
مضيق هرمز أغلى رهينة في العالم. وأقوى الأسلحة الإيرانية في مواجهة أمريكا.
سلاح إيران الأكثر تأثيرا كان مضيق هرمز الذي تمر منه خمس ناقلات النفط العالمية، ويتمتع بأهمية استراتيجية في التجارة الدولية كسلاح في معركتها المصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. والمضيق يبلغ طوله 167 كم وعرضه 96 كم، ويربط الخليج العربي بخليج عمان.
وقد أعلنت إيران إغلاق المضيق أمام الملاحة البحرية، وأبقت على عشرات الناقلات مركونة بلا حراك على جانبي المضيق، بعضها محملة بملايين البراميل من النفط ومليارات اللترات من الغاز….
ومن المتوقع أن يواجه العالم أزمة اقتصادية جراء النقص الحاد في توريدات النفط، سيتناقص خلال هذا الشهر وسيبلغ النقص المتوقع أكثر من مئتين وخمسين مليون برميل بسبب إغلاق المضيق، ولا يمكن تعويضها رغم إعلان وكالة الطاقة الدولية أنها ستضخ 100 مليون برميل خلال شهر للتعويض عن النقص في السوق النفطية. وهذه الكمية لا تسد إلا النذر القليل من الاحتياجات العالمية…
ولا أحد يستطيع التعويض عن هذا النقص، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني. وقد بدأت الولايات المتحدة تواجه أزمة الأسعار، ويتحدث نواب من الحزب الديمقراطي عن ارتفاع أسعار الغاز في الولايات المتحدة، بينما تنعم روسيا والصين بأسعار مناسبة، ذلك أن إيران لا تزال تسمح للناقلات الصينية والروسية بالعبور.
ويؤكد خبراء أن إغلاق المضيق سيؤدي إلى زيادة الأسعار لتصل إلى 150 دولارا للبرميل. وتهدف إيران من خلال إغلاق المضيق إلى الوصول إلى سعر يتجاوز 200 دولار، وذلك لممارسة ضغوط على الولايات المتحدة وعلى الدول المصدرة للنفط من حلفاء أمريكا في الخليج لوقف الحرب وعمليات القصف على إيران ولبنان.
وليس مضيق هرمز هو السلاح الوحيد بيد إيران، فمضيق باب المندب يمكن أن يكون الورقة الأخرى التي تستخدمها إيران في حال استمرار الحرب……
ولم تكتف إيران بإغلاق المضيق، وإنما شنت موجة من الضربات المنسقة على ناقلات النفط في الدول المجاورة. وقصفت ناقلتي نفط أمريكيتين في ميناء البصرة العراقية واشتعلت النيران بالناقلتين، كما قصفت منشآت نفطية عديدة في البحرين في سترة والمحرق والعاصمة المنامة. وألقت السلطات في البحرين القبض على أربعة أشخاص بتهمة التخابر مع إيران.
وحتى سلطنة عمان التي تقوم بجهود الوساطة لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، لم تسلم من الضربات الإيرانية، فقد قصفت إيران بشكل مباشر خزانات الوقود في محافظة صلالة، واندلعت النيران وهي تلتهم الخزانات…
وفيما تحاول دول الخليج الدفاع عن نفسها دون مهاجمة إيران، والاكتفاء بالتصدي للطائرات المسيرة الإيرانية والصواريخ الإيرانية، وقد أعلنت السعودية أنها تصدت في اليوم 12 للحرب لثلاث صواريخ إيرانية وثماني مسيرات تم إطلاقها باتجاه مناطق شرق المملكة التي تضم حقولا للنفط…..
ورغم أن دول الخليج وخاصة السعودية لديها بدائل عن مضيق هرمز، وقد أنشأت منصات على البحر الأحمر للتصدير من خلال الخط شرق-غرب الذي يصل الخليج العربي بالبحر الأحمر. ويمكنها تصدير 7 ملايين برميل يوميا، ذلك أن الاعتماد على الحماية الأمريكية بات محفوفا بالمخاطر.
وقد أعلنت البحرية الأمريكية صراحة بعد تصريحات الرئيس ترامب أن البحرية الأمريكية سترافق ناقلات النفط في مضيق هرمز، ولكن تصريح ترامب لم يكن سوى دعاية، فقد أعلنت البحرية الأمريكية بأن المخاطر مرتفعة ولا يمكنها حماية هذه السفن، خاصة بعد أن استهدفت إيران أربع سفن حاولت عبور المضيق….
ومع استمرار نزيف الاقتصاد العالمي وسفك الدماء واتساع نطاق الحرب لتشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها ودخول أطراف أخرى كحزب الله اللبناني، فقد أطلقت إيران تحذيرات من أن الخطوة القادمة ستكون إغلاق باب المندب، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الحوثيين في اليمن والذين أغلقوا مرارا المضيق الحيوي خلال حرب غزة، وبالتنسيق أيضا مع جماعة إخوان المسلمين في السودان وهؤلاء باتوا يسيطرون على مساحات واسعة من سواحل البحر الأحمر الممتدة لمسافة 700 كم، وقد تم تصنيفهم على لائحة الإرهاب الأمريكية….. وبذلك يشكل الثلاثي (إيران واليمن والسودان) ما يشبه الكماشة التي يمكنها أن تعصر الاقتصاد العالمي وتشكل خطورة كبيرة على التجارة العالمية في حال استمرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران…..
هي حرب المضائق المتصاعدة والتي تستخدمها إيران كسلاح فتاك وقاسي ضد إدارة ترامب التي تراهن على نمو الاقتصاد الأمريكي. وبذلك فإن إيران تمسك ترامب من اليد التي توجعه وهي الاقتصاد…. من أجل الضغط على الولايات المتحدة وإدارة ترامب لوقف الحرب التي بلغت تكاليفها بعد 12 يوما من اندلاعها حسب صحيفة بوليتيكو الأمريكية 21 مليار دولار بالنسبة لأمريكا، أي بمعدل مليوني دولار يوميا…. أما إسرائيل فقد بلغت تكلفة الحرب 12 مليار دولار خلال 12 يوما فقط. وبينما كانت تكلفة الحرب الماضية 6 مليارات خلال حرب الـ12 يوما، فإن إسرائيل حسب الصحيفة الأمريكية تدفع أيضا 2 مليار دولار في اليوم…. وهذه الإحصائية لا تتضمن تكاليف الحرب الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، مع العلم أن حزب الله اللبناني قصف في ليلة الحادي عشر من آذار إسرائيل بمئتي صاروخ، فيما كانت إسرائيل تحاول اجتياح الجنوب اللبناني بريا وتتمركز في 18 نقطة بدلا من خمس نقاط احتفظت بها منذ الحرب على غزة….
وإذا استعرضنا الخاسر الأكبر من الحرب، فإن أوروبا التي تستورد النفط والغاز ستدفع مع دول الخليج فاتورة الحرب. ولكن أكثر من خسر في هذه الحرب هي الإمارات العربية المتحدة التي تعرضت منشآتها إلى قصف إيراني مركز، وذلك بالنظر إلى علاقاتها المتينة والمعروفة مع إسرائيل ووجود شركات واستثمارات إسرائيلية كبيرة. وقد امتنعت أبو ظبي رغم حدة القصف الإيراني من الدخول في الحرب إلى جانب إسرائيل لأن الكلفة ستكون مضاعفة وربما مدمرة. فيما أدان مجلس الأمن الدولي الهجمات الإيرانية على دول الخليج وبخاصة على الإمارات، التي تعرضت اقتصادياتها لضربة في الصميم بسبب هروب رأس المال، حيث أن رأس المال جبان ولا يقامر رجال الأعمال بأموالهم خلال الحرب….
ونشير في هذا الصدد إلى أن وزارة الدفاع الإماراتية تتعامل منذ اليوم الأول للحرب في الثامن والعشرين من شباط مع عشرات المسيرات الإيرانية وتعلن في بيانات يومية إسقاط صواريخ وطائرات مسيرة. ويمكن اعتبار الإمارات وسلطنة عمان اللتين تتقاسمان مضيق هرمز مع إيران، أنهما كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول، وهي تعاني وسط الحرب وليست خارجها، بالنظر لما تدفعه من خسائر وتكلفة باهظة.
وفيما يجري الحديث عن الخسائر جراء إغلاق مضيق هرمز، فإن خسائر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يمكن تقديرها قبل الانتهاء من الحرب، لأن حجم الدمار كبير في البنى التحتية والمواقع العسكرية والسفن البحرية وخزانات الوقود. وربما حجم الدمار الهائل في إيران هو الذي دفع القيادة الإيرانية الجديدة بقيادة السيد مجتبى الخامنئي وكل من علي لاريجاني ومحمد باقر قاليباف وقائد الجيش موسوي وعلي شمخاني، وكلهم من الصقور، الذين قرروا على ما يبدو استخدام كامل القوة الإيرانية من صواريخ ومن وسائل الضغط العسكرية والاقتصادية، ومنها سلاح مضيق هرمز، من أجل كسب المعركة التي تبدو بالنسبة لإيران كما هي بالنسبة لإسرائيل معركة حياة أو موت…
عمليات القصف العنيفة على القواعد الأمريكية في البحرين والإمارات وقطر والسعودية وسلطنة عمان والعراق، وإخراج منظومات الصواريخ الأمريكية التي كانت تتصدى للصواريخ الإيرانية من الخدمة، ما جعل إسرائيل غير قادرة على معرفة زمن إطلاق الصواريخ وهي تبدو عمياء بعد استهداف منظومات باتريوت وثاد. وهذه العمليات تتكامل مع إغلاق المضيق الاستراتيجي وحروب التجارة الدولية كسلاح في معركتها المصيرية…
ويمثل هذا المضيق الممر البحري الوحيد من الخليج العربي إلى المحيط المفتوح… يمر عبر المضيق نحو ثلث إجمالي الغاز الطبيعي المسال في العالم، كما يعبره ما يقرب من 25% من استهلاك النفط العالمي.
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، استخدمت إيران المضيق كسلاح اقتصادي للضغط على أمريكا لوقف الحرب، بالإضافة طبعا إلى الصواريخ والمسيرات التي تنطلق يوميا باتجاه إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة… ولكن حتى اليوم الثاني عشر من الحرب، لا يزال ترامب يعلن ويصرح وينادي كما لو أنه وكالة أنباء لوحده، أن الحرب مستمرة حتى تحقيق الأهداف واستسلام إيران…. وترامب يغرد خارج السرب الأمريكي على ما يبدو، فالديمقراطيون في الكونغرس يسألونه عن فاتورة الحرب الباهظة التكاليف، وعلى الملأ وقبل أن تضع الحرب أوزارها…..

