
في تطور يكشف عن تحول خطير في طبيعة الصراع المحتدم في الشرق الأوسط، كشفت تقارير إعلامية متطابقة عن استخدام الجيش الأمريكي لخطاب ديني مسياني متطرف في تبرير الحرب ضد إيران، حيث يتم إبلاغ الجنود الأمريكيين بأن المعركة الحالية هي “هرمجدون” المنتظرة و”المجيء الثاني للمسيح”. هذه الادعاءات، التي وثقتها منظمة “مؤسسة الحرية الدينية العسكرية” (MRFF)، تشير إلى أن قادة عسكريين في أكثر من 50 موقعاً عسكرياً أمريكياً ينقلون رسائل مفادها أن الحرب ضد إيران هي “جزء من الخطة الإلهية” وأن الرئيس دونالد ترامب “ممسوح من يسوع لإشعال نار الإشارة في إيران للتسبب في هرمجدون وتمييز عودته إلى الأرض” . هذا التحول في الخطاب، الذي يتجاوز المبررات السياسية والعسكرية التقليدية إلى لغة دينية صريحة، يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة القرارات التي تتخذ في واشنطن، وعن المدى الذي وصل إليه تغلغل التيارات المسيحية الأصولية في أعلى هرم السلطة العسكرية الأمريكية.
منذ الساعات الأولى للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يوم السبت الماضي، بدأت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية في تلقي موجة غير مسبوقة من الشكاوى من جنود وضباط في مختلف فروع القوات المسلحة الأمريكية. بحلول يوم الثلاثاء، تجاوز عدد هذه الشكاوى 200 بلاغ، موزعة على أكثر من 50 موقعاً عسكرياً، وشملت جميع الفروع: البحرية، والجيش، والقوات الجوية، وقوات الفضاء، ومشاة البحرية . هذه الأرقام غير المسبوقة تعكس ظاهرة منهجية، وليس مجرد تجاوزات فردية من بعض القادة المتعصبين.
أحد الشكاوى الأكثر تفصيلاً، والتي نشرها الصحفي المخضرم جوناثان لارسن على منصة سابستاك، جاءت من ضابط صف في وحدة قتالية حالياً خارج منطقة العمليات لكنها في حالة “استعداد دعم” يمكن نشرها في أي لحظة . هذا الضابط، الذي عرّف عن نفسه كمسيحي، كتب بالنيابة عن 15 جندياً، بينهم 11 مسيحياً ومسلم واحد ويهودي واحد . الشكوى تصف إحاطة عسكرية رسمية يوم الاثنين، حيث أخبرهم قائد الوحدة بأن الحرب مع إيران “جزء من خطة الله الإلهية”، واستشهد بشكل محدد بمقاطع من سفر الرؤيا في الإنجيل تتحدث عن “هرمجدون” و”المجيء الثاني للمسيح” . ثم أضاف القائد تصريحاً أكثر تطرفاً: “الرئيس ترامب ممسوح من يسوع لإشعال نار الإشارة في إيران للتسبب في هرمجدون وتمييز عودته إلى الأرض” . الضابط وصف بأن القائد “كان لديه ابتسامة عريضة على وجهه عندما قال كل هذا، مما جعل رسالته تبدو أكثر جنوناً” .
ما يثير القلق هو أن هذه الشكاوى لم تأت من جنود عاديين فقط، بل من ضباط صف وقادة ميدانيين يشعرون بالقلق من تأثير هذه الرسائل على الروح المعنوية وتماسك الوحدات. أحد الضباط كتب أن هذه التصريحات “تدمر الروح المعنوية وتماسك الوحدة، وتنتهك القسم الذي أقسمنا لدعم الدستور” .
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الخطاب الذي يصدر من أعلى الهرم السياسي والعسكري في واشنطن. وزير الدفاع بيت هيغسيث، وهو مسيحي “ولد من جديد” ومعروف بعلاقاته الوثيقة بالتيارات المسيحية الأصولية، كان واضحاً في تصريحاته. في إحاطة بالبنتاغون يوم الاثنين، وصف هيغسيث إيران بأنها “نظام مجنون مهووس بالأوهام الإسلامية النبوية”، قائلاً: “الأنظمة المجنونة مثل إيران، المهووسة بالأوهام الإسلامية النبوية، لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية” . هذه اللغة، التي تستخدم تعميماً مسيئاً للمعتقدات الدينية لخصم سياسي، تفتح الباب أمام خطاب مماثل من الجانب الآخر. هيغسيث لا يكتفي بالخطاب، بل ينظم اجتماعات صلاة شهرية داخل البنتاغون نفسه، ويحضر دراسة كتابية أسبوعية في البيت الأبيض يقودها القس رالف درولينغر، والتي تؤكد على أسس لاهوتية لدعم إسرائيل . في أحد اجتماعات الصلاة الحكومية، قال هيغسيث: “هذا هو بالضبط المكان الذي يجب أن نكون فيه كأمة، في هذه اللحظة، في الصلاة، على ركبنا، معترفين بعناية ربنا ومخلصنا يسوع المسيح” .
الرئيس ترامب نفسه ليس بعيداً عن هذا الخطاب. مستشارته الروحية القديمة باولا وايت، التي ظلت لعقود تحث المسيحيين على “دعم إسرائيل”، كانت حاضرة في اجتماعات بالبيت الأبيض . القس جون هاغي، الذي زار البيت الأبيض عدة مرات خلال ولاية ترامب الأولى، أخبر جماعته يوم الأحد أن الحرب مع إيران تشير إلى أننا نقترب من نهاية الزمان، قائلاً: “نبويًا، نحن في الموعد المحدد. صفارات الإنذار تعول والنبوءات المكتوبة منذ آلاف السنين تخطو إلى مسرح العالم” . حتى مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، كتب لترامب قبل الضربات مباشرة: “أعتقد أنك ستسمع من السماء، وذلك الصوت أهم بكثير من صوتي أو صوت أي شخص آخر” .
خبراء العلاقات الدولية وعلماء الدين يرون أن استخدام هذا الخطاب في هذه اللحظة بالذات ليس مصادفة.
جوليون ميتشل، أستاذ في جامعة دورهام البريطانية، يرى أن “محاولة تأطير الصراع كحرب مقدسة، يستخدم القادة المعتقدات اللاهوتية لتبرير العمل، وتعبئة الرأي السياسي، وحشد الدعم” . ويضيف: “كثيرون في كلا جانبي الصراع يعتقدون أن الله معهم. يتم تجنيد الله في هذا الصراع، كما في العديد من الصراعات الأخرى، لدعم أعمال العنف. إن شيطنة العدو وتجريده من الإنسانية سيجعل بناء السلام بعد الصراع أكثر صعوبة” .
إبراهيم أبو شريف، أستاذ مشارك في جامعة نورث وسترن في قطر، يقدم تحليلاً أعمق، مشيراً إلى أن هناك “عدة أسباب متداخلة تعمل على مستويات مختلفة: التعبئة الداخلية، والتأطير الحضاري، وبناء السردية الاستراتيجية” . التعبئة الداخلية تعني حشد الشعب الأمريكي عبر تأطير الصراع كصراع ديني وبالتالي واضح أخلاقياً وملح، مما يحشد الدعم الشعبي . التأطير الحضاري يخلق ثنائية “نحن ضد هم”، ويصوغ الصراع كصراع بين طرق حياة أو عقائد كاملة، وليس مجرد نزاع على حدود أو سياسات . وأخيراً، بناء السردية الاستراتيجية يحول الصراع الإقليمي المعقد إلى دراما أخلاقية يمكن للجماهير العادية فهمها بسهولة .
أبو شريف يضيف أن “اللغة الدينية تحشد الجماهير المحلية، في الولايات المتحدة، هذا يرتبط بعمق بالكثير من الإنجيليين والصهاينة المسيحيين، لأنهم يرون بالفعل حروب الشرق الأوسط كجزء من قصة ‘نهاية الزمان’ الدينية” .
مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) أصدر بياناً شديد اللهجة استنكر فيه استخدام البنتاغون لهذا الخطاب، واصفاً إياه بأنه “خطير” و”معادٍ للإسلام”. البيان قال: “كل أمريكي يجب أن يشعر بالانزعاج العميق من خطاب ‘الحرب المقدسة’ الذي ينشره الجيش الأمريكي وهيغسيث ونتنياهو لتبرير الحرب على إيران” . وأضاف: “تعليق هيغسيث المهين عن ‘الأوهام الإسلامية النبوية’، في إشارة ظاهرة إلى المعتقدات الشيعية حول الشخصيات الدينية التي تظهر قرب نهاية الزمان، كان غير مقبول. وكذلك إخبار القادة العسكريين الأمريكيين الجنود بأن الحرب مع إيران هي خطوة كتابية نحو هرمجدون” .
مايكل وينشتاين، مؤسس ورئيس مؤسسة الحرية الدينية العسكرية، كان أكثر حدة في تصريحاته. وينشتاين، وهو من قدامى المحاربين في سلاح الجو الأمريكي، قال: “لقد قلناها دائماً، إذا نظرت إلى التاريخ، كلما قمت بدمج أي نوع من التعصب الديني مع آلية الدولة التي تشن الحرب، فإننا لا ننتهي بجداول صغيرة أو برك أو بحيرات. ننتهي بشيء واحد: محيطات ومحيطات من الدماء” . وأضاف: “أي فرد عسكري يسعى لاستغلال مرؤوسيه لتعزيز أحلامهم القومية المسيحية الملطخة بالدماء على لهيب هذا الهجوم الأخير غير المصرح به من الكونغرس ضد إيران، يجب مقاضاته بسرعة وعدالة وعلنية لانتهاكات متعددة للقانون العسكري” .
وينشتاين حذر أيضاً من أن هذه الظاهرة تعكس “تولياً متزايداً للقومية المسيحية داخل مؤسسات الأمن القومي”، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الأيديولوجية الدينية تؤثر على الرسائل العسكرية أو الاستراتيجية .
اللافت أن هذا الخطاب الديني المتصاعد يأتي في وقت تعاني فيه إدارة ترامب من تضارب واضح في تبريراتها لشن الحرب على إيران. تقارير من بوليتيكو وفايننشال تايمز تشير إلى أن البيت الأبيض يجد صعوبة في تقديم تفسير متسق للصراع . المسؤولون قدموا مجموعة من المبررات، منها التهديد النووي، وتطوير الصواريخ الباليستية، والدفاع عن إسرائيل. وزير الخارجية ماركو روبيو قال إن الإدارة تحركت استباقياً لمنع هجمات مستقبلية. لكن النقاد يقولون إن المبررات تغيرت مراراً وتكراراً. النائب الديمقراطي جيك أوشينكلوس قال لصحيفة فايننشال تايمز إن ترامب قدم “أربعة مبررات مختلفة للحرب في الساعات الـ72 الماضية” .
حتى داخل القاعدة الانتخابية لترامب، بدأت تظهر مخاوف. مسؤول سابق في إدارة ترامب حذر من أن تزايد الخسائر البشرية قد يغير الموقف العام. المستشار الجمهوري ماثيو بارتليت قال إن التساؤلات حول غرض الحرب قد تتصاعد إذا طال أمد الصراع. وخبيرة الاتصالات فانيسا سانتوس قالت إن الدعم بين قاعدة ترامب يعتمد بشكل كبير على مدى سرعة انتهاء الحرب، مضيفة: “قاعدة MAGA ليست مناهضة للقوة، بل هي مناهضة للحرب الأبدية” .
هذا التحول في الخطاب يحمل تداعيات خطيرة على عدة مستويات. أولاً، داخل الجيش الأمريكي نفسه، يهدد تماسك الوحدات ويخلق انقسامات بين الجنود من مختلف الخلفيات الدينية. ثانياً، على مستوى العلاقات الدولية، يقدم هذا الخطاب مادة دسمة لخطاب مماثل من الجانب الآخر، حيث يمكن لإيران وحلفائها تأطير الحرب كـ”حرب صليبية جديدة” ضد الإسلام، مما يعمق الاستقطاب ويصعب أي تسوية مستقبلية. ثالثاً، على مستوى المصداقية الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، يرسخ هذا الخطاب صورة أمريكا كقوة “صليبية” معادية للإسلام، مما يقوض سنوات من الدبلوماسية الأمريكية التي سعت لتقديم صورة مختلفة.
ما يجري في البنتاغون اليوم ليس مجرد تجاوزات فردية من بعض القادة المتعصبين. إنه انعكاس لتحول أعمق في الثقافة السياسية والعسكرية الأمريكية، حيث تتغلغل القومية المسيحية في أعلى مستويات صنع القرار. الحديث عن “هرمجدون” و”المسيح المنتظر” ليس مجرد خطاب تحفيزي للجنود، بل هو تأطير للصراع كمعركة كونية بين الخير والشر، حيث يصبح أي تنازل أو حل وسط خيانة للخطة الإلهية.
في هذا السياق، تبدو فرص التسوية السياسية أكثر بعداً من أي وقت مضى. فعندما تتحول الحرب إلى “مهمة دينية مقدسة”، يصبح إنهاؤها أشبه بالتخلي عن العقيدة. والأهم، عندما يخبر قائد عسكري جنوده أن رئيسهم “ممسوح من يسوع” لتحقيق نبوءات نهاية الزمان، فإنه يخلق حالة ذهنية تجعل من الصعب على الجنود فهم تعقيدات الصراع، وأكثر استعداداً لتقبل أي فظائع ترتكب في ساحات المعركة. وكما حذر وينشتاين، هذا الطريق لا يؤدي إلا إلى “محيطات ومحيطات من الدماء” .

