
ترامب يشن هجوما على بريطانيا ويطالبها بفتح مضيق هرمز بنفسها… وستارمر يرد بالقول: هذه الحرب ليست حربنا ….
كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وامتناع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن تقديم الدعم والمساعدة لواشنطن لفتح مضيق هرمز عن استفحال الخلافات بين واشنطن ولندن اللتين يربطهما تحالف استراتيجي امتد لعقود عديدة في السياسة والأمن والاقتصاد والحروب … ولم يكن أحد قبل هذه الحرب وأزمة الطاقة وارتفاع أسعارها جراء إغلاق مضيق هرمز يتصور أو يتوقع أن يتفكك هذا التحالف، أو أن تخوض أمريكا حربا من أجل إسرائيل دون بريطانيا التي أعلن رئيس وزرائها كير ستارمر أن هذه الحرب ليست حرب بريطانيا، وأن بلاده لن تشارك فيها، رغم أن بريطانيا والولايات المتحدة خاضتا معا كل الحروب منذ الحرب العالمية الثانية وصولا إلى حربي أفغانستان والعراق. …
ولكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجه منذ استلامه مقاليد الإدارة في البيت الأبيض في الولاية الثانية دفة المركب باتجاه آخر، ووجه انتقادات غير مسبوقة ضد بريطانيا وحكومتها، ورفض المضي في سياسة سلفه جو بايدن في تأجيج الحرب في أوكرانيا حيث تلعب بريطانيا رأس حربة في دعم نظام زيلينسكي ضد روسيا. …وعلى عكس أوروبا بدأ ترامب جهودا حقيقية لوقف الحرب، فيما كانت أوروبا تسعى لإطالة أمد الحرب حتى آخر جندي أوكراني ….
كما أثارت تصريحات ترامب حول تشكيكه بالدور الضعيف الذي لعبته بريطانيا في أفغانستان رغم مقتل مئات الجنود البريطانيين هناك، وقال ترامب إنه لم تكن هناك حاجة للبريطانيين أبدا لأنهم كانوا في الخلف وليس في المقدمة … ورد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على ترامب معتبرا أن كلامه إهانة مروعة لبلاده ….
كما أثارت تصريحات ترامب بشأن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدانماركية ردود فعل غاضبة في بريطانيا التي وقفت إلى جانب الاتحاد الأوروبي وحذرت من قيام ترامب بإرسال جنود للسيطرة على الجزيرة في القطب الشمالي والتي تبلغ مساحتها قرابة مليوني كم مربع….
العلاقات البريطانية الأمريكية التي اتسمت بالثبات والتحالف الوثيق خلال جميع الحروب الأمريكية، حيث كانت بريطانيا تنفذ ما يطلب منها، ولكن هذه العلاقات تعرضت لحملة ممنهجة في ولاية ترامب الثانية، وشهدت سلسلة انتكاسات ظلت تتراكم حتى وصلت إلى مرحلة الانفجار الهائل بعد رفض بريطانيا المشاركة في الحرب على إيران وقولها إن هذه الحرب ليست حربنا. رغم أن ترامب رد عليه بالقول إن أمريكا ساعدت الناتو في حروب لم تكن حروبها. كما رفض ستارمر بشكل قطعي دعم الجهود الأمريكية لفتح مضيق هرمز الذي أعلنت إيران إغلاقه في نهاية الأسبوع الأول من الحرب في الثالث من آذار عام 2026. ولا يزال المضيق الاستراتيجي مغلقا بعد مضي 33 يوما على الحرب، ما تسبب بارتفاع أسعار النفط والبنزين والغاز. ….رغم أن التصعيد الأمريكي مستمر مع إرسال ثلاث حاملات طائرات إلى المنطقة وقوات برية. …
ويبدو أن الانحدار الكبير نحو حافة الهاوية في العلاقات الأمريكية البريطانية لا يتعلق فقط بالعلاقات بين واشنطن ولندن، إنما هذا مرتبط بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم الذي يجتاز مرحلة جديدة باتجاه خلق نظام عالمي جديد تدعو إليه روسيا والصين وذلك بهدف إقامة عالم متعدد الأقطاب يحترم الشرعية الدولية. ويبدو أن تصرفات ترامب وتناقض تصريحاته وأسلوبه في الحكم تسرع بشكل كبير من خلق مناخات إيجابية لولادة هذا النظام الجديد، لدرجة أن البعض أصبح يطلق على هذا العصر بأنه عصر ترامب لما له من خصوصية واختلاف مع الآخرين. في وقت تعتبر بريطانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ومعظم دول العالم باستثناء إسرائيل أن الحرب الأمريكية ضد إيران غير شرعية وغير قانونية. وقد دعت هذه الدول إدارة ترامب إلى وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، ولكن ترامب أصر على مواصلة الحرب ودعا بريطانيا التي تمتلك قوة بحرية كبيرة وقوية لمساعدة بلاده لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية لخفض أسعار النفط التي وصلت إلى 118 دولارا للبرميل الواحد، ولكن بريطانيا رفضت رفضا قاطعا أي مشاركة في هذه الحرب التي أشعلها ترامب بتحريض من نتنياهو، رغم أن إيران كانت تسير على طريق المفاوضات بشكل سلس وشفاف بشهادة الوكالة الدولية للطاقة النووية. وقد فاجأ ترامب العالم بالهجوم على إيران وقتل قادتها. وعندما رفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا الدخول في الحرب، شن ترامب هجوما واسعا على الدول الأوروبية خاصة بريطانيا وفرنسا. وقال إن بلاده لن تنسى لهما هذا الموقف، وقال ترامب إن على بريطانيا أن تفتح بنفسها مضيق هرمز…. وإذا أرادت بريطانيا النفط والغاز فعليها أن تشتريه من الولايات المتحدة …
وقال إن بريطانيا لا تملك الشجاعة لفتح مضيق هرمز، فيما دعا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بريطانيا إلى مساعدة بلاده في فتح مضيق هرمز لأنها تمتلك بحرية كبيرة وقوية ..
ولكن كل هذه الدعوات ذهبت أدراج الرياح، ورفض ستارمر الدخول أو المشاركة في الحرب، ما خلق أجواء عالية من التوتر والقطيعة بين واشنطن ولندن لدرجة وصلت إلى حد المطالبة بإلغاء زيارة مقررة لملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة، غير أن الملك تشارلز الثالث أصر على إتمام الزيارة للولايات المتحدة بمناسبة الذكرى 250 لاستقلال أمريكا عن الاحتلال البريطاني ….
وليس الخلافات بين واشنطن ولندن في عهد ترامب حول الحرب على إيران والحرب في أوكرانيا والفضائح الجنسية التي تحاول بريطانيا النأي بنفسها عنها في قضية إبستين رغم تورط عدد من أعضاء حكومة ستارمر فيها. ولكن ليس الخلافات حول هذه المواضيع وحدها هي التي دفعت بالعلاقات البريطانية الأمريكية إلى حافة الهاوية، ولكن الخلافات تراكمت بشكل متسارع منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. رغم أن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي كانت تسعى لإقامة شراكة تجارية وسياسية واقتصادية مع أمريكا تمكنها من أن تتحكم مع أمريكا في السياسة الدولية عبر إثارة الخلافات والحروب، وتبقي بريطانيا على رأس دول العالم تصوغ قراراته، وتمثل ما يمكن أن نصفه في السياسة بـ”منبع حياكة المؤامرات”، بكون بريطانيا تاريخيا هي رمز للاستعمار والعنصرية والفوقية، وهي سوسة البلاء في هذا العالم تنكش في كل مكان وتنشر الخراب وتعمم القتل. ولكن ترامب لم يتشاور مع ستارمر حول الحرب على إيران، ولهذا قالت بريطانيا الحاقدة على ترامب بسبب علاقاته مع روسيا وبسبب طرحه السلام في أوكرانيا بأن عليه أن يقلع شوكه بيده. ورفضت الدخول في الحرب. وكأن ترامب كان ينتظر ذلك بفارغ الصبر ليتخلص من أعباء القارة العجوز وحمل أثقالها وتبعات مشكلاتها …
وكان ترامب قد أثار الذعر والخوف في أوروبا كلها وفي بريطانيا خاصة عندما أحرق كل المراكب مع أوروبا ورفض تزويد نظام زيلينسكي بالمال والأسلحة، ودعا أوروبا إلى حماية نفسها، وطرح قضية الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدانماركية، عدا عن خوف أوروبا من صعود اليمين مدفوعا بحماسة التيار الشعبوي الذي يقوده ترامب في أمريكا، عدا عن سعيه لتفكيك حلف الناتو …
وهكذا فإن ما كان قبل سنوات مستحيلا يتحول إلى واقع ملموس يتمثل بانحدار العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة اللتين كانتا طوال عقود في تحالف متين ضد إرادة الشعوب والأمم، وفي شراكة سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية. وهذا التحول المثير للاهتمام والتوتر غير المسبوق بين لندن وواشنطن خطوة باتجاه تفكك الناتو وخلق مناخات دولية جديدة .. وهذه رغبة ترامب منذ ولايته الأولى … ما يسرع من ولادة نظام عالمي جديد من رحم نتائج الحرب في أوكرانيا وتداعيات ونتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران …..
ولا شك أن ما يحدث لا يمكن فصله عن وجود إرادة دولية متصاعدة لتغيير نظام القطب الواحد والدفع باتجاه إقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يكون أساسا لتراجع دور القوى الاستعمارية الغربية المتناحرة، ويعطي دورا أكبر للقوى الصاعدة في آسيا والداعية لمحاربة الإرهاب وإحلال السلام بين الشعوب وفق مبادئ وقيم جديدة ترتكز على الشرعية الدولية والقانون الدولي …

