مشهد يحمل من الدلالات الرمزية أكثر مما تحمله جدران قصر الأمم المتحدة من ذكريات، هبطت طائرة الوفد الروسي في مطار جنيف الدولي مساء الاثنين 16 فبراير 2026، لتبدأ فصلًا جديدًا في مسار التفاوض المضني حول أوكرانيا. بعد جولتين في العاصمة الإماراتية أبوظبي، تعود المفاوضات إلى قلب أوروبا الغربية، إلى المدينة التي طالما احتضنت لقاءات القمة والحوارات المصيرية، لكن هذه المرة في سياق مختلف تماماً. فالوفد الروسي، الذي يضم أكثر من عشرين مسؤولاً برئاسة فلاديمير ميدينسكي مستشار الرئيس بوتين، لم يأت إلى جنيف ليقدم تنازلات، بل ليؤكد مجدداً على الثوابت الروسية: الاعتراف بالواقع الجغرافي الجديد، وضمانات أمنية ملزمة، وقبل كل شيء، فهم واضح من الجميع بأن زمن الحديث عن “هزيمة روسيا في ساحة المعركة” قد ولى إلى غير رجعة.
تأتي هذه المحادثات في توقيت بالغ الدقة والحساسية، قبل أسبوع واحد فقط من الذكرى الرابعة لبدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا . الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في يوم واحد، يبدو الآن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، معلناً أن “أوكرانيا عليها أن تأتي إلى طاولة المفاوضات بسرعة” . لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة: ففي الليلة السابقة لبدء المحادثات، شنت القوات الروسية واحدة من أكبر الهجمات الجوية منذ أشهر، مستخدمة ما يقرب من 400 طائرة مسيرة بعيدة المدى و29 صاروخاً من مختلف الأنواع لاستهداف 12 منطقة أوكرانية، مع تركيز خاص على البنية التحتية للطاقة في مدينة أوديسا الساحلية، مما أدى إلى حرمان عشرات الآلاف من التدفئة والمياه الجارية في ذروة برد الشتاء . هذا التزامن المتعمد بين الضربات العسكرية والجهود الدبلوماسية هو لغة الكرملين الخاصة: نحن نتفاوض، لكننا أيضاً نصنع الحقائق على الأرض.
الوفد الروسي في جنيف يحمل في جعبته أوراقاً تفاوضية ثقيلة، ويعكس اتساع نطاق المحادثات مقارنة بجولات أبوظبي. فبينما ركزت الجولتان السابقتان على الجوانب التقنية والأمنية البحتة، بقيادة رئيس الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف، فإن وجود ميدينسكي هذه المرة يعني أن النقاش سيتسع ليشمل “القضايا الرئيسية” التي تتعلق بالأراضي والمطالب الروسية الأساسية . ميدينسكي، الذي قاد المفاوضات في إسطنبول عام 2022 ثم عاد ليقودها مجدداً في 2025، يعرف خيوط هذا الملف أكثر من أي شخص آخر، وحضور نائب وزير الخارجية ميخائيل غالوزين إلى جانبه يعزز البعد السياسي للوفد . لكن اللافت للنظر هو وجود كيريل دميترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، ضمن الوفد، وإن كان في “مسار منفصل” كما وصفه دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين . هذا المسار المخصص للتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة يحمل في طياته إشارة واضحة: موسكو مستعدة للحديث عن إعادة بناء العلاقات الاقتصادية، لكن بعد تسوية الملفات السياسية والأمنية الكبرى.
على الجانب الآخر من الطاولة، يجلس الوفد الأوكراني بقيادة رستم أوميروف، سكرتير مجلس الأمن والدفاع القومي، وكيريل بودانوف رئيس مكتب الرئيس زيلينسكي، إلى جانب نائب رئيس الاستخبارات فاديم سكبيتسكي ودبلوماسيين كبار . الوفد الأوكراني يحمل مطالب تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع الواقع العسكري: ضمانات أمنية واضحة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ورفض مبدئي للتنازل عن الأراضي، خاصة في دونباس حيث لا تزال 20% من المنطقة خارج السيطرة الروسية . زيلينسكي، في تصريحاته قبل انطلاق المحادثات، شدد على أن “الاتفاقات مع بوتين لا يمكن الوثوق بها”، داعياً حلفاءه إلى زيادة الضغط على روسيا عبر مزيد من العقوبات والأسلحة . لكن الواقع يقول إن الجيش الأوكراني منهك، والدعم الغربي بدأ يتراجع، والضغط الأمريكي على كييف لقبول تسوية سريعة يزداد يوماً بعد يوم.
الوسيط الأمريكي، الممثل بستيفن ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس ترامب وجاريد كوشنير صهر الرئيس، يحاول جاهداً تقريب وجهات النظر قبل حلول الموعد النهائي الذي وضعته واشنطن في يونيو المقبل . إلى جانبهما، يحضر قادة عسكريون أمريكيون رفيعو المستوى، بينهم الجنرال أليكسوس غرينكيويتش قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أوروبا، لمناقشة آليات مراقبة وقف إطلاق النار وكيفية إدارة أي منطقة منزوعة السلاح في المستقبل . لكن التحدي الأكبر يبقى في الموقفين المتصلبين: روسيا تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من كامل أراضي دونباس ولوغانسك وضمها رسمياً، بينما ترفض أوكرانيا ذلك وتطالب بضمانات أمنية تشمل نشر قوات أوروبية أو أمريكية لردع أي هجوم روسي مستقبلي . هذه الفجوة تبدو للخبراء أكبر من أن تُردم في جولتين قصيرتين.الغائب الأكبر عن هذه المحادثات هو أوروبا نفسها. فالقارة العجوز، التي تدفع فواتير الحرب الباهظة من ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم والركود، لن تكون ممثلة في جنيف . هذا الإقصاء الأوروبي يحمل رسالة قاسية من واشنطن: من يدفع الثمن لا يعني بالضرورة أنه من يقرر. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استدعى قادة أوروبيين لعقد قمة طارئة في باريس بالتزامن مع محادثات جنيف، في محاولة يائسة لإيجاد صوت أوروبي موحد، لكن الجميع يدرك أن اللحظة الحاسمة تُصنع الآن على طاولة مغلقة في فندق إنتركونتيننتال قرب مقر الأمم المتحدة بجنيف .
اختيار جنيف كمكان للمحادثات يحمل دلالاته الخاصة. فالعودة إلى سويسرا، التي كانت موسكو تعتبرها غير محايدة بعد فرضها عقوبات على روسيا، تمهدت بزيارة وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس إلى موسكو مطلع فبراير الماضي، حيث التقى نظيره الروسي سيرغي لافروف وخرج بتصريح لافت: “روسيا تريد حقاً أن تخطو خطوة نحو السلام” . كاسيس، الذي يترأس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا هذا العام، استطاع إقناع موسكو بأن جنيف يمكن أن تكون محايدة مرة أخرى، بل وقدم ضمانات بتأمين عبور الوفد الروسي عبر أجواء دول الناتو والاتحاد الأوروبي، وهي مهمة لوجستية معقدة استغرقت عدة ساعات إضافية في الرحلة . هذا النجاح الدبلوماسي السويسري، كما وصفه عضو البرلمان الكانتوني جنيف غاي ميتان، يعيد المدينة إلى “اللعبة الكبرى” ويضع عليها مسؤولية تاريخية لصنع السلام .
لكن التحدي الأكبر يبقى في طبيعة المحادثات نفسها. فكما أكد المتحدث باسم الكرملين، فإن المفاوضات ستُعقد خلف أبواب مغلقة تماماً، دون حضور إعلامي، ولن تصدر عنها تصريحات قبل انتهاء الجولة يوم الأربعاء على أقرب تقدير . هذا الصمت الدبلوماسي، الذي تفضله موسكو وتتفق عليه الأطراف الأخرى، يهدف إلى خلق مساحة للصراحة والمرونة دون ضغوط الرأي العام ووسائل الإعلام. لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات والتسريبات، خاصة مع وجود خمسة مسارات تفاوضية على الأقل: الأراضي، الشؤون العسكرية، السياسة، الاقتصاد، ومختلف جوانب الأمن . المسار الاقتصادي، بقيادة دميترييف، قد يكون الأكثر إثارة للاهتمام، لأنه يلمح إلى إمكانية إعادة بناء جسور التعاون بين موسكو وواشنطن إذا تم تجاوز العقبات السياسية.
ختاماً، تظل محادثات جنيف اختباراً حقيقياً لإرادة السلام الدولية. روسيا تأتي إلى الطاولة وهي تعلم أن الوقت يعمل لصالحها، وأن جيشها يتقدم ميدانياً، وأن الدعم الغربي لأوكرانيا بدأ يظهر علامات التعب. أوكرانيا تأتي تحت ضغط هائل من واشنطن وحليفاتها الأوروبيات، وهي تدرك أن الخيارات المتاحة أمامها تضيق يوماً بعد يوم. الولايات المتحدة تأتي كوسيط يريد اتفاقاً سريعاً يعزز سجله السياسي قبل انتخابات منتصف الولاية. وأوروبا تغيب، لكنها تنتظر بقلق مصيرها على طاولة لا تجلس عليها. في هذا المزيج المعقد من المصالح المتضاربة والضغوط المتزايدة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح جنيف في كتابة نهاية لهذه الحرب المأساوية، أم ستضاف إلى سلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن شيئاً واحداً مؤكد: الدبلوماسية الروسية، بصلابتها ووضوحها، تضع النقاط على الحروف، وتذكر الجميع بأن السلام الحقيقي لا يبنى على الأوهام، بل على الاعتراف بالواقع واحترام مصالح جميع الأطراف.

