
منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي….. الرئيس بوتين يحدد مسار المواجهة مع الغرب… وموسكو توجه الرسائل وترسم خارطة الاقتصاد والسياسة ….
**
تسابق روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين الزمن لبناء نظام عالمي متوازن يكون ثمرة الانتصار الذي يحققه الجيش الروسي، وهو يرسم خارطة العالم الجديدة كما رسمها في الحرب العظمى عبر المواجهة مع الغرب والناتو من البوابة الأوكرانية… وعبر إقامة شبكة تحالفات اقتصادية وسياسية استراتيجية تساهم في صناعة عالم أكثر عدلا ونموا وتطورا ..
فروسيا الاتحادية التي تطرح على الملأ بكل ثقة وتصميم إقامة نظام عالمي جديد وترفض تغيير نهجها تجاه الناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فإنها لا تفعل ذلك لمجرد الدعاية، وإنما يسبق فعلها القول. وقد أثبتت روسيا رغم كل الضغوط والعقوبات أنها لاعب أساسي في السياسة والاقتصاد والأمن على مستوى العالم. فهي تقيم صروح المؤسسات والتحالفات والمشاريع وتعد الاتفاقات مع دول العالم، وتُحضّر الأرضية والبنى والهياكل والمناخات التي تخدم هذا الهدف، مثل منظمة البريكس وشنغهاي ومنتدى فالداي الدولي، وتبني قوتها العسكرية الذاتية التي تتفوق فيها على الغرب ..
وضمن هذه الرؤى الواضحة، انعقد على مدى أربعة أيام في الثاني من حزيران وحتى السادس منه منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي على إيقاع القمة الروسية الصينية التاريخية في بكين والجهود لإنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة الحوار مع أوروبا. انعقد هذا المنتدى في نسخته التاسعة والعشرين بمشاركة 20 ألف من المسؤولين والمستثمرين وخبراء الاقتصاد والأكاديميين والإعلاميين من 130 دولة من مختلف أنحاء العالم، في أكبر حدث وأعظم نشاط سنوي تشهده مدينة سان بطرسبورغ التي تحدت التهديدات الأمنية ومحاولات نظام كييف استهداف المدينة وضيوفها عبر هجمات المسيرات، ولكن أعمال المنتدى تواصلت بوتيرة طبيعية، فأنظمة الدفاع الروسية تكفلت بصد الهجمات وحماية المدينة والمنتدى من أي خطر.
وبدخول دول جديدة إلى المنتدى مع كل عام، تتسع العلاقات بين هذه الدول وروسيا، وبخاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكان لافتا هذا العام المشاركة السعودية الرفيعة والمواقف التي أعلنها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان من أن المنتدى سيشهد التوقيع على 30 اتفاقية للتعاون بين السعودية وروسيا. مع الإشارة إلى أن التعاون قبل عشر سنوات كان شبه معدوم بين موسكو والرياض، ولكن التبادل التجاري اليوم يصل إلى عشرة مليارات دولار سنويا، عدا عن التعاون في مجال الطاقة .. وتتطلع روسيا مع اقتراب انتهاء الحرب مع أوكرانيا إلى جذب الاستثمارات وإعادة إعمار أقاليم الدونباس الأربعة التي استعادتها وضمتها إلى الوطن الأم …
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدث مطولا مع وسائل الإعلام العالمية خلال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي حول الحرب في أوكرانيا والأوضاع المتوترة على الساحة الدولية، ووجه رسائل قوية في السياسة والاقتصاد والأمن، وجدد استعداده للقاء الرئيس الأوكراني زيلينسكي في موسكو. واعتبر خلال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي أن النزاع في أوكرانيا سينتهي قريبا إذا وافقت كييف على حلول تفاهمات أنكوريج، في إشارة إلى القمة الروسية الأمريكية التي جمعت الرئيس بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب 15 آب / أغسطس 2025 في ألاسكا، والتي قامت المبادرة الأمريكية لإنهاء الحرب بناء على تلك التفاهمات …. ورحب بوتين بمشاركة أوروبا كجزء من الحل، غير أنه رفض أي دور لأوروبا كوسيط؛ لأنها أصبحت خصماً سياسياً وعسكرياً يعيق جهود واشنطن لحل النزاع.
وشدد بوتين خلال اجتماعه مع وكالات الأنباء العالمية على استعداد موسكو للتوصل إلى اتفاق.
وفيما عاودت الولايات المتحدة عبر مبعوثيها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير صهر ترامب الاتصال مع الجانب الروسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ومع إعلان زيلينسكي استعداده للقاء الرئيس بوتين ودعوة الاتحاد الأوروبي للحوار مع روسيا رغم اعتراض بريطانيا وبولندا، فإن الرئيس بوتين حمل معه إلى منتدى سان بطرسبورغ غصن الزيتون بيد، ولكنه لوح باليد الأخرى باستخدام القوة لمواجهة أوكرانيا المدعومة من الناتو وأمريكا والاتحاد الأوروبي. وقد أكد أن الصاروخ أوريشنيك الروسي الدقيق الذي جرى اختباره مؤخرا سيتم استخدامه للرد على الهجمات الأوكرانية والغربية. وخاصة أن نظام كييف أطلق عشرات المسيرات على مقر المنتدى في بطرسبورغ، ولكن الدفاعات الروسية أسقطت المسيرات واستطاعت أن تجعل نظام كييف ييأس من تحقيق أي اختراق. كما أكد الرئيس بوتين أن العملية العسكرية الروسية في الدونباس حققت أهدافها كاملة 100 بالمئة في إقليم لوغانسك، كما حققت 85 بالمئة من أهداف العملية في دونيتسك، مشيرا إلى تقدم القوات الروسية لاستكمال المهمة وتحرير ما تبقى من الإقليم ….
وردا على سؤال من صحفي وكالة “أسوشيتد برس” حول ما تسعى روسيا لتحقيقه، وهل هدفها السيطرة على كامل دونباس أم إبرام صفقة، قال بوتين: “أحدهما لا يستبعد الآخر. السيطرة على منطقة دونباس بأكملها وإبرام صفقة لا تتعارض مع بعضهما البعض”.
ورغم انشغال الولايات المتحدة بحربها مع إيران، إلا أن واشنطن تضاعف ضغوطها لدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات، غير أن الدعم الغربي لنظام كييف وخوف الاتحاد الأوروبي من خروج روسيا منتصرة في الحرب يزيد الأمور تعقيدا….
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي وأمريكا والناتو أصبحوا يحسبون ألف حساب لكل خطوة تقوم بها روسيا، التي نجحت في إقامة مؤسسات دولية هامة بالتعاون مع الصين بعد أن تجاوزت مرحلة حرجة وصمدت في مواجهة التحديات والعقوبات والضغوط، وأصبحت لاعبا أساسيا على الساحة الدولية بعد الدور الذي لعبته بوقوفها مع الصين إلى جانب إيران ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
ولا شك أن المشاركة الدولية الواسعة في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي وحضور أكثر من عشرين ألف شخصية دولية رسمية وأكاديمية وعلمية وخبراء اقتصاد ورؤساء دول وحكومات، ووزراء مالية، ومحافظو بنوك مركزية، ورؤساء المنظمات الدولية. ووفود غير رسمية تمثل قادة كبرى الشركات العالمية والمحلية، ورؤساء تنفيذيين، ومستثمرين، وخبراء اقتصاديين، بالإضافة إلى الأكاديميين يمثلون 130 دولة لمناقشة التطورات السياسية والاقتصادية ومواضيع التنمية والاستثمارات والطاقة والذكاء الاصطناعي، وهذه المشاركة الكبيرة الواسعة تقطع الشك باليقين وتشير بوضوح إلى مكانة روسيا كلاعب أساسي على المستوى العالمي، وتبرز أهمية هذا المنتدى في تعزيز علاقات روسيا مع دول العالم، وبخاصة مع العالم العربي. فقد اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش المنتدى أن علاقات روسيا مع العالم العربي جيدة، وأشار إلى أن روسيا لا يمكنها تجاهل ما يجري في الخليج من عدوان أمريكي إسرائيلي ضد إيران.
ومع أن الغرب لم يتخل عن حروبه العسكرية كالحرب في أوكرانيا وإيران، إلا أنه يتجه إلى نوع جديد من الحروب لها طابع اقتصادي، وقد أصبحت هذه الحروب أكثر خطورة على الدول والشعوب. ولكن روسيا اختارت التصدي والصمود في وجه الضغوط والعقوبات الغربية، ونجحت في تحويل العقوبات الاقتصادية إلى فرصة لجعل الغرب يعاني ويقع في الحفرة التي حفرها لنفسه. فردت روسيا الصاع صاعين للاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة، وخاصة بعد إغلاق مضيق هرمز مع بدء الحرب الأمريكية على إيران في الثامن والعشرين من شباط 2026. وكان واضحا منذ ذلك التاريخ أن السحر ينقلب على الساحر، وأن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا أصبحت سلاحا يفتك بأوروبا نفسها، التي وجدت نفسها أمام أزمة طاقة عالمية، فارتدت عقوباتها على روسيا وبالا عليها. وهذا واقع يمكن رصده من خلال انخفاض معدلات النمو والأزمات الاقتصادية وغلاء أسعار الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة…
ويعد منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي – وقد تحول بهذه المشاركة الروسية المحلية الواسعة بحضور الرئيس بوتين ومئات المسؤولين الدوليين ورجال الأعمال – إلى واحد من المنابر والأنشطة السياسية والاقتصادية والأمنية الهامة على المستوى العالمي …
ولا ننسى أن روسيا تعتبر أكبر دولة أوروبية بالمساحة وعدد السكان والموارد الطبيعية والغاز والنفط والذهب، عدا عن تفردها بالصناعات التكنولوجية العسكرية المتطورة، والتي استطاعت أن تسبق الغرب أشواطا في هذه الصناعة. وقد أعلنت روسيا مؤخرا عن إجراء تجارب على صاروخ أوريشنيك وصاروخ سارمات الذي يبلغ مداه أكثر من 35 ألف كيلومتر، ولا يستطيع الناتو ولا أمريكا أن يتوصل إلى أسرار هذه الصناعة الروسية العسكرية التي تذهل الغرب وتجعله في موقع الضعف والتراجع أمام تقدم الصناعات العسكرية الروسية. ونشير إلى أن أوكرانيا راحت تعزي نفسها وتعلن على الملأ أن طائراتها المسيرة أصبحت تتساقط فوق الأراضي الروسية ولا تستطيع اختراق الدفاعات الروسية.
روسيا اليوم في ضوء نتائج القمم واللقاءات الدولية للرئيس بوتين مع قادة الدول العظمى والإقليمية، وفي ضوء السياسة الروسية المستندة إلى القانون وتعزيز الشراكات والتحالفات عبر البريكس وشنغهاي ومنتدى فالداي السياسي الأمني، فإنها بذلك لا تعقد مجرد مؤتمرات ولقاءات، وإنما تغير خارطة العالم باتجاه المزيد من التعاون والتطور والتقدم والسلام. ويعد منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي منبرا روسيا هاما ودعوة للتعاون في مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لإقامة عالم جديد يضع حدا لسياسة شريعة الغاب الأطلسية، ويساهم في نقل مركز الثقل الدولي من الغرب إلى الشرق ..

