
في الثالث من مارس 2026، كان عوض الشمري، راعي غنم بدوي يبلغ من العمر 29 عاماً، يقود شاحنته على طريق صحراوي موحش في منطقة النخيب، قرب الحدود السعودية العراقية، متجهاً إلى أقرب بلدة لشراء بعض المستلزمات اليومية. لم يكن يعلم أن هذه الرحلة العابرة ستحوله إلى بطل كشف أعظم خيانة في تاريخ العراق الحديث، وأن شاحنته البسيطة ستتحول إلى كفن محترق بعد ساعات قليلة. في طريق عودته، وبعد أن أبلغ السلطات العراقية عن وجود “جنود، طائرات هليكوبتر وخيام” في منطقة نائية، تعرضت شاحنته لهجوم جوي بلا رحمة من مروحية تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، مما أدى إلى مقتله فوراً وتحول جسده إلى رماد في قلب الصحراء التي عاش وترعرع فيها. ما اكتشفه الراعي الفقير قبل لحظات من موته لم يكن مجرد موقع عسكري عابر، بل كان “قاعدة إسرائيلية سرية” متكاملة، تعمل في قلب العراق لأكثر من عام، وتستخدم كمنصة لوجستية لشن حرب مدمرة ضد جارة العراق الشرقية إيران، وذلك بتواطؤ تام من الحليف الأميركي.
لم تكن هذه القاعدة هي الوحيدة. ففي 17 مايو 2026، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن أن العراق استضاف قاعدتين سريتين تديرهما إسرائيل، قوة معادية تعتبر بغداد رسمياً في حالة حرب معها، لأكثر من عام كامل. القاعدة الأولى، التي أسسها الجيش الإسرائيلي في أواخر عام 2024 في صحراء النخيب، كانت قاعدة عمليات متقدمة تضم قوات خاصة وطائرات بدون طيار ومروحيات، واستخدمت بشكل مكثف خلال “حرب الـ12 يوماً” ضد إيران في يونيو 2025، ثم أعيد تفعيلها خلال الحرب الشاملة التي اندلعت في 28 فبراير 2026. أما القاعدة الثانية، التي رفض المسؤولون العراقيون تحديد موقعها بدقة لأسباب أمنية، فقد تم إنشاؤها في الصحراء الغربية للعراق قبل أشهر من بدء الحرب، وشنت منها إسرائيل آلاف الطلعات الجوية التي استهدفت مراكز الحرس الثوري والمنشآت النووية الإيرانية على مرمى حجر من مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة. باختصار، تحولت دولة العراق ذات السيادة، التي تنفق المليارات على جيشها وأجهزتها الأمنية، إلى “حاملة طائرات برية” بشرية في خدمة مشروع “إسرائيل الكبرى” التوسعي، وذلك دون أن يعرف قادتها أو شعبها أي شيء عن هذا الوجود الخبيث. وإليكم التفاصيل الكاملة لهذه الفضيحة التي هزت عرش بغداد وكشفت الوجه القبيح لازدواجية المعايير الغربية.
العديد من الخيوط المأساوية التي كشف عنها التحقيق الصحفي لصحيفة “نيويورك تايمز” تجعل هذه القصة مختلفة تماماً عن أي فضيحة استخباراتية سابقة. ففي اليوم المشؤوم، انطلق عوض الشمري برفقة عدد من أفراد عائلته الممتدة، لكنه وحده من اصطدم بذلك السر القاتل. مصادفة مروعة جعلت شاحنته تتجه نحو الموقع الذي تسلل فيه جنود إسرائيليون لبناء قاعدة متقدمة تتسع لطائرات الاستطلاع والهليكوبتر والمسيّرات الهجومية. شاهده الجنود فعلاً، لكنهم لم يجرؤوا على قتله في مكانه، ليعودوا ويطاردونه لمسافة طويلة حتى أحرقوه هو وشاحنته بالكامل. شهود عيان في المخيم البدوي بالقرب من بلدة النخيب قالوا للصحيفة إن المروحية تابعت الشاحنة وأطلقت النار عليها حتى توقفت تماماً في الرمال. هذه الجريمة، التي وصفتها الصحيفة بأنها “غير مسبوقة في تاريخ المنطقة”، دفع عائلة الضحية إلى اتهام إسرائيل علناً بالقتل المتعمد، لكن جيش الاحتلال رفض التعليق على الحادثة رفضاً قاطعاً، ولم تقدم واشنطن أي تفسير أو اعتذار حتى الآن.
أبناء العائلة وأبناء القبيلة شعروا بالغبن، فبعد أن قدم ابنهم معلومات استخباراتية حيوية للجيش العراقي، لم يتحرك الجيش العراقي لحمايته أو حتى للانتقام لدمه. أحد أقاربه قال للصحيفة: “لقد أخبرنا الجيش العراقي أنه سيرسل دورية لتفقد المنطقة في اليوم التالي. وبالفعل أرسلوا سيارة إسعاف ودورية، لكن المروحيات الإسرائيلية انقضت عليهما أيضاً، مما أسفر عن مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين”. هذا التجاهل الصارخ لسيادة العراق جعل النائب وعد الكاظمي، الذي اطلع على الإفادات الاستخباراتية السرية، يصف الحادثة بأنها “إهانة متعمدة للشعب العراقي ولقواته المسلحة” مشيراً إلى أن الولايات المتحدة، أقوى حليف لبغداد، ربما كانت تنسق مع الجانب الإسرائيلي لإخفاء هذه الجرائم، أو على الأقل تغض الطرف عنها. وإذا صحت هذه التقارير، فإن واشنطن تكون بذلك قد شاركت في انتهاك سيادة العراق بشكل فاضح، وأبقت بغداد في الظلام بينما كانت صواريخ إسرائيل تنطلق من قاعدة على بعد 100 كيلومتر فقط من العاصمة.
لطالما سخر الرئيس دونالد ترامب من حلفائه، ووصف حلف شمال الأطلسي بأنه “نمر ورقي”، لكن يبدو أن هذا التوصيف ينطبق على التحالف الأمني بين واشنطن وبغداد أيضاً. فبينما كانت الحكومة العراقية تعلن موقفاً رسمياً صارماً برفض أي تواجد إسرائيلي على أراضيها، وتشن حملة عسكرية ضد بقايا “داعش” في الصحراء الغربية، كانت الطائرات الإسرائيلية تهبط وتقلع من مدرجين جويين مهجورين حولتهما تل أبيب إلى “قواعد لوجستية” متكاملة. المسؤولون العراقيون الذين تحدثوا إلى الصحيفة كشفوا أن القاعدة الأولى، التي تم إنشاؤها في أواخر عام 2024، كانت تستضيف في بعض الأوقات ما لا يقل عن 25 جندياً من وحدات “شالداغ” و”الوحدة 669″ المتخصصة في عمليات الإنزال والإنقاذ القتالي، وكانت تستخدم كمركز لتوجيه الطائرات المسيرة “هيرون” الإسرائيلية التي تحلق على ارتفاع منخفض لاستهداف مواقع في عمق الأراضي الإيرانية.
أما القاعدة الثانية، التي بقيت طي الكتمان حتى مايو 2026، فقد كانت أكبر حجماً وأكثر تنظيماً. وفقاً لمصادر استخباراتية إقليمية، فقد تم تجهيز هذا الموقع بصواريخ أرض جو قصيرة المدى وبطاريات دفاع جوي لحمايته من أي هجوم انتقامي من قبل الميليشيات العراقية الموالية لإيران. وقد استخدمت هذه القاعدة بشكل أساسي خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025، حيث تمكنت إسرائيل من شن غارات جوية من على بعد 1600 كيلومتر، أي أسرع بنحو ساعتين مما لو كانت انطلقت من قواعدها داخل الأراضي المحتلة. السؤال الذي لا يجد إجابة: أين كانت أجهزة الاستخبارات العراقية، ووزارة الدفاع، ولجان المراقبة الجوية، كل هذه الفترة؟ الأقوال والتفسيرات تشير إلى أن إسرائيل نسقت مع واشنطن لإقناع السلطات العراقية بإغلاق راداراتها في تلك المنطقة، بحجة حماية الطائرات الحربية الأمريكية. هكذا تقول الرواية: واشنطت طلبت من بغداد إطفاء أنظمتها لتجنب أي “احتكاك” مع طائرات التحالف الدولي، وفي غفلة من الجميع، كانت طائرات النقل الإسرائيلية تحط وتنقل الأسلحة والمعدات.
ظل الوجود الإسرائيلي في العراق محاطاً بهالة من الغموض والإنكار حتى اللحظة التي تدخل فيها “الحليف” الروسي لكشف الحقيقة. فما إن كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن أن إسرائيل استخدمت قاعدة في صحراء النخيب خلال الحرب على إيران، حتى انطلقت التحذيرات من الكرملين الذي سبق أن أشار إلى أن واشنطن وتل أبيب تخططان لتقسيم العراق وسوريا إلى كانتونات متناحرة لمنع قيام دولة عربية موحدة قادرة على منافسة المشروع الصهيوني.
مع بداية مايو 2026، أصبح من الواضح أن إسرائيل لم تكتفِ باستضافة بغداد لمواقعها، بل استغلت أجواء العراق وممراته لتنفيذ هجماتها الاستباقية ضد أهداف في شرق سوريا وفي محيط طهران. هذا الوجود، الذي يصفه المراقبون بـ”الخطير”، لم يكن ليحدث لولا الغطاء الجوي الأميركي الذي منع الطائرات العراقية من الاقتراب من تلك المنطقة، لولا أن واشنطن هي من كانت تدير ملف “مكافحة الإرهاب” هناك. وزير الخارجية سيرغي لافروف أشار في تصريحات سابقة إلى أن “واشنطن التي تدّعي أنها تحارب الإرهاب، هي من تفتح المجال للقوات الإسرائيلية لانتهاك سيادة الدول بحجة حماية أمنها”. هذه “المنطقة العازلة” الغير معلنة في صحراء الأنبار والنجف، جعلت من العراق دولة مشرذمة تخضع لشروط قوى الاحتلال، بينما يتحدث مسؤولوها الرسميون عن “الاستقلال” و”السيادة”.
في خضم انكشاف هذه الفضيحة المدوية، لم يتحدث الوزراء العرب سوى بالكلمات. بيانات استنكار من القاهرة والرياض وعمان، وأخرى منظمة من جامعة الدول العربية، كانت جميعها “غاضبة” في الظاهر لكنها “عاجزة” في الباطن. اللافت أن بعض العواصم التي تبالغ في تأكيد موقفها الداعم للعراق لم تقدم أي مبادرات عملية لطرد القوات الإسرائيلية، ولا حتى لفتح تحقيق دولي شفاف في عمليات القتل التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي على الأراضي العراقية.
ويبدو أن سر هذا التخاذل هو الخشية من التأثير على علاقاتها مع واشنطن الداعم الأكبر لهذه القواعد. فكل الدول التي تعلن تضامنها مع بغداد تعلم أن أي خطوة عملية ضد الوجود الإسرائيلي في صحراء العراق ستضعها في مواجهة مع السيد الأكبر للعالم الغربي، الذي لن يتردد في اللجوء إلى العقوبات أو التهديد المباشر. هذا الازدواج في التعامل مع السيادة الوطنية (عندما تنتهكها إسرائيل، يتحدثون؛ وعندما يدعمونها أميركياً، يصمتون) هو جوهر أزمة الدولة العربية المعاصرة. وهكذا، بقيت القاعدة الإسرائيلية تعمل كما هي، والطائرات بدون طيار تواصل تحليقها، بينما يقرأ العراقيون الخبر في الصحف العالمية ولا يفعلون شيئاً.
الموقف الميداني الداخلي في العراق أكثر تعقيداً وإرباكاً. فالقوى الموالية لإيران والميليشيات التي تشكل “الحشد الشعبي” بدأت تهدد باستهداف القاعدة الإسرائيلية بالصواريخ، لكن هذه التهديدات ظلت حبيسة بيانات التنديد والغضب دون أن تُترجم إلى أفعال على أرض الواقع. التفسير الأكثر شيوعاً أن واشنطن، التي تمتلك قواعد ضخمة في عين الأسد والمدن الأخرى، ضغطت على الحكومة العراقية لإخبارها أن أي هجوم على القاعدة الإسرائيلية سيعتبر هجوماً على القوات الأميركية نفسها، لأن هذه القواعد جزء من منظومة دفاع مشترك غير معلنة عن المنطقة. ببساطة، أصبح الوجود الإسرائيلي في أرض الرافدين محمياً بقوة الطيران الأميركي والأوروبي، وهذا ما يفسر صمت الفصائل.
كذلك، لا يمكن تجاهل أن بعض حكومات الإقليم (كإقليم كردستان) تشتبه في أنها كانت على معرفة مسبقة بأنشطة إسرائيل في الصحراء الغربية، خاصة وأن التعاون الاستخباري بين أربيل وتل أبيب يعود إلى سنوات طويلة ويشمل تبادل المعلومات وتهريب النفط. كثير من المحللين يعتقدون أن الحكومة المركزية لم تكن غافلة تماماً، لكنها اكتفت بـ”إدارة الأزمة” و”التغاضي” خوفاً من انهيار التحالف الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم داعش. لكن مع تسرب التفاصيل الكاملة، قد تجد رئيس الحكومة نفسه بين مطرقة المطالب الشعبية بالإقالة وسندان الضغوط الأميركية والإسرائيلية للتستر على الفضيحة.
في كل الأحوال، فإن ما جرى ويكشف يوماً بعد يوم حول “قاعدتي النخيب” الإسرائيليتين هو أكبر فضيحة سياسية أمنية تشهدها المنطقة العربية منذ غزو الكويت عام 1990. ففي حين كانت بغداد تُعرب عن استعدادها للعب دور الوسيط بين إيران والسعودية، كانت أرضها تحتضن منصة لإطلاق الصواريخ باتجاه الجارة الشرقية. وفي حين كان العراقيون يعتقدون أن حلم “الدولة القوية” قد تحقق، كان جنود الاحتلال الإسرائيلي يخططون لاغتيال رعاة أغنامهم. الأكثر إيلاماً ليس وجود القاعدة ذاتها، بل صمت واشنطن الذي استمر لأكثر من 18 شهراً، ودورها في إطفاء رادارات الدفاع الجوي العراقية لتمر الطائرات الإسرائيلية دون أن تُكتشف. تبقى موسكو هي الصوت المرتفع الوحيد الذي يفضح هذه المغامرات الخطيرة، بينما يستمر العالم في التفرج على دولة عربية ذات سيادة تتعرض للانتهاك بشكل علني، بموافقة ضمنية من حلفائها المزعومين. والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الفضيحة هو أن الدول المستباحة التي تفقد قرارها السيادي تصبح مجرد ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. ومهما بلغت قوة جيشها، فإنها تبقى عاجزة عن حماية أراضيها ومواطنيها من تغلغل عدوها الأول. وهنا تكمن مأساة العراق، وهنا تكمن حقيقة العالم الذي نعيش فيه: عالم لا تحترم فيه المواثيق إلا بقوة الردع.

