
يحيى كوسا
شهد الشارع اللبناني انقسامًا حادًا بعد إقدام الحكومة اللبنانية، التي يمثلها الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على التوقيع على اتفاق إطار من 14 بندًا مع إسرائيل من وراء ظهر القوى السياسية الفاعلة والرئيسية في البلاد، برعاية أمريكية وإشراف مباشر من وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي ينظر إليه كمرشح محتمل في الانتخابات الرئاسية القادمة. لكن اتفاق الإطار ولد ميتًا، لأن معظم اللبنانيين اعتبروا أنه أسوأ من اتفاق 17 أيار 1983 الذي أسقطه اللبنانيون في الشارع.
وما إن تم الإعلان عن اتفاق الإطار، الذي رعته وزارة الخارجية الأمريكية بين إسرائيل ولبنان على مستوى سفيري البلدين في واشنطن، تحت الضغط العسكري الإسرائيلي والتدمير الشامل لمناطق وقرى كاملة في الجنوب اللبناني، بالتزامن مع الجبهة الإيرانية المشتعلة، حتى انقسم الشارع اللبناني بحدة وتسممت الأجواء في لبنان والمنطقة. ونزل المواطنون من أنصار حزب الله وحركة أمل والمتحالفين معهم، وقوى لبنانية أخرى وازنة، وأغلقوا بعض الشوارع في بيروت، وهددوا بإسقاط الاتفاق في مهده، ورفضوا بنوده، واعتبروه اتفاق ذل واستسلام للعدو الإسرائيلي. وأكدوا أنهم سوف يسقطون اتفاق الإطار كما أسقطوا في العام 1984 اتفاق 17 أيار، الذي وقعته آنذاك الحكومة اللبنانية مع إسرائيل وسقط تحت ضغط الشارع اللبناني خلال الوجود العسكري السوري في لبنان.
وربما يعيد التاريخ نفسه، فهناك اتفاق مرفوض، لكن سوريا اليوم خارج لبنان، خاصة أن اتفاق الإطار، كما رآه البعض، هو اتفاق استسلام وإذعان. وقد لاقى، بالإضافة إلى معارضة الثنائي الشيعي، حزب الله وأمل، معارضة من جانب قوى لبنانية وازنة مثل الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة تيمور جنبلاط، والتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل، فضلًا عن عشرات الشخصيات اللبنانية المتحالفة مع حزب الله في لبنان.
وفيما اعتبرت إسرائيل اتفاق الإطار انتصارًا سياسيًا كبيرًا، قال رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إن جميع بنود الاتفاق الـ14 تصب في مصلحة إسرائيل، في حين وصفته صحف المعارضة الإسرائيلية، بعد رفض حزب الله وحلفائه له، بأنه «عرس بلا عروس».
ولا يمكن العثور على جملة واحدة من بنود الاتفاق لصالح لبنان، إذ إن أحد البنود يشترط نزع سلاح حزب الله قبل انسحاب قوات الاحتلال، كما أن الاتفاق لا يطالب بالانسحاب الإسرائيلي ويقر بهذا الوجود ويشرعنه لحين نزع سلاح المجموعات المسلحة خارج الدولة، في إشارة إلى مقاتلي حزب الله. وهذا الاتفاق، بحسب تعريف معظم اللبنانيين باستثناء المقربين من الرئيس عون ورئيس الوزراء نواف سلام، يعد استسلامًا، رغم أن الرئيس عون حاول الدفاع عن نفسه وتبييض صفحته عبر الإصرار على عدم تعريض السلم الأهلي، ورفضه أيضًا دخول قوات سورية إلى لبنان، مع أن الرئيس أحمد الشرع أعلن أيضًا رفضه لفكرة الحرب مع حزب الله. لكن نصوص الاتفاق وبنوده تفضح كل شيء، ولبنان، رسالة السلام والمحبة في المنطقة، يتحول بهذا الاتفاق إلى مكسر عصا بين القوى الإقليمية والدولية، وبينما يتعرض قسم من اللبنانيين للقتل والموت على يد الاحتلال، فإن الحكومة اللبنانية تستغل الحرب والدمار وتحتج لإيران وتقف إلى جانب إسرائيل وأمريكا تحت ذريعة أن حزب الله هو صنيعة إيران ويخدم مصالحها، في إطار الصراع العربي الإسرائيلي منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948.
وحول الموقف الأمريكي الضعيف، والذي يعكس حالة الضياع والفوضى التي تسود داخل إدارة ترامب، والتباين الكبير بين نهج ورؤية نائب الرئيس جي. دي. فانس، الذي نجح في وقف الحرب الأمريكية الإيرانية وكان على وشك النجاح في وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، إلا أن دخول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المقرب من إسرائيل والمشرف على المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية التي جرت في واشنطن على مستوى السفراء في الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض، ومحاولته تسويق الاتفاق عربيًا، بالتزامن مع ما تم التوصل إليه في سويسرا بين أمريكا وإيران حول لبنان، حيث قام روبيو فور التوقيع على اتفاق الإطار في واشنطن بجولة على دول الخليج، وأصدرت أمريكا ودول الخليج بيانًا رحب فيه بالاتفاق بين لبنان وإسرائيل، لكن روبيو ودول الخليج أدانوا إيران بحجة أنها تدعم، بحسب البيان، المجموعات المسلحة في لبنان. لكن إيران أكدت أن روبيو يحاول بهذه التحركات إفشال الاتفاق الأمريكي الإيراني، وأشارت التعليقات الإيرانية إلى وجود انقسام في إدارة ترامب، مؤكدة وجود انفلات وفوضى، حيث إن روبيو يقوم بالترويج لاتفاق واشنطن بين إسرائيل ولبنان الذي يكرس الاحتلال لمناطق واسعة احتلتها إسرائيل خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، في حين يتبنى نائب الرئيس جي. دي. فانس في المقابل الاتفاق الأمريكي الإيراني، والذي تمخض عن تشكيل لجنة ثلاثية إيرانية أمريكية لبنانية من أجل المحافظة على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان. وأشار الكثير من المحللين إلى وجود تناقض وفوضى في السياسة الأمريكية، حيث إن فانس يشرف على لجنة ثلاثية لإتمام الانسحاب، بينما يتبنى الوزير روبيو لجنة عسكرية وأمنية لبنانية إسرائيلية أمريكية يبدو أن مهمتها تكريس الاحتلال واعتبار حزب الله والمقاومة هما المشكلة الأساسية في لبنان، ويجب التخلص من حزب الله ليس باعتباره جزءًا من الشعب اللبناني، بل بكونه جناحًا للحرس الثوري الإيراني، ولا بد من نزع سلاح حزب الله، وهو ما يرفضه الحزب جملة وتفصيلًا، ومعه عدد كبير من القوى الوازنة في لبنان.
وفي ظل انفلات السياسة الأمريكية وتخبط إدارة ترامب في إدارة هذا الملف الخطير، وظهور خلافات عميقة مع إسرائيل حول جبهة لبنان تحديدًا، وانعكاس الخلاف حول مهام وعمل اللجنتين اللتين تم إقرارهما في واشنطن وسويسرا، فإن لبنان يتعرض لعملية شد وجذب ويقف بين قوى دولية وإقليمية تحاول كل منها شده إلى جانبها، ما يعني ببساطة أن لبنان، البلد السياحي الجميل والصغير، والذي تحكمه سلطة موالية لأمريكا مئة بالمئة ممثلة بالرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، وكلاهما يكن عداءً شديدًا للمقاومة ولحزب الله، ويريدان التخلص منه ونزع سلاحه بالقوة، ويريدان زج الجيش اللبناني في هذه المهمة المستحيلة، بات بركانًا للتوتر والصراعات، بينما يبقى في الأصل رسالة سلام في المنطقة.
وحسب الرؤية التركية، فإن إسرائيل تعمل على تحويل الساحات اللبنانية والعراقية والسورية إلى ساحة صراع طائفية وإقليمية. لكن في ضوء الأحداث التي شهدها لبنان والموقف العربي الذي بقي أدنى من المطلوب أمريكيًا وإسرائيليًا، فلم يظهر العرب حماسة كبيرة لزيارة روبيو الذي جاء إلى المنطقة للترويج لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل على حساب الاتفاق الذي وقعه فانس في جنيف مع الجانب الإيراني، والذي اعتبرته الحكومة الإسرائيلية كارثة حقيقية وانتصارًا كبيرًا لإيران التي أخذت كل ما تريد ولم تعطِ شيئًا لإسرائيل وأمريكا، وإنما تطالب إيران بالتعويض عن خسائرها. وهذا ما يتضمنه أحد بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني، والذي ينص على منح إيران 300 مليار دولار كتعويض عن خسائرها.
فالمشكلة في لبنان أصبحت مركبة وعصية على الحل، فالاتفاق في سويسرا يتناقض مع الاتفاق في واشنطن، مع أن أمريكا ترعى الاتفاقين، ولأول مرة منذ انتهاء الحرب الأهلية يعود الشارع اللبناني ويقف أمام عتبة الخطر الداهم، خاصة وأن أمريكا حاولت القفز فوق المشكلة في لبنان وتجاوزت مطامح إسرائيل في الأراضي اللبنانية، وتجاوزت أيضًا النصائح الفرنسية والموقف الفرنسي الذي يعتبر أساسيًا عند أي حديث عن لبنان بالنظر إلى العلاقة التاريخية التي تربط بيروت وباريس. وبدلًا من ذلك، اعتبرت إدارة ترامب أن اتفاقها مع إيران ينهي الأزمة في لبنان، وهذا ما لم يحصل، إذ إن إسرائيل هي أساس المشكلة مع إيران ومع لبنان أيضًا.
ويبدو أن الانقسام الذي تسبب به اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وما تثيره بنود الاتفاق من استهجان في لبنان على نطاق واسع، يمكن أن يؤدي هذا الانقسام الحاد إلى إسقاط الاتفاق في الشارع كما حصل لاتفاق 17 أيار عام 1983.
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى الموقف الإقليمي، وبخاصة الموقف السوري والتركي، حيث إن تركيا وقفت بالمطلق ضد إسرائيل التي تسعى لإقامة مناطق عازلة ومناطق أمنية في الجنوب اللبناني والجنوب السوري بعد تدمير البنى التحتية وتهجير السكان، وربط الجنوبين السوري واللبناني بواسطة هضبة جبل الشيخ التي احتلتها إسرائيل فور سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. وخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وقفت أنقرة إلى جانب طهران وأدانت العدوان الإسرائيلي الأمريكي المزدوج، وهذا ما أثار امتعاض إسرائيل وإدارة ترامب.
ومحاولات أمريكا وإسرائيل فصل دول المنطقة عن الصراع العربي الإسرائيلي التاريخي أمر غير ممكن، ذلك لأن لبنان، في نهاية المطاف، إذا حارب إلى جانب حماس أو إلى جانب إيران، فإنه يحارب عدوًا تاريخيًا يحتل أرضه، وهذه نقطة تحسب للمقاومة في لبنان، ولا يمكن إدانة أي قوة تقاتل محتلًا. ولا يمكن لأمريكا أن تقنع أحدًا بأن العرب يقاتلون إسرائيل مع إيران، لكن العكس هو الصحيح: إيران تساند العرب في دحر الاحتلال.
ومن الآن حتى حسم موضوع الوجود الإسرائيلي في لبنان، وقد أعلن رئيس حكومة الاحتلال أنه سيقوم بالانسحاب من المنطقتين التجريبيتين اللتين نص عليهما اتفاق الإطار، ومن المقرر أن يدخل الجيش اللبناني بعد انسحاب إسرائيل إلى المنطقتين في جنوب لبنان، فإذا ما كانت الضغوط الأمريكية حادة فإن إسرائيل ستكون مجبرة في نهاية المطاف على الانسحاب من كامل لبنان كما انسحبت تحت الرصاص في العام 2000. وإذا ما وجد نتنياهو نفسه محشورًا في الانتخابات القادمة المقررة في 27 تشرين الأول، فإنه قد يتهور من جديد ويواصل الحرب على لبنان، وباتجاه الجنوب السوري أيضًا، بذريعة سحب سلاح حزب الله اللبناني، الذي يقاتل دون هوادة ويهدد بنقل المعركة إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
إن انعكاس التوتر بين واشنطن وطهران سريع في لبنان، وربما يحاول حزب الله وحلفاؤه إسقاط اتفاق الإطار في الشارع، وربما تصدق توقعات البعض ويصبح لبنان ساحة صراع دولي من جديد إذا ما أصرت إسرائيل وأمريكا على تفكيك البنية العسكرية لما تسميانه المجموعات المسلحة، وهذا من سابع المستحيلات في هذا الظرف والتوقيت حيث يضع الجميع أصابعهم على الزناد وتدعم إيران حزب الله بالمال والسلاح. وهكذا، فإن الاتفاق الذي رعاه روبيو بين لبنان وإسرائيل وهللت له حكومة الاحتلال باعتباره انتصارًا تاريخيًا لها، هذا الاتفاق تحول إلى مشكلة وليس إلى حل، ولا يمكن تعداد بنود الاتفاق لأنها من ألفها إلى يائها تعبر عن تطلعات ومطامح إسرائيل. ويكفي أن نشير إلى أن نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، وصف الاتفاق بأنه وصفة للحرب الأهلية والفتنة، وحذر اللبنانيين من وقوعها، وأكد على الوحدة، واعتبر اتفاق الإطار أسوأ عشر مرات من اتفاق 17 أيار الذي ولد ميتًا وأسقطه اللبنانيون عام 1984.
يحيى كوسا

