
قاعدة حميميم والبيت الروسي.. رسائل توازن في معركة النفوذ
زاخاروفا تعلن أن دمشق وموسكو تناقشان مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس وافتتاح البيت الروسي في دمشق ..
تتجاوز العلاقات بين سورية وروسيا في قوتها وتنوعها وتجذرها كل ما يجعلها قادرة على تحطيم كل الحواجز والعقبات التي أفرزتها الأزمة في سورية، مع وجود إرادة سياسية لدى الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع – الذي زار موسكو مرتين بعد انتصار الثورة السورية في الثامن من كانون الأول 2024 – على فتح صفحة جديدة وإعطاء دفعة وزخم للعلاقات بين دمشق وموسكو على قاعدة تبادل المصالح المشتركة التي تشمل جوانب الحياة المتعددة وتطفح بها الذاكرة لدى الشعبين السوري والروسي ……. ..
ويبدو أن القواعد العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس والتي تمنح روسيا وجودا قويا على البحر المتوسط ونافذة على أفريقيا والشرق الأوسط، ستبقى كما كانت رسالة توازن وقيمة وهيبة للدور الروسي الذي يعتمد القانون والشرعية والذي تسعى روسيا لترسيخه سياسيا واقتصاديا وعسكريا على الساحة السورية …
وزارة الخارجية الروسية أعلنت الأربعاء 10 حزيران، أن التعاون مع سورية يشهد تطورا ملحوظا، مؤكدة أن موسكو تناقش حاليًا مع دمشق إعادة هيكلة محتملة لدور ووظائف منشآتها العسكرية وقاعدتيها في الأراضي السورية.
المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اعتبرت أن روسيا تناقش مع الحكومة السورية مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس، وهما آخر موطئ قدم لروسيا على المتوسط، وهما نافذة روسيا الوحيدة على المياه الدافئة وبوابتها إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
وردا على سؤال بشأن خطط إنشاء مركز للإمداد والتموين في طرطوس لتوزيع السلع الروسية في سوريا، قالت زاخاروفا إن التعاون بين البلدين «يتطور بنشاط كبير».
وأضافت: «في إطار التواصل مع الشركاء السوريين، تخضع مسألة الوجود العسكري الروسي للنقاش، بما يشمل إعادة هيكلة محتملة لدور المنشآت العسكرية الروسية».
وفي مؤشر على الزخم الذي تتمتع به العلاقات الروسية السورية على المستوى الثقافي والاجتماعي والعلمي، فقد أعلنت مؤسسة التعاون الروسي “روسترودنيتشستفو” عن توصل روسيا وسوريا إلى اتفاق بشأن استئناف عمل المركز الثقافي والعلمي الروسي “البيت الروسي” في العاصمة دمشق.
أمام هذا التطور النوعي في العلاقات، فإن الخيارات والحسابات لدى القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في سورية تتباين، وبخاصة بين تركيا صاحبة النفوذ الأقوى في الشمال السوري وبين إسرائيل التي تتمتع بنفوذ كبير في الجنوب السوري. فإن الحكومة السورية التي تنتهج سياسة التوازن وتصغير المشاكل مع الجميع، تجد في روسيا عامل استقرار ودعم لجهودها الرامية إلى إعادة البناء وإعادة تسليح وتدريب الجيش العربي السوري الذي يعتمد بشكل رئيسي على السلاح الروسي.
وفي ظل هذا الصراع الدولي والإقليمي على سورية، فإن روسيا بوجود قاعدتي حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية تلعب دورا هاما وتتمتع بنفوذ ومكانة كبيرة بعد أكثر من عام ونصف على انتصار الثورة السورية…
ويبدو أن دمشق التي تنتهج سياسة خارجية متوازنة تتمسك بعلاقات صداقة مع روسيا وتحرص على بناء جسور الصداقة المتجذرة بين الشعبين، وهي لا تريد أن تفقد العلاقات بين موسكو ودمشق زخمها السياسي والاقتصادي والعسكري، رغم العلاقات القوية التي تقيمها الحكومة السورية مع الولايات المتحدة والغرب عموما. كما أن موسكو لا تريد خسارة ما بنته في سورية عبر عقود، وبخاصة منذ دخولها عسكريا إلى سورية في أيلول عام 2015. …
وفيما يعتمد الجيش العربي السوري بشكل أساسي على العتاد والأسلحة الروسية، فقد أفادت تقارير استخباراتية وصحفية بأن روسيا استأنفت تسليم شحنات عسكرية إلى سوريا، حيث رُصدت سفينة الشحن «سبارتا» في ميناء طرطوس في 11 مايو 2026، وهي تفرغ حمولتها من الأسلحة …
ولا شك أن نتائج الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط ستنعكس على سورية التي تعد ساحة مفتوحة لمعارك النفوذ خاصة بين موسكو وواشنطن، مع الإشارة إلى أن انسحاب القوات الأمريكية من سورية يعد مؤشرا إلى ضبط المنافسة بين الدولتين العظميين، لتبقى الساحة السورية مفتوحة لصراع إقليمي بين تركيا وإسرائيل. حيث تستطيع روسيا التخفيف من معركة النفوذ بين هاتين القوتين، خاصة وأن روسيا كان لها دور تاريخي في دعم سورية والوقوف إلى جانبها في المحافل الدولية. حيث تؤكد موسكو ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية ومن الجولان السوري المحتل، وتبدي استعدادها للمساهمة في إحلال السلام في المنطقة بالنظر إلى علاقاتها القوية مع أطراف النزاع، عدا عن انفتاح روسيا اللافت خلال العامين الماضيين على العالم العربي، وبخاصة على الخليج ومصر والجزائر وليبيا، إضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية مع سورية …
ومع ملاحظة تراجع التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا على الساحة السورية بعد انتصار الثورة السورية، فإنه في المقابل برزت على العلن معركة النفوذ بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية. والسؤال: هل تنجح روسيا – التي كانت عبر عقود سندا للشعب السوري – في استعادة دورها وتأثيرها من جديد، وتساعد السوريين على تجاوز المشكلات والمصاعب الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتأخذ المبادرة وتعيد تدريب الجيش السوري ليقوم بدوره في حماية سورية ووحدتها واستقلالها، مع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات والمعادلات الجديدة التي باتت تحكم العلاقات السورية الروسية القائمة على أساس المصالح المتبادلة …..

