
في الخامس عشر من يونيو 2026، بينما كانت عواصم العالم تتنفس الصعداء بعد إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى اتفاق لوقف دائم وفوري للحرب في جميع الجبهات بوساطة باكستانية، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لتوجيه الصفعة الأكثر قسوة للجهود الدبلوماسية الدولية. ففي مؤتمر صحفي تلفزيوني عقب الإعلان مباشرة، أعلن نتنياهو بكل وضوح أن القوات الإسرائيلية ستبقى في “المناطق الأمنية” التي تسيطر عليها في قطاع غزة ولبنان وسوريا “طالما كان ذلك ضرورياً”. ولم يكتفِ رئيس الوزراء بذلك، بل ذهب وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى أبعد مدى، مؤكداً أن الوجود العسكري الإسرائيلي في هذه المناطق سيكون “إلى أجل غير مسمى” و”بدون حد زمني”. هذا الإعلان، الذي جاء بعد ساعات فقط من اتفاق تاريخي كان من المفترض أن ينهي أشهراً من الحرب المدمرة، لم يكن مجرد تحدٍّ دبلوماسي، بل كان إعلاناً صريحاً عن تحول استراتيجي جذري: إسرائيل لم تعد تنظر إلى هذه الأراضي كمناطق احتلال مؤقتة، بل كأراضٍ ضمتها فعلياً إلى خرائطها، في تجسيد عملي لمشروع “إسرائيل الكبرى” الذي طالما حلمت به النخب المتطرفة في تل أبيب.
لم يكن هذا الموقف الإسرائيلي وليد لحظة انفعال عابرة، بل كان تتويجاً لسياسة ممنهجة استمرت لأكثر من عامين ونصف العام، تمكنت خلالها إسرائيل من السيطرة على أراضٍ في غزة ولبنان وسوريا تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 1000 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة مدينة نيويورك تقريباً. ففي قطاع غزة، وسعت إسرائيل سيطرتها لتشمل محور فيلادلفيا ومعبر رفح، وأقامت مناطق عازلة على طول الحدود. وفي لبنان، توغلت القوات الإسرائيلية بعمق في جنوب الليطاني، واحتلت قرى حدودية كانت تشكل شريان المقاومة لحزب الله. وفي سوريا، انتقل الوجود الإسرائيلي من نمط النقاط العسكرية الثابتة إلى التوغلات داخل العمق السوري، متحكماً بجبال القلمون ومرتفعات الجولان المحيطة. كل هذه المكاسب الميدانية، التي وصفها كاتس بأنها “من أعظم إنجازات الجيش الإسرائيلي في الحرب”، كانت في طريقها لأن تصبح أوامرَ نافذةً على أرض الواقع، فجاء الاتفاق الأميركي الإيراني ليعطي نتنياهو الذريعة التي كان ينتظرها لتثبيتها رسمياً. جوهر الأزمة يكمن في التناقض الصارخ بين بنود الاتفاق والموقف الإسرائيلي. فالاتفاق الذي تم التوقيع عليه بوساطة باكستانية ينص على “وقف دائم وفوري للعمليات العسكرية” على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. كما أن طهران كانت قد اشترطت بوضوح وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان كجزء لا يتجزأ من الاتفاق الشامل. لكن إسرائيل، التي لم تكن طرفاً في المفاوضات، أعلنت أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بأي بند يتعلق بلبنان ضمن الاتفاق. وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً بكل صراحة: “اتفاق ترامب لا يلزمنا. إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة، نحن دولة مستقلة وذات سيادة”. هذا التصريح ليس مجرد رفض للاتفاق، بل هو إعلان عن استقلالية القرار الإسرائيلي عن حتى أقرب حلفائها، مما يضع الرئيس ترامب في موقف بالغ الحرج، حيث يبدو وكأنه يتفاوض على اتفاق لا يستطيع إلزام حليفه الأقرب بتنفيذه. الأبعاد الخطيرة لهذا الإعلان تتجاوز بكثير مجرد خرق لوقف إطلاق النار. فوزير الدفاع كاتس لم يكتفِ بتأكيد البقاء، بل كشف عن نوايا أكثر تطرفاً، معلناً أن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل “ستُطهر من السكان المحليين، وستُدمّر كل البنية التحتية، فوق وتحت الأرض، بما في ذلك المنازل في القرى الأمامية”. هذه اللغة، التي تذكرنا بأسوأ فظائع الحروب الحديثة، تشير إلى أن إسرائيل لا تنوي فقط الاحتفاظ بالأراضي، بل تنوي تغيير ديموغرافيتها بشكل جذري، وخلق حقائق على الأرض تجعل من المستحيل عودة الحياة الطبيعية إليها، أو حتى عودة سكانها الأصليين. إنها سياسة “الأرض المحروقة” التي تهدف إلى تحويل هذه المناطق إلى مناطق عسكرية خالصة، خالية من أي وجود مدني يعترض على الوجود الإسرائيلي. في خضم هذا المشهد المتفجر، يبرز الموقف الروسي كصوت العقل والحكمة. فموسكو، التي كانت منذ البداية تحذر من مغامرات واشنطن وتل أبيب في المنطقة، تراقب اليوم كيف ينهار الاتفاق الأميركي الإيراني تحت وطأة التحدي الإسرائيلي. الكرملين، الذي لم يشارك في المفاوضات، يجد نفسه في موقع يؤكد صحة تحليلاته السابقة: أن واشنطن لا تملك القدرة على التحكم بحليفها المتطرف، وأن أي اتفاق لا يضمن مصالح جميع الأطراف، بما في ذلك روسيا كقوة إقليمية كبرى، محكوم عليه بالفشل. التصريحات الإسرائيلية، التي تأتي بعد أيام من تحذير موسكو من أن إسرائيل تسعى لتخريب أي فرصة للسلام، تثبت أن الرؤية الروسية للصراع كانت الأكثر واقعية ودقة. الردود العربية والدولية على هذا الإعلان الإسرائيلي كانت، كما هو متوقع، بين الاستنكار العاجز والتواطؤ الصامت. ففي الوقت الذي أصدرت فيه جامعة الدول العربية بياناً يدين “العدوان الإسرائيلي على سيادة الدول العربية”، لم تتحرك أي عاصمة عربية لاتخاذ خطوات عملية لمواجهة هذا التمدد. دول الخليج، التي كانت تراهن على الاتفاق الأميركي الإيراني لإنهاء التهديدات على مضيق هرمز ومنشآتها النفطية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: إسرائيل أصبحت قوة احتلال مباشر على حدودها الجغرافية والسياسية، والولايات المتحدة عاجزة عن كبح جماحها. حتى مصر والأردن، اللتان تربطهما معاهدات سلام مع إسرائيل، وجدتا نفسيهما في موقف حرج، حيث أن أي احتجاج قد يعرض علاقاتهما الاستراتيجية مع واشنطن للخطر. في المحصلة، فإن إعلان إسرائيل عن نيتها البقاء في غزة ولبنان وسوريا “إلى أجل غير مسمى” ليس مجرد خرق لاتفاق سلام، بل هو إعلان عن ولادة مرحلة جديدة في الصراع، حيث يتحول الاحتلال المؤقت إلى ضم دائم، وتتحول مناطق التماس إلى حدود جديدة معترف بها فعلياً على الأرض. إنه تجسيد عملي لمشروع “إسرائيل الكبرى” الذي بدأ كأحلام دينية في أوساط المتطرفين، وتحول اليوم إلى سياسة رسمية تنفذها الآلة العسكرية الإسرائيلية بغطاء من الصمت الدولي والتواطؤ الأميركي. وفي هذا المشهد، تبرز موسكو كالصخرة الوحيدة الثابتة، التي تحذر منذ البداية من أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى على حساب سيادة الدول، وأن أي اتفاق يتجاهل التوازنات الإقليمية والقانون الدولي هو مجرد قطعة ورق لا تساوي الحبر الذي كتبت به. السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل سيكون للعالم القدرة على وقف هذا الزحف الإسرائيلي قبل أن يصبح أمراً واقعاً لا رجعة فيه، أم أن المنطقة برمتها ستشهد ولادة شرق أوسط جديد مرسوم على مقاس تل أبيب، بينما تتفرج العواصم العربية والعالمية على هذا التحول التاريخي من بعيد؟

