءه الرد مدوياً من واشنطن أولاً ومن موسكو ثانياً ومن باريس وبكين. وربما يجد المستشار الألماني العزاء والسلوى لنفسه في الموقف البريطاني، وهو يتسول القوة ويستجدي الحماية من أمريكا، ويتبجح بأن ألمانيا ستعزز قوتها العسكرية وأن حكومته ستجعل من الجيش الألماني أقوى جيش في أوروبا من أجل أن يدعم أوكرانيا ضد روسيا…
ومع اتساع التحديات التي تواجه أوروبا بعد الهزيمة التي لحقت بها جراء الحرب في أوكرانيا، واستبعادها كلياً من المفاوضات بين موسكو وواشنطن لإنهاء الحرب التي تدخل في الرابع والعشرين من شباط عامها الخامس، وكان هذا الاستبعاد إهانة تاريخية وتقويضاً حقيقياً لمقاصد وأهداف منتدى ميونيخ. وزاد الطين بلة الرد الروسي على خطاب المستشار الألماني، فقد خاطب نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديميتري ميدفيديف ميرتس قائلاً: “أيها الشيطان، هل أخطأت في الزمن؟ نحن في 2026 وليس 1933″، في إشارة إلى أن الزمن تغير وأن روسيا اليوم هي أقوى من أوروبا كلها. فيما انتقدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا خطاب ميرتس وقالت: “إنهم مجرد رؤوس ناطقة تتلو تعليمات”…
ومع أن حالة عدم اليقين والقلق خيمت على منتدى ميونيخ كالعام الماضي، جراء التحول في النظرة الأمريكية إلى أوروبا وانتقاد ترامب لأوروبا لأنها لا تقوم بزيادة مساهمتها في حلف الناتو ولا ترفع إنفاقها على القضايا الأمنية والدفاعية داخل الناتو، ويطالبها بزيادة حجم الإنفاق للأمن والدفاع بنسبة 5 بالمئة لكل دولة من دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام منتدى ميونيخ الثاني والستين رسّخ حالة عدم اليقين وزاد من التوتر والشكوك التي تساور أوروبا جراء المواقف التي اتخذتها إدارة ترامب منذ وصولها إلى البيت الأبيض. رغم أن الخطاب كان أقل حدة من خطاب جي دي فانس نائب الرئيس في الدورة 61، وكان ذلك الخطاب صاعقاً وصدمة كبرى أصابت أوروبا كلها، لأنها لم تكن قد اعتادت على سياسة ترامب، وهي تحاول اليوم هضم تلك السياسة بعسر شديد. مع الإشارة إلى أن أوروبا غيرت موقفها قبيل منتدى ميونيخ ودعت للحوار مع موسكو لأول مرة، ولكن إحجام روبيو عن ذكر روسيا فجّر الغضب في أوروبا التي يقول لسان حالها: “اليد التي لا تستطيع عضها عليك أن تبوسها”. حيث إن الوزير الأمريكي روبيو لم يتطرق أبداً للحرب في أوكرانيا ولم يذكر روسيا، واكتفى بالحديث عن التاريخ المشترك الذي يجمع أمريكا مع أوروبا، معتبراً أن أمريكا هي ابنة أوروبا. وأكد أن بلاده تقوم بأعباء كبيرة على مستوى العالم، وأنها تعمل على إيجاد الحلول لجميع المشكلات والأزمات والحروب، ولا أحد يساعدها في ذلك. وضرب مثلاً كيف أن بلاده أوقفت الحرب في غزة، وهي تعمل منفردة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن مجلس الأمن عاجز عن حل أية مشكلة، وأن بلاده هي التي تستطيع تقديم الحلول دون غيرها. وشكا من الضعف الأوروبي، ودعا القارة العجوز إلى التخلص من ضعفها، لأن أمريكا لا تستفيد من أوروبا ضعيفة.
وربما اختصرت مجلة “بوليتيكو” المشهد بين أمريكا وأوروبا، وقالت إن رسالة واشنطن لأوروبا مفادها أنها ليست بحاجة لحلفاء ضعفاء. ونقلت “بوليتيكو” عن مسؤول أوروبي أن واشنطن أكدت لأوروبا خلال مؤتمر ميونيخ مؤخراً أن النظام العالمي القديم لم يعد يستحق الحماية، وأنها ليست بحاجة لحلفاء ضعفاء. أما صحيفة “فايننشال تايمز” فقد نقلت عن دبلوماسي ألماني لم تسمه أن أوروبا كانت غير راضية عن خطاب وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو في ميونيخ، لاعتقادها أنه موجه إلى الجمهور الأمريكي وليس لحلفائه. ورغم اللهجة الدبلوماسية والعاطفية التي استخدمها روبيو، فقد استمر التوتر بين طرفي الأطلسي، وجاءت ردود الفعل الأوروبية على الخطاب متباينة بين الصدمة والحذر، والقليل عبر عن الرضى.
فيما رفض روبيو حضور لقاء واسع نظمته ألمانيا على هامش منتدى ميونيخ حول أوكرانيا بمشاركة معظم الزعماء في القارة العجوز، ولكن المؤتمر الفرعي الخاص بأوكرانيا لم يحظ باهتمام كبير. فيما كانت روسيا الحاضر الأكبر في المنتدى العالمي، وقد مثلها مساعد الرئيس الروسي. أما الغائب الأكبر فكانت إيران التي لم يتم توجيه الدعوة لها بحجة قمعها للتظاهرات. مع الإشارة إلى أن الوضع في أوكرانيا والملف النووي وقضية التحشيدات الأمريكية في الشرق الأوسط والإرهاب والوضع في فلسطين وسورية والسودان والمناخ والذكاء الاصطناعي، ولكن كل هذه القضايا كانت عابرة. أما الموضوع المركزي للدورة الثانية والستين لمنتدى ميونيخ للأمن فكان العلاقات المتوترة بين طرفي الأطلسي.
ولربما يتذكر الأوروبيون اليوم – وهم يغلون في المرجل الذي يوقد ترامب تحته النار كلما انطفأت – الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل 19 عاماً في سنة 2007، والذي يعرف بخطاب ميونيخ، والذي تنبأ فيه الرئيس الروسي بهذه اللحظة التي يفتقد فيها العالم اليوم الشعور بالأمن، كما يفتقد إلى القانون الدولي. وقد جاء في ذلك الخطاب “أنه لا أحد يشعر بالأمان، ولا أحد يشعر أن القانون الدولي يحميه”..
ولا شك أن مؤتمر ميونيخ للأمن الذي وُلد من رحم الحرب الباردة واستمر إلى اليوم، لم يعد يلبي الغاية التي وُلد من أجلها لتكريس العولمة والهيمنة الغربية واقتراح السياسات التي تدعم الهيمنة وتعزيز القيم والمفاهيم الأطلسية. فالعالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية، وهناك دول تصعد وأخرى تتلاشى، والجميع يبحث عن نظام عالمي جيد متعدد الأقطاب يستوعب هذه التحولات. فلم تعد أوروبا مركزاً للثقل العالمي في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية كما كانت في الماضي، ولم يعد لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد الحرب في أوكرانيا والانتصار الذي حققته روسيا الاتحادية أي دور أو مهمة يقوم بها. وما دامت أوروبا تحلق خارج السرب، شبه منبوذة من القوى الدولية الصاعدة الثلاث (روسيا والولايات المتحدة والصين)، فإنها غير قادرة على القيام وحدها بحمل أعباء وتداعيات مرحلة ما بعد الحرب. وربما تتفرغ الولايات المتحدة للصراع مع الصين، فيما تحتاج أوروبا إلى روسيا بالمرحلة المقبلة. وهذا يتطلب رفع العقوبات عن روسيا والعودة إلى ما قبل الرابع والعشرين من شباط 2022، لحظة انطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. وقد استبقت أوروبا انعقاد مؤتمر ميونيخ في نسخته الثانية والستين لإعلان رغبتها في استعادة الحوار مع موسكو. غير أن استعادة العلاقات بين أوروبا وروسيا – كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف – تتطلب من العواصم الأوروبية العودة إلى رشدها والتخلي عن أيديولوجية كراهية روسيا… وما تفعله إدارة ترامب يصب في هذا الاتجاه. أما ألمانيا فلا تزال كما يبدو من خطاب مستشارها فريدريك ميرتس تغرد خارج السرب.

