
ترامب في مواجهة الضغوط يختار تشديد الحصار على إيران بديلا من الحرب والمفاوضات…. ورسالة من الخامنئي إلى بوتين تؤكد الشراكة الدائمة…
لم تنته الحرب بين أمريكا وإيران رغم هدنة وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان 2026، ورغم عقد جولة مفاوضات مباشرة بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، ورغم الشلل الذي أصاب الاقتصاد العالمي، ورغم النداءات والدعوات الدولية لوقف الحرب… فالهوة بين طهران وواشنطن سحيقة وواسعة وتراكمية. والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرفض المقترحات الإيرانية، كما أنه يرفض الضغوط للعودة إلى الحرب، ويفضل مواصلة تشديد الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بدلا من إنهاء الحرب بشكل دائم أو إجراء المفاوضات بلا نتائج ملموسة.
في هذه الأثناء دخلت روسيا على خط الأزمة الخطيرة من بوابة العلاقات الاستراتيجية التي تربطها مع إيران. وجاء استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في سان بطرسبورغ حاملا رسالة من المرشد السيد مجتبى خامنئي، رسالة قوية ودعما للجهود الإيرانية لوضع حد للحرب بشكل نهائي. رغم أن موسكو تعتمد الحياد في الحرب، لكنها تتعامل معها ومع الحرب في أوكرانيا باعتبارهما الجسر بين مرحلتين: مرحلة هيمنة القطب الواحد الأمريكي ومرحلة الاتجاه لبناء نظام متعدد الأقطاب، وذلك لإعادة الهيبة للقانون الدولي والسلام والأمن بعد حروب أمريكا المتنقلة وغير الشرعية في أفغانستان والعراق وفنزويلا وإيران.
هي ثلاث قضايا أساسية تتعلق بالحرب ومضيق هرمز والملف النووي، تقوم باكستان بدور الوسيط النشط والموثوق لنقل الرسائل والمقترحات بين طهران وواشنطن حول هذه القضايا بغية إيجاد حلول دائمة لها …
أولها: الإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل دائم مع ضمانات بعدم العودة إلى الحرب … وثانيها: حل مشكلة إغلاق مضيق هرمز والتي وصفها ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي بأنها حرب نووية اقتصادية على العالم، بالإضافة إلى فك الحصار البحري الأمريكي الخانق عن الموانئ الإيرانية … وثالثها: معالجة الملف النووي الإيراني والتوصل لاتفاق حول نسبة التخصيب وتجميده. حيث لا يزال ترامب يصر على تجميد التخصيب لمدة 20 عاما، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.
ومع وجود خلافات حول أولوية هذه الملفات وأهميتها بين إيران والولايات المتحدة، حيث تشترط إيران وقف الحرب قبل كل شيء، فيما تريد إدارة ترامب فتح مضيق هرمز أولا، إلا أن الجهود الدبلوماسية الإيرانية النشطة تسعى لإيجاد حلول لهذه القضايا على مراحل على نار هادئة وعلى توقيت طهران، مع إبقاء جميع الخيارات كالعودة إلى القتال. أما إدارة ترامب فإنها تسابق الزمن وتريد اختصار المراحل وحرقها والتوصل سريعا إلى اتفاق، وتتهم واشنطن إيران بإطالة المفاوضات …
وفي مقابل النشاط الدبلوماسي الإيراني والتواصل مع الحلفاء والأصدقاء والوسيط الباكستاني، فإن إيران تعمل عسكريا على تحضير نفسها لاحتمالات استئناف القتال، في وقت يهدد ترامب بين تصريح وآخر بأنه سيغير القيادة الإيرانية، ويواصل سياسة الاغتيالات ضد المسؤولين الإيرانيين ويصنفهم بين مسؤول مناسب له وآخر غير مناسب.
وفي ردها على ذلك، تؤكد إيران على أنها ستقوم بتفعيل جميع الجبهات في حال استئناف القتال في اليمن والعراق ولبنان وغزة.
وعلى المقلب الآخر، فإن إدارة ترامب تعيش بعد الهجوم المسلح على حفل مراسلي البيت الأبيض ومحاولة اغتيال الرئيس، ومع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس وانخفاض شعبية ترامب على خلفية التداعيات الخطيرة للحرب مع إيران وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وازدياد المشاكل الداخلية والانقسامات في الشارع الأمريكي، ما خلق حالة من الارتباك والفوضى في الإدارة المنقسمة أيضا على نفسها بشأن الحرب بين نائب الرئيس جي دي فانس المناهض للحرب أصلا، وبين وزير الدفاع بيت هيغسيث المؤيد لها والذي يدعو إلى استئناف القتال وتسخير القدرات الأمريكية لهزيمة إيران. وفي ظل هذا المناخ، يواجه ترامب مصيره بطريقته الخاصة، فتراه يرد على محاولة اغتياله خلال حفل مراسلي البيت الأبيض بأنه لم يكن يتوقع أن منصب الرئاسة بهذه الخطورة، وأن من هاجم الحفل وأطلق النار يجب أن يكون ضمن منتخب كرة القدم لسرعته. كما رد ترامب على الاقتراح الإيراني الذي نقله الجنرال عاصم منير لفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب بشكل دائم بقوله إنه غير راض عن الاقتراح، وأن إيران دولة تنهار وأن أمريكا تنتصر، وأعطى الأوامر للبحرية الأمريكية بمواصلة حصار الموانئ الإيرانية، وهدد من جديد بالعودة إلى سياسة الاغتيالات للقضاء على القيادة الإيرانية إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز …..كما جاء رد ترامب غريبا أيضا ورفض المشاركة في المفاوضات التي كانت قاب قوسين أو أدنى، وأعلن أن ويتكوف وكوشنير لن يسافرا إلى إسلام آباد لمدة 16 ساعة من أجل لا شيء ….وهذا عذر أقبح من ذنب …
وليس الارتباك في البيت الأبيض بأقل من الارتباك الذي يعيشه نتنياهو في إسرائيل. ففي الحرب على إران التمس المنحوس ترامب بخائب الرجا نتنياهو، وهما يصرعان على جبهتي إيران ولبنان. فلا نتنياهو يحقق حلمه بالقضاء على حزب الله الذي عاد يحارب إسرائيل بالعمليات الانتحارية كما كان الوضع في الثمانينات من القرن الماضي … ولا ترامب يستطيع أن يخرج من ورطته ويحقق أي هدف من أهدافه، حيث يسيطر الجمود على المفاوضات ويسود الصمت على الجبهات مثل صمت القبور، فيما أصبح الفشل في المفاوضات مع إيران يعادل الهزيمة في الحرب معها.
أما إيران فإنها تتحدى وتناور وتستغل الوقت وترفض الاستسلام، وتجول وتصول وسط هذه الأجواء على عواصم القرار والوساطة في موسكو وإسلام آباد ومسقط، لتعرض بضاعتها التي يردها ترامب إليها بسرعة عجيبة ….
هي حرب لا تشبه الحروب. فبينما يقلع ترامب ونتنياهو الأشواك التي تدمرهما جراء تصاعد المناهضين للحرب الفاشلة، فإن إيران تصر على مقايضة فتح مضيق هرمز مقابل فك الحصار البحري الأمريكي عنها، وقبل ذلك تشترط على واشنطن إعلان انتهاء الحرب ضدها والتعهد بعدم العودة إليها. كما أنها بالاتفاق مع الوسيط الباكستاني تصر على تقسيم المفاوضات إلى ثلاث مراحل .. مرحلة إنهاء الحرب، ومرحلة مضيق هرمز، ومرحلة الاتفاق النووي …
وليس الحال في إسرائيل أفضل من الحال في أمريكا، فنتنياهو يتعرض لضغوط هائلة لأن الجيش الإسرائيلي يتم استنزافه في جنوب لبنان، حيث يمارس المقاتلون في حزب الله هوياتهم في القتال ضمن أرضهم، وقد أصبح العدو بين ظهرانيهم داخل الخط الأصفر، فهم يتهافتون على الشهادة ويندفعون برضى وحماس لقتال جنود الاحتلال كما لو أنهم مدعوون إلى وليمة، ويرفضون أي تفاوض مع إسرائيل ويطالبون الحكومة اللبنانية بعدم المشاركة في المفاوضات التي دعا إليها ترامب بين لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض.
ثمة تفاصيل وإشارات داخل هذا المشهد وتلك السردية الدرامية لهذه الحرب في الشرق الأوسط تشير إلى أن الأمور تسير إلى الأحسن، وليست الأوضاع بهذه السوداوية. فروسيا دخلت على خط الأزمة بقوة، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زار في سان بطرسبورغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسلمه رسالة خطية من المرشد السيد مجتبى خامنئي. وقال بوتين إن الشعب الإيراني يقاتل بشجاعة وبطولة من أجل سيادته، مؤكدا عزم بلاده مواصلة علاقاتها الاستراتيجية مع إيران….
وعبر الرئيس الروسي عن أمله “أن يتجاوز الشعب الإيراني هذه الفترة العصيبة”. وأضاف أن روسيا ستفعل كل ما في وسعها لإحلال السلام في الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن.
وفيما ينتظر ترامب أن تعيد إيران صياغة مطالبها بعد أن رفض اقتراحاتها وقدم للوسيط الباكستاني ما تقبله واشنطن وما ترفضه، فإن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود وتحتاج إلى المزيد من الوقت، ذلك لأن التواصل مع المرشد السيد مجتبى الخامنئي بطيء كما يقول الوسطاء بسبب الوضع الأمني للمرشد. كما أن ترامب بدأ يعد إدارته لقبول الخسائر القادمة، إن كان لجهة الانتخابات النصفية أو لجهة تقديم تنازلات لإيران في مقابل التوصل إلى اتفاق مقبول معها يسجله التاريخ باسم ترامب وليس باسم أحد غيره.
وهكذا فإن إيران لا تخوض الحرب عسكريا فحسب، بل تخوض حربا شاملة سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية ونفسية وإعلامية ضد أمريكا وضد إسرائيل. وهذه الحرب تحمل في طياتها تحولات كبرى على مستوى العالم، وتكسر ظهر الهيمنة الأمريكية وتحطم الهيبة الأمريكية من خلال تدمير القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط. وتستخدم إيران من أجل هزيمة أمريكا كل ما ادخرته من قوة وقدرات، بالإضافة إلى علاقاتها الخارجية مع روسيا والصين بشكل خاص، ومع الدول الإسلامية الأربعة: باكستان ومصر والسعودية وتركيا التي وقفت على الحياد ورفضت دعم العدوان.
وتوجت إيران كل هذه العلاقات والمواقف بحركة سياسية نشطة باتجاه موسكو التي تحتفظ بأوراق حاسمة للمساعدة، فهي تشارك في بناء محطة بوشهر النووية ولديها مع إران اتفاق للشراكة. وقد توجت اتصالاتها خلال الحرب بلقاء سياسي عندما زار الوزير عراقجي الرئيس الروسي حاملا له رسالة من المرشد، وبلقاء عسكري مهم آخر جمع بين وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف ونائب وزير الدفاع الإيراني للتخطيط الاستراتيجي رضا طلائي نيك في جمهورية قرغيزستان.
فالتحالف والتنسيق بين طهران وموسكو رسالة قوة وسلام تجعل الولايات المتحدة تفكر مرات عديدة قبل أن تقرر العودة إلى القتال من جديد، ذلك لأن روسيا التي وقفت على الحياد خلال الحرب لم تتردد في توصيف الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران في 28 شباط عام 2026 واستغرقت 38 يوما من القصف المتواصل والمتبادل بأنها عدوان موصوف. وهذا التوصيف يجعل روسيا قادرة على لعب دور الضامن في حال نجحت الوساطة الباكستانية في التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات حول إنهاء الحرب ومضيق هرمز والملف النووي الإيراني. وربما يدخل الرئيس بوتين على خط الأزمة ويستغل الصداقة مع ترامب من أجل استعادة السلام في الشرق الأوسط ….

