
تتعارض الأهداف الأمريكية والإسرائيلية على الساحة اللبنانية، فأمريكا تتعاطى مع لبنان سياسيا وتسعى لإبعاد النفوذ الفرنسي التاريخي والحلول محله عبر رعاية مفاوضات سلام بين إسرائيل ولبنان، بينما تهاجم إسرائيل لبنان وتتعاطى معه كجبهة عسكرية، ويضع نتنياهو في مقدمة أولوياته احتلال مناطق من لبنان لإقامة منطقة أمنية والقضاء على أي مقاومة فيه ..
ولم يكن مستغربا أمام هذا التناقض والتعارض في الأهداف بين تل أبيب وواشنطن حول الملف اللبناني أن يسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحذير نتنياهو وحكومته من خطورة خرق وقف إطلاق النار مع إيران وقصف بيروت، بالنظر إلى خطورة التداعيات ليس على لبنان وإنما على منطقة الشرق الأوسط والمفاوضات الأمريكية الإيرانية..
فبعد ساعات على الإنذار الذي وجهه الجيش الإسرائيلي لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت – وهي أحد أكبر معاقل حزب الله – بالإخلاء، وبعد أن نقلت وسائل الإعلام العربية والدولية مشاهد خروج آلاف الأسر من الضاحية.
وبينما كان الجميع ينتظر البدء بعمليات القصف، كان ثمة أمر آخر يحدث بين ترامب الذي يعارض توسيع الحرب على لبنان، وبين نتنياهو الذي يعتبر أن مسألة القضاء على حزب الله في لبنان وحماس في غزة مسألة حياة أو موت بالنسبة له، خاصة وأن الانتخابات الإسرائيلية تنتظره في السابع والعشرين من تشرين الأول القادم، كما ينتظره القضاة لمحاكمته في إسرائيل بتهم الفساد وفي لاهاي كمجرم حرب.
وهو – أي نتنياهو – كالمستجير من الرمضاء بالنار، يريد استمرار الحرب بدلا من المحاكمات والخروج من المشهد السياسي ..
وعلى الضفة الأخرى، فإن الشريك والحليف في البيت الأبيض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالما تفاخر بأنه رجل سلام وأنه أوقف سبعة حروب خلال ولايته الثانية، فإنه في الحالة اللبنانية كان فعله يسبق تغريداته وتصريحاته، فقد سارع لإنقاذ المفاوضات الإيرانية الأمريكية التي هددت إيران بالعودة إلى الحرب إذا قامت إسرائيل بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد نجح ترامب هذه المرة حقا وسبق فعله قوله، وأوقف حربا كانت ستشعل المنطقة كلها ….
ويبدو أن نتنياهو يغرد خارج السرب كعادته، فالقرار السياسي والعسكري الإسرائيلي بقصف بيروت اتخذه نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، في وقت كان الصراع بين فرنسا والولايات المتحدة في أوجه حول لبنان وقضايا كثيرة منها الحرب على إيران والحرب في أوكرانيا. حيث ضرب الرئيس ترامب بمنع نتنياهو من تنفيذ تهديداته بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت عصفورين بحجر واحد: فقط حافظ على اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، كما أنه أعطى درسا ووجه رسالة إلى فرنسا التي سارعت إلى مجلس الأمن في محاولة للفت الأنظار بأنها لا تزال موجودة وتريد العودة إلى دورها التاريخي في لبنان. ولكن الولايات المتحدة استطاعت أن توقف نتنياهو عند حده وتمنع قصف الضاحية، في وقت كانت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تجري على قدم وساق في البيت الأبيض وسط أجواء إيجابية برعاية الولايات المتحدة وإشراف ترامب شخصيا. بينما بقيت فرنسا بعيدة تحاول دون جدوى المشاركة فيها، فقد فشلت التحركات الفرنسية للمشاركة في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، وبقيت الولايات المتحدة المحرك الرئيس لها وهي الأقرب إلى الملف اللبناني.
ويرجع محللون الإصرار الأمريكي للعودة إلى الساحة اللبنانية بعد العودة إلى الساحة السورية إلى الاكتشافات النفطية والغازية على الشواطئ اللبنانية والسورية، وتسعى أمريكا لربط الساحات السورية واللبنانية والعراقية ضمن مجال استثماراتها من أجل الاحتفاظ بحضور فاعل ودور كبير في هذه البلدان على حساب فرنسا بطبيعة الحال وبريطانيا بدرجة أقل …
وكان لافتا سرعة التحرك الأمريكي، فقد نجح الرئيس ترامب هذه المرة، فأوقف عدوانا إسرائيليا وشيكا على بيروت، كما أوقف تحركا فرنسيا للعودة إلى الساحة اللبنانية. وبذلك يضيف ترامب إلى الحروب العديدة التي يتباهى دائما أنه أوقفها حرب لبنان. مع الإشارة إلى أن القتال في الجنوب اللبناني لم يتوقف حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان 2026 بين أمريكا وإيران على جميع الجبهات، فقد رفضت إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار وقال نتنياهو أن إعلان ترامب وقف النار مع إيران لا يشمل الجبهة اللبنانية. ومنذ ذلك الوقت قبل قرابة الشهرين تدور معارك عنيفة بين الجيش الإسرائيلي الذي وصل إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية – وهي القلعة التي تتمتع برمزية تاريخية، فقد احتلتها إسرائيل عام 1982 وعاد لبنان وحررها في العام 2000، غير أن إسرائيل احتلت القلعة من جديد في بداية أيار خلال هجوم واسع بمشاركة عشرات آلاف الجنود بعد أن دمرت مئات القرى الجنوبية الخالية من السكان، وكانت تستعد لمواصلة هجومها البري على لبنان، غير أن ترامب أوقف الهجوم الإسرائيلي على بيروت.
وربما أوقف مسيرة نتنياهو السياسية أيضا والتي امتدت لثلاثين عاما منذ 1996. ويبدو أن ترامب بعد أن وقعت حرب إيران ووقعت الفأس بالرأس، اكتشف ولو متأخرا أن نتنياهو يتلاعب به، وهو الذي ورطه بالحرب على إيران وزين له الهجوم على إيران بأنه نزهة أشبه بالعملية ضد فنزويلا. ولكن ترامب ربما انتظر اللحظة الأخطر في تاريخ نتنياهو، فوجه له ضربة قاضية خلال آخر مكالمة هاتفية جرت بينهما في الثاني من حزيران، وكانت مكالمة صاخبة وحادة وطويلة. وقال ترامب: يقلقني ويزعجني الصراع المستمر بين نتنياهو ولبنان …
وأضاف ترامب لصحيفة نيويورك بوست: لقد أجريت محادثة غاضبة مع نتنياهو، وأنا منزعج من قتاله المستمر مع لبنان…
ومع أن ترامب خفف في الأسابيع الأخيرة من تصريحاته وتغريداته حول المفاوضات مع إيران وحول الأوضاع في الداخل الأمريكي، حيث تستعد الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم في ظل حالة الانقسام الحادة قبل الانتخابات النصفية المحمومة للكونغرس …
ومع تراجع التصريحات الترامبية، عادت وزارة الخارجية الأمريكية التي تم استبعادها نسبيا من المفاوضات مع إيران ومع أوكرانيا. فكان وزير الخارجية ماركو روبيو يطلع ربما من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنير على تطورات المفاوضات مع إيران وأوكرانيا، ولكن الخارجية الأمريكية بعد انطلاق المفاوضات بين إسرائيل ولبنان استعادت مكانتها من جديد داخل إدارة ترامب بعد الإخفاقات التي تعرضت لها السياسة الأمريكية. ويبدو أن لبنان الصغير جغرافيا وسكانيا سيكون حصان طروادة لدى ترامب للعودة سياسيا بقوة ومن موقع المنتصر إلى ساحة الشرق الأوسط بعد الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب على إيران. وربما أصبح ترامب يعمل من منطلق “نصف رغيف أفضل من لا شيء”، وهو يدفع باتجاه اتفاق مبدئي مع إيران حول فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وإبرام اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، وذلك قبل أشهر من انتهاء مهمة القوات الدولية العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل).
وزارة الخارجية الأمريكية وصفت المحادثات اللبنانية الإسرائيلية بأنها تشهد تقدما مستمرا سياسيا وأمنيا، وأن واشنطن تسعى لتجاوز إخفاقات الـ20 عاما الماضية…
وقالت الخارجية الأمريكية بعد عقد عدة جلسات للوفدين وبعد مكالمة ترامب ونتنياهو الصاخبة في الثاني من حزيران 2026 أن المفاوضات تتقدم باتجاه اتفاق شامل يهدف إلى استعادة سيادة لبنان وضمان أمن إسرائيل.
لا شك أن الجبهة اللبنانية بالنسبة لإيران وملفها النووي كانت القلعة التي لجأت إليها إيران بعد وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان بعد حرب استمرت 38 يوما. فقد استخدمت إيران أوراقها السياسية والاقتصادية والعسكرية ببراعة خلال المفاوضات مع أمريكا، وقد اعترف ترامب أن إيران كانت مفاوضا بارعا وذكيا وعنيدا، وذلك حين استخدمت مرحلة وقف إطلاق النار لتقوية موقفها عسكريا عبر الجبهة اللبنانية، واقتصاديا عبر مضيق هرمز، وسياسيا عبر الدعم الذي تلقته من روسيا بالدرجة الأولى ومن الصين، عندما رفضت روسيا بشكل قاطع تمرير مشروع قرار تقدمت به بريطانيا والبحرين. ولكن تحذيرات موسكو التي تزامنت مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان منعت تمرير المشروع، وبدلا من كونه ورقة ضغط على إيران تحول إلى ورقة سياسية بيدها، خاصة وأن تركيا والسعودية ومصر وباكستان كانت بطريقة أو بأخرى تقف إلى جانب إيران ضد إسرائيل، رغم تحالف هذه الدول الإسلامية الأربعة مع الولايات المتحدة التي وجدت نفسها في موقع تراجع عن شروطها بشأن النووي والبالستي والعقوبات وحلفاء إيران في المنطقة.
واليوم، مع اقتراب استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم في الثاني عشر من حزيران الجاري، فإن أمريكا وإيران تقتربان كما قال ترامب من التوصل إلى اتفاق حول فتح مضيق هرمز مقابل قيام أمريكا بفك الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، بالتوازي طبعا مع وضع حد لجرائم نتنياهو الذي كان يريد استغلال الحرب الأمريكية الإيرانية لإعادة احتلال لبنان مثل غزة. وهذا يتعارض مع رؤية الرئيس ترامب الذي يراهن على تحقيق اتفاقات مزدوجة بين أمريكا وإيران من جهة، وبين إسرائيل ولبنان من جهة ثانية، لعل وعسى يخفف ذلك من وقع الهزيمة العسكرية التي لحقت بالجيش الأمريكي والإسرائيلي اللذين خاضا معا حربا غير قانونية وغير مبررة ضد إيران ولبنان. ولكل منهما أولوياته، فأمريكا تريد تسجيل انتصار على إيران والقضاء على ملفها النووي، وإسرائيل تريد القضاء على حزب الله في لبنان. ولكن الخلافات والتعارض في الأولويات لدى ترامب ونتنياهو جعلت إيران مع حلفائها تخرج في موقع المنتصر، وجعلت أمريكا وإسرائيل تبحثان عن صورة انتصار دون جدوى …

