
وسط الفوضى والارتباك والجنون السياسي، يقامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه المرة وحده، من دون إسرائيل، عبر إدارته وحزبه الجمهوري في خضم الانتخابات النصفية للكونغرس. وهو يخاطر بأمن الشرق الأوسط، ويعود إلى نغمته القديمة عن أن الجيش الأمريكي هو أقوى جيش في العالم، متجاهلا الاتفاق الذي ولد ميتا مع إيران، ويفتح الجبهة ضدها بموجات من القصف العنيف على مدنها ومنشآتها وسواحلها، ويفرض حصارا بحريا خانقا على موانئها، وسط دهشة العالم واستغرابه وخوفه من انزلاق الوضع إلى حرب شاملة هذه المرة لا تبقي ولا تذر.
وعلى إيقاع الآثار النفسية التي تركتها مراسم تشييع الخامنئي أثناء انعقاد قمة الناتو، جاء الرد الإيراني على الرسائل السياسية والعسكرية الأمريكية، فأعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز كخطوة أولى، قبل أن تقصف بالصواريخ الباليستية والمسيرات عشرات المواقع والقواعد الأمريكية في ردها على موجات القصف الأمريكية الأربع على امتداد المنطقة في الكويت والبحرين والإمارات والسعودية وعمان والأردن والعراق، مع التحذير بلهجة لا تقبل التأويل من اقتراب فتح جبهة اليمن وإغلاق باب المندب، وإرسال تحذيرات شديدة هذه المرة إلى الأردن بشكل خاص وإلى المعارضة الكردية في أربيل.
وكانت أولى نتائج التصعيد بين أمريكا وإيران إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والغاز من جديد، وعودة أجواء التوتر والخوف في المنطقة بعد 3 أشهر من وقف إطلاق النار في 8 نيسان 2026، وبعد أسابيع من توقيع الرئيس الأمريكي على اتفاق إنهاء الحرب على كل الجبهات، بما فيها جبهة لبنان وفتح هرمز.
ولا يمكن أن نفصل بين التصعيد الأمريكي الخطير في الشرق الأوسط وخرق اتفاق إنهاء الحرب الذي تم التوصل إليه في سويسرا برعاية باكستانية وقطرية في 19 حزيران 2026، بمعزل عن مجريات ونتائج قمة الناتو في أنقرة في 8 يوليو، والتي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصدير صورة النصر لبلاده، وصلة ذات البين والتقرب إلى أوروبا لتوريطها في الحرب بعد خسارة رهاناته على إسقاط النظام الإيراني وفشله في تحويل إيران إلى فنزويلا جديدة، فيما كانت روسيا تراقب خطوات الناتو التصعيدية تجاهها بحذر. وقد استطاع ترامب أن يخيف أوروبا أكثر، ويضاعف ظاهرة الروسوفوبيا لديها، ويزيد من ارتباكها وانقسامها وعزلتها، ويفرض عليها معادلات جديدة مع تركيا تتعلق بمواقفها من الحرب الأمريكية على إيران، بحيث حاول ترامب الربط بين الحربين في أوكرانيا وإيران وفق معادلة حاول صياغتها على شكل صفقة مفادها: بمقدار دعمنا ضد إيران سندعمكم ضد روسيا. وإذا كانت يد أوروبا قصيرة في إيران فإن يدها تطول في أوكرانيا، وهذا يزعج ترامب، الذي يريد أن يحصل العكس. فمهما راوغ وأرعد وأزبد، فإنه سيدفع في النهاية ثمن مواقفه السياسية ورهاناته العسكرية الخاسرة.
ولا شك أن موجات الضربات الأربع التي شنتها الولايات المتحدة، وبخاصة على بندر عباس، وعودة ترامب إلى الحصار البحري، وإعلان تخصيص 50 ألف جندي أمريكي لهذه المهمة في مياه الخليج، وتهديداته بالسيطرة على هرمز وفرض رسوم حماية المضيق، كلها خطوات تصعيدية أعادت المنطقة إلى الوراء وأشعلت النيران في جنباتها الأربعة.
ولا شك أن طريقة تشييع السيد علي الخامنئي وما رافقها من هتافات وأحداث على مدى أسبوع، وكثافة المشيعين، ورسالة المرشد الجديد للثورة الإيرانية مجتبى الخامنئي وما تضمنته من تهديدات بالانتقام، وما رفعه المشيعون من شعارات، كانت بمثابة احتفالات إيرانية بالنصر أكثر منها مراسم تشييع، رغم اللطم والسواد والحزن. وهذا ما أثار حفيظة الرئيس ترامب، فحاول عبر التصعيد العسكري تذكير الإيرانيين بأنهم لا يزالون تحت الخطر، وأن هذه الهبة الانتقامية لن تمنعه أو توقفه عن مواصلة الضغوط والحرب. لكن، في الحقيقة، اكتسبت إيران خلال مراسم التشييع السياسية، وليس الجنائزية، ثقة بنفسها دفعتها إلى الرد على القصف الأمريكي بأكثر مما هو متوقع.
المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي في إيران، إبراهيم ذو الفقاري، أعلن أن القوات المسلحة الإيرانية لن تسمح بأي شكل من الأشكال للولايات المتحدة بالتدخل في إدارة مضيق هرمز، وأكد أن القوات الإيرانية ستتعامل بحزم مع أي تحرك أمريكي لتنظيم عبور المضيق خارج المسارات التي حددتها طهران ودون تنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، وإلا ستواجه مقاومة ضارية. وحذر المتحدث من أن استمرار ما وصفه بالمغامرات الأمريكية يهدد أمن المنطقة وحركة الملاحة والتجارة الدولية، وأشار إلى أن العمليات التي نفذها كل من الحرس الثوري والجيش الإيراني خلال الأيام الماضية تشكل دليلا على قدرة إيران على تنفيذ هذه التهديدات، كما أفاد بأن تعاون بعض دول المنطقة قد ساعد على زيادة خطر اتساع رقعة الحرب في أنحاء المنطقة كافة.
روسيا التي دعمت وقف إطلاق النار وساهمت في التوصل إلى مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تم توقيعها في سويسرا، اعتبرت أن القصف الأمريكي هو انتهاك لمذكرة التفاهم. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الرئيس بوتين أكد مرارا دعمه لمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وإن روسيا كانت تأمل تطبيق مذكرة التفاهم على أرض الواقع. وأعرب عن أسفه لما يحدث في إيران، وقال إن ما يحدث يغلق الباب أمام مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، مشيرا إلى أن استئناف الضربات الأمريكية على إيران ينتهك مذكرة التفاهم.
الغريب أن ترامب لا يريد أن يعترف بالوقائع على الأرض، ويسعى لاستخدام القوة الأمريكية الكاملة لقهر الأمة الإيرانية، ويزج بالجيش الأمريكي في معركة ليست معركته. ومع أن القراءة السياسية لمراسم تشييع علي الخامنئي الذي اغتالته أمريكا في اليوم الأول للحرب في 28 شباط 2036 تؤكد أن الحرب شدت من أزر القيادة الإيرانية رغم الدمار والضحايا، وأن المعارضة الإيرانية، وبخاصة في العاصمة طهران، تلاقت مع الحكومة في مواجهة العدو الأمريكي والإسرائيلي، فإن هذا الوضع كان خارج حسابات واشنطن وتل أبيب اللتين كانتا تراهنان على سقوط النظام وتوقيع اتفاق استسلام. لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر، وإيران صمدت ولاقت دعما حقيقيا من روسيا والصين، وتعاطفا من عدد من الدول كالباكستان وتركيا، فيما تخلى حلفاء أمريكا في الغرب عن ترامب. وهذا طبيعي، فمن يزرع الشوك لن يحصد إلا الندامة.
يحيى كوسا

