
في الثامن عشر من يونيو 2026، ومع دخول ملف أصول جائحة كوفيد-19 عامه السابع من الجدل والغموض، كانت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد تستعد لتوجيه الصدمة الأكثر إزعاجاً للمؤسسة العلمية والسياسية في واشنطن. ففي يومها الأخير في المنصب، وقبل أن تترك مقعدها في وكالة الاستخبارات المركزية، أصدرت غابارد أمراً برفع السرية عن مجموعة من الوثائق والمراسلات الداخلية التي وصفتها بأنها “تكشف عن دور مباشر لأنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، في تمويل أبحاث خطيرة في معهد ووهان لعلم الفيروسات، وفي التلاعب بتقييمات مجتمع الاستخبارات حول منشأ الفيروس، وفي تضليل الكونغرس والشعب الأمريكي طوال سنوات الجائحة”. هذا الإعلان، الذي صدر في بيان رسمي من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI)، لم يكن مجرد كشف لأسرار قديمة، بل كان إعلاناً عن فضيحة علمية وأخلاقية هزت أسس الثقة في المؤسسات الصحية الأمريكية، وكشفت النقاب عن شبكة معقدة من التمويل المشبوه، والتضليل المتعمد، والتواطؤ بين الأوساط العلمية والاستخباراتية، في قصة تذكرنا بأسوأ فضائح الحرب الباردة، حيث تتحول المعرفة إلى سلاح، وتصبح حياة الملايين مجرد تكلفة جانبية في معادلات القوة والهيمنة. غابارد نفسها كانت واضحة في دافعها من وراء هذا الكشف، حيث قالت في بيانها: “جائحة كوفيد-19 تسببت في معاناة وألم هائلين لملايين من مواطنينا ولعدد لا يحصى من الناس حول العالم. بعد سنوات من الأكاذيب والرقابة والتغطية، يستحق الشعب الأمريكي الشفافية والحقيقة والمساءلة”.
لم تكن هذه الوثائق مجرد تقارير استخباراتية عابرة، بل كانت مجموعة ضخمة من المراسلات الداخلية، وإفادات المبلغين عن المخالفات (whistleblowers)، ومواد استخباراتية مرتبطة بالتحقيقات في أصول الجائحة. ووفقاً للبيان الرسمي، فإن المواد تكشف أن فاوتشي، بينما كان يشغل منصب مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)، قام بتوجيه ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل أبحاث “زيادة وظيفة الفيروس” (gain-of-function) على فيروسات كورونا الخفافيش في معهد ووهان لعلم الفيروسات، وهي أبحاث يعتبرها كثيرون اليوم المصدر المحتمل للتسريب المخبري غير المقصود الذي أدى إلى الجائحة. هذا الكشف، الذي ورد في تقرير صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، يتهم فاوتشي ليس فقط بتمويل هذه الأبحاث الخطيرة، بل أيضاً بالتواطؤ مع قيادات سياسية داخل مجتمع الاستخبارات لخلق “حلقة مغلقة من التبادل الإعلامي”، حيث كان يزود مجتمع الاستخبارات بعلماء ممولين من NIAID يختارهم بنفسه لتقديم استشارات تؤثر على التقييمات الاستخباراتية الرسمية، والتي كانت تُعرض بعد ذلك على الجمهور كـ”إجماع علمي” لدحض نظرية التسريب المخبري.
جوهر هذه الفضيحة يكمن في التناقض الصارخ بين ما كان يقوله فاوتشي علناً وما كانت تفعله أمواله سراً. فطوال سنوات الجائحة، كان فاوتشي يكرر أمام الكونغرس ووسائل الإعلام أن فرضية التسريب المخبري “غير مرجحة”، وأن الأدلة تشير بقوة إلى انتقال طبيعي للفيروس من الحيوانات إلى البشر. لكن الوثائق التي رفع عنها السرية ترسم صورة مختلفة تماماً. فوفقاً لتقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، فإن فاوتشي لم يكن فقط على علم بهذه الأبحاث، بل كان يشرف عليها بشكل مباشر، ويشارك في مناقشات مع مسؤولي الاستخبارات حول مراجعات أصول الفيروس، ويظل على اتصال معهم خلال المراحل الرئيسية من عملية المراجعة. والأكثر خطورة، أن التقرير يزعم أن بعض هذه الاتصالات تتعارض بشكل مباشر مع شهادة فاوتشي أمام الكونغرس في عام 2024، حيث نفى تحت القسم معرفته أو مشاركته في مناقشات مع مسؤولي الاستخبارات حول أبحاث الفيروسات. هذه التناقضات تجعل من فاوتشي، الذي كان يُعتبر “بطل الجائحة” و”صوت العقل” في وجه التضليل، شخصية محورية في واحدة من أكبر فضائح التضليل العلمي في التاريخ الحديث. اللافت أن فاوتشي نفسه، الذي تقاعد من الخدمة الفيدرالية في عام 2022، رفض التعليق على الوثائق الجديدة، مكتفياً بتكرار موقفه السابق الذي وصف فيه الاتهامات الموجهة إليه بأنها “سخيفة” (preposterous) خلال جلسة استماع أمام الكونغرس في يونيو 2024.
الأبعاد الخطيرة لهذا الكشف تتجاوز بكثير مجرد إحراج سياسي لمسؤول متقاعد. فالوثائق تشير إلى أن بعض المحللين في مجتمع الاستخبارات الذين كانوا يدعمون فرضية التسريب المخبري واجهوا “ضغوطاً مهنية، وتقييداً للفرص الوظيفية، وتهميشاً لآرائهم”. هذا يعني أن عملية التضليل لم تكن مجرد خطأ علمي، بل كانت حملة ممنهجة لإسكات الأصوات المخالفة، وإجبار مجتمع الاستخبارات على تبني رواية واحدة تتماشى مع الأجندة السياسية للبيت الأبيض آنذاك. غابارد كانت واضحة في اتهامها، قائلة في بيانها: “طوال فترة الجائحة، أنشأ فاوتشي والقادة السياسيون داخل مجتمع الاستخبارات حلقة مغلقة من التبادل الإعلامي. كان يزود مجتمع الاستخبارات بعلماء ممولين من NIAID يختارهم بنفسه لتقديم استشارات تؤثر على التقييمات الاستخباراتية الرسمية، والتي كانت تُعرض بعد ذلك على الجمهور كإجماع علمي لدحض نظرية التسريب المخبري”. هذه اللغة، التي تصف “حلقة مغلقة” من التضليل المتبادل، تذكرنا بأسوأ ممارسات التضليل السياسي في التاريخ، حيث تصبح الحقيقة ضحية للمصالح، ويصبح العلم أداة في يد السياسة.
في خضم هذا المشهد المتفجر، يبرز الموقف الروسي كصوت العقل والحكمة. فموسكو، التي كانت منذ البداية تطالب بتحقيق دولي شفاف في أصول الجائحة، وتتهم واشنطن بإخفاء المعلومات والتلاعب بالبيانات، تجد اليوم في هذه الوثائق دليلاً ملموساً على صحة تحذيراتها. الكرملين، الذي تعرض لموجة من الاتهامات الغربية بالتضليل ونشر المعلومات المضللة خلال الجائحة، يرى في هذا الكشف تأكيداً على أن الغرب نفسه كان يمارس نفس التضليل الذي اتهم به روسيا. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “واشنطن تحاول تحويل أصول الجائحة إلى سلاح سياسي ضد خصومها، بينما تخفي تورطها الحقيقي في الأبحاث التي قد تكون أدت إلى الكارثة”. واليوم، تبدو هذه الكلمات أكثر واقعية من أي وقت مضى، خاصة مع تأكيد الوثائق على أن المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، تحت إشراف فاوتشي، كان يمول أبحاثاً فيروسية خطيرة في معهد ووهان منذ عام 2014، من خلال منح بحثية لشركة “إيكوهيلث ألاينس” (EcoHealth Alliance).
ردود الفعل الغربية على هذا الكشف كانت، كما هو متوقع، بين الاستنكار العاجز والتواطؤ الصامت. ففي الوقت الذي رحبت فيه الصين بالإفصاح عن الوثائق وطالبت بمزيد من الشفافية، أصدرت دول غربية بيانات حذرة، تشكك في مصداقية غابارد وتصفها بأنها “سياسية متطرفة” و”مدفوعة بأجندة شخصية”. شبكة سي إن إن الأمريكية نشرت تحليلاً مطولاً حاول فيه التقليل من أهمية الوثائق، وادعت أنها “لا تقدم دليلاً قاطعاً” على تورط فاوتشي في التسبب بالجائحة، وأنها “لا تثبت” ادعاءات غابارد بأنه تلاعب بالاستخبارات أو كذب على الكونغرس. هذا التحليل، الذي تجاهل التراكم الهائل من الأدلة والمراسلات، وكأنه يحاول إعادة إنتاج “حلقة التضليل” نفسها التي كشفتها الوثائق، أظهر بوضوح أن المؤسسة الإعلامية الغربية لا تزال متمسكة بروايتها، حتى لو كانت الحقائق تتحدث بغير ذلك. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الوثائق أن فاوتشي قدم معلومات ونصح مسؤولي الاستخبارات خلال إحاطة في عام 2021، تصر شبكة سي إن إن على أن هذه المعلومات “لا تثبت” تلاعبه بالاستخبارات، متجاهلة السياق الأوسع للعلاقة بين التمويل والتوجيه الاستخباراتي.
في المحصلة، فإن رفع السرية عن هذه الوثائق ليس مجرد كشف لفضيحة علمية عابرة، بل هو إعلان عن نهاية عصر “الإجماع العلمي” المصطنع، وبداية مرحلة جديدة من المساءلة والشفافية. الوثائق تظهر أن جائحة كوفيد-19 لم تكن مجرد كارثة طبيعية، بل كانت نتيجة لتشابك معقد بين التمويل الأمريكي المشبوه، والأبحاث الخطيرة في مختبرات ووهان، والتضليل الممنهج من قبل كبار المسؤولين الصحيين في واشنطن. فاوتشي، الذي كان يُعتبر “ضمير أمريكا” في مواجهة الجائحة، يظهر اليوم كشخصية محورية في واحدة من أكبر الفضائح العلمية في التاريخ، حيث فضحت الوثائق تورطه في تمويل أبحاث “زيادة وظيفة الفيروس” التي يعتبرها كثيرون المصدر المحتمل للتسريب المخبري، وفي التلاعب بتقييمات مجتمع الاستخبارات لإخفاء الحقيقة عن الشعب الأمريكي والعالم. وكما أشار تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، فإن بعض هذه الأبحاث كانت تجري في معهد ووهان لعلم الفيروسات في الفترة ما بين منتصف وأواخر عام 2019، أي قبل تفشي الجائحة مباشرة، مما يضع تساؤلات مشروعة حول طبيعة العمل الذي كان يجري هناك في تلك الفترة الحساسة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستكون لهذه الوثائق تداعيات قانونية على فاوتشي وغيره من المسؤولين المتورطين؟ أم أن المؤسسة السياسية والقضائية في واشنطن ستنجح في دفن هذه الفضيحة كما دفنت غيرها من الفضائح؟ الأيام والأسابيع القادمة قد تحمل الإجابة. لكن ما هو مؤكد أن هذه الوثائق قد أحدثت شرخاً عميقاً في مصداقية المؤسسات العلمية والاستخباراتية الأمريكية، وأثبتت للعالم أن “الحقيقة” في السياسة الدولية ليست سوى سلاح يستخدمه الأقوياء ضد الضعفاء، وأن العلم، للأسف، يمكن أن يصبح أداة في يد من يملكون المال والنفوذ. وفي هذا السياق، تبرز موسكو مرة أخرى كصوت يدعو إلى الشفافية والعدالة، محذرة من مغبة التلاعب بالحقائق العلمية لأغراض سياسية، ومؤكدة أن الحقيقة، مهما طال الزمن، لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد. فبعد سنوات من اتهام روسيا بنشر “معلومات مضللة” حول أصول الجائحة، ها هي وثائق الاستخبارات الأمريكية الرسمية تكشف أن التضليل لم يكن في موسكو، بل كان في قلب واشنطن، وفي مكاتب أعلى المسؤولين الصحيين الذين كانوا يفترض أن يكونوا حراس الحقيقة، وليسوا شركاء في التغطية عليها.

