
في مشهد بالغ الدلالة والرمزية، تحتضن مدينة جنيف السويسرية هذا الأسبوع حدثين دبلوماسيين منفصلين ظاهرياً، لكنهما متصلان جوهرياً بعروق المصالح الجيوسياسية الكبرى. ففي نفس المدينة، وفي توقيت متقارب، يجلس وفدان أمريكيان منفصلان على طاولتين مختلفتين: الأولى مع الروس والأوكرانيين لمحاولة وقف حرب استنزفت أوكرانيا وأرهقت أوروبا، والثانية مع الإيرانيين للبحث في مستقبل البرنامج النووي تحت سقف التهديدات العسكرية المتصاعدة. هذا التزامن الزمني والمكاني، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد صدفة لوجستية تهدف إلى توفير جهد المبعوثين الأميركيين ستيفن ويتكوف وجاريد كوشنير، يحمل في طياته أبعاداً استراتيجية أعمق وأكثر تعقيداً، تطرح تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام منهج أميركي متعمد لإطالة أمد المفاوضات على جبهتين في وقت واحد، أم أن واشنطن تسعى بالفعل إلى تحقيق اختراق ديبلوماسي شامل قبل أن تتحول خياراتها العسكرية إلى قدر محتوم؟
ليس من قبيل المصادفة أن تختار الإدارة الأميركية هذا التوقيت بالذات لعقد جولتين ثقيلتين من المفاوضات في وقت ومكان واحد. فمن الناحية العملية، وجود ستيفن ويتكوف وجاريد كوشنير في جنيف لحضور المفاوضات مع الروس، جعل من السهل عقدهما أيضاً مع الإيرانيين في نفس المدينة، مما وفر عليهما عناء التنقل بين عواصم متفرقة ووفر وقتاً ثميناً في جدول أعمالهما المزدحم . لكن ما وراء هذا التفسير اللوجستي البسيط، تكمن استراتيجية أميركية أكثر تعقيداً، تهدف إلى قتل عصفورين بحجر واحد، أو بالأحرى، إدارة ملفين متشابكين على طاولة واحدة، مع إرسال رسائل متبادلة غير مباشرة بين الخصوم. فالمفاوض مع الروس هو نفسه المفاوض مع الإيرانيين، وهذا يعني أن أي تقدم أو تراجع في ملف ينعكس حتماً على الآخر. المرونة مع موسكو قد تُقرأ في طهران كرسالة ضعف، والتصلب مع إيران قد يُقرأ في موسكو كدليل على أن واشنطن لا تزال متمسكة بسياسة الضغط الأقصى. إنها لعبة مرايا معقدة، تجيد واشنطن استخدامها لخلق حالة من الضبابية الاستراتيجية التي تخدم مصلحتها في إطالة أمد المفاوضات وشراء الوقت.
الحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن هذا التزامن يخدم استراتيجية أميركية أوسع تقوم على الربط بين الملفات. فمنذ بداية الأزمة الأوكرانية، والولايات المتحدة تعمل على كشف ما تصفه بـ”التحالف الشرير” بين موسكو وطهران، خاصة في ما يتعلق بتزويد إيران روسيا بطائرات مسيرة تستخدم في الحرب ضد أوكرانيا. عرض الطائرة الإيرانية “شاهد 136” في مؤتمر ميونخ للأمن قبل أيام قليلة كان رسالة واضحة بهذا المعنى: ما يحدث في أوكرانيا مرتبط عضوياً بما يحدث في الشرق الأوسط، وأي تسوية في أحد الملفين يجب أن تأخذ في الاعتبار تداعياتها على الآخر . بهذا المعنى، فإن إدارة الملفين في وقت واحد ليست مجرد توفير للوقت، بل هي محاولة لخلق معادلة ضغط شاملة، حيث تصبح أي مكاسب لروسيا في أوكرانيا مرهونة بسلوك إيران في الملف النووي، والعكس صحيح. هذا الربط يجعل عملية التفاوض أكثر تعقيداً، وبالتالي أكثر قابلية للتمديد والإطالة.
في الجانب الروسي، يقف الوفد بقيادة فلاديمير ميدينسكي، مستشار الرئيس بوتين، حاملاً ملفاً ثقيلاً من المطالب المتعلقة بالضمانات الأمنية والأراضي. وفي الجانب الإيراني، يقف وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أجرى اتصالاً هاتفياً مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي قبل يوم من انطلاق المفاوضات، ليؤكد على تركيز بلاده على إعداد إطار أولي متماسك لدفع المحادثات قدماً . هذا التنسيق الإيراني مع الوكالة الدولية يعكس رغبة طهران في إظهار جديتها، لكنه في الوقت نفسه يعكس محاولتها لكسب الوقت من خلال إشراك أطراف متعددة في العملية التفاوضية، مما يزيد من تعقيدها ويطيل أمدها. تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن استعدادهم لتقديم “تنازلات نووية” مقابل رفع العقوبات، مثل خفض نسبة التخصيب أو حتى مناقشة إخراج المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب، تحمل في طياتها إشارات إيجابية، لكنها تظل مشروطة بخطوات أميركية مقابلة لم تتحقق بعد .
في خلفية هذا المشهد، تقف مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا وإيران في بحر عمان وشمال المحيط الهندي، تنطلق غداً الخميس، وكأنها تذكير للجميع بأن التعاون العسكري بين الطرفين يتقدم بالتوازي مع المسار الدبلوماسي . هذا التوقيت المتعمد للمناورات، بعد يوم واحد فقط من جولة المفاوضات في جنيف، يحمل رسالة مزدوجة: من جهة، هو تأكيد على أن موسكو وطهران لن تتخلى إحداهما عن الأخرى تحت أي ضغط، ومن جهة أخرى، هو ورقة ضغط في يد الدبلوماسية الروسية والإيرانية على حد سواء.
ففي الوقت الذي تتفاوض فيه إيران مع أميركا في جنيف، تتوغل قواتها البحرية مع الروس في مياه الخليج، وكأنها تقول لواشنطن: نحن نملك خيارات أخرى، وحلفاء آخرين، ولدينا القدرة على تعقيد معادلتكم الإقليمية أكثر مما تتصورون.
الضغط العسكري الأميركي الموازي للمفاوضات لا يقل عنفاً عن التحركات الروسية الإيرانية. فمنذ أسابيع، تعزز الوجود العسكري الأميركي في الخليج بشكل غير مسبوق، مع وصول حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وثلاث مدمرات، والإعلان عن وصول حاملة ثانية “جيرالد آر فورد” في القريب العاجل، بالتزامن مع انتهاء المهلة التي حددتها واشنطن للتوصل إلى اتفاق نووي . هذا الحشد العسكري الهائل، الذي يضم حالياً حاملتي طائرات و12 سفينة حربية ومئات الطائرات المقاتلة، ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو أداة ضغط مباشرة على طاولة المفاوضات. التلويح بالخيار العسكري، مع تأكيد مصادر أميركية أن الرئيس ترامب بدأ يفقد صبره وأن احتمال تنفيذ عمل عسكري ضد إيران بلغ 90% خلال الأسابيع المقبلة، يضع المفاوضين الإيرانيين في موقف صعب: إما القبول بشروط أميركية قد تكون مجحفة، أو المخاطرة بمواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تكون نتائجها كارثية .
إسرائيل، بدورها، تتابع المشهد بقلق بالغ وترفع حالة التأهب إلى أعلى مستوياتها. تقارير عبرية تتحدث عن استعدادات مكثفة في الجبهة الداخلية، وعن مشاورات أمنية خاصة عقدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتقييم الجاهزية والتنسيق مع الأميركيين . بل إن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق عاموس يدلين صرح بأننا “أقرب بكثير إلى هجوم مما كنا عليه سابقاً”، مضيفاً بعبارة بالغة الدلالة: “سأفكر مرتين قبل السفر جواً في نهاية هذا الأسبوع” . هذا الاستنفار الإسرائيلي يعكس قناعة عميقة في تل أبيب بأن المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الخيار العسكري أصبح وشيكاً. التزامن بين المفاوضات في جنيف والاستعدادات الحربية في إسرائيل يخلق مشهداً متناقضاً: دبلوماسيون يتفاوضون على الطاولة في سويسرا، وجنرالات يستعدون للحرب على الأرض في الشرق الأوسط.
الرهان الروسي على إطالة أمد المفاوضات واضح ولا يحتاج إلى تأويل. فكل يوم تمر به المفاوضات من دون تحقيق اختراق حاسم، هو يوم تكسب فيه روسيا مزيداً من الوقت على الأرض الأوكرانية، وتعزز فيه موقفها التفاوضي. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه عبر عن امتعاضه من الضغوط الأميركية لقبول تسوية سريعة، محذراً من أن إطالة أمد المفاوضات تصب في مصلحة موسكو التي تريد تثبيت مكاسبها العسكرية . وفي الشق الإيراني، فإن إطالة المفاوضات تعطي طهران فرصة ثمينة لمواصلة تخصيب اليورانيوم وتعزيز مخزونها، رغم التهديدات العسكرية. المفاوض الإيراني يلوح بإمكانية تقديم تنازلات، لكنه في الواقع يربطها بشروط يصعب على واشنطن قبولها بسهولة، مثل رفع جميع العقوبات دفعة واحدة، وهو ما يضمن استمرار المفاوضات لأسابيع أو أشهر إضافية.
ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو التداخل العضوي بين الملفين على مستوى المصالح الروسية الإيرانية. فموسكو وطهران وقعتا قبل أيام فقط معاهدة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” التي دخلت حيز التنفيذ رسمياً، والتي تنص على تعاون دفاعي وأمني واقتصادي وثيق، بما في ذلك مناورات عسكرية مشتركة وعدم تقديم المساعدة لأي معتدٍ على الطرف الآخر . هذا يعني أن أي تهديد عسكري لإيران ستجده موسكو يمس مصالحها بشكل مباشر، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوضوح حين قال إن “الوضع في إيران ينذر بانفجار قد يشمل الشرق الأوسط بأكمله”، وإن روسيا “لن تقف مكتوفة الأيدي” . هذا الموقف الروسي الداعم يمنح طهران هامشاً للمناورة في مفاوضاتها، ويجعلها أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الأميركية، وبالتالي أكثر ميلاً لإطالة أمد المفاوضات بحثاً عن صفقة أفضل.
في المحصلة، تبدو استراتيجية إطالة أمد المفاوضات التي تتبعها واشنطن عبر تزامن الجولتين في جنيف سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، يسمح هذا التزامن للولايات المتحدة بالضغط على جبهتين في وقت واحد، وربط الملفات ببعضها لخلق أقصى قدر من التأثير. ومن جهة أخرى، يمنح هذا التزامن الخصوم فرصة للتنسيق وتبادل الخبرات وتوحيد المواقف، خاصة مع التقارب الروسي الإيراني المتصاعد. الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستؤتي ثمارها في تحقيق اختراق ديبلوماسي حقيقي، أم أنها ستتحول إلى آلية لشراء الوقت تسمح للجميع بالاستعداد لمواجهة أكبر. ما هو مؤكد أن جنيف تعود إلى الواجهة مرة أخرى كمحطة رئيسية في صراع القوى الكبرى، وأن المفاوضات الروسية والإيرانية المتزامنة ليست مجرد صدفة، بل هي انعكاس لحقيقة جيوسياسية جديدة: العالم لم يعد يقبل بالتقسيم إلى أزمات منفصلة، بل أصبح ساحة واحدة تتداخل فيها الخيوط وتتشابك فيها المصالح، حيث كل مفاوضات هي جزء من لعبة أكبر بكثير مما تراه العيون.

