
في التاسع من أغسطس 2026، ومع دخول الحرب الإقليمية المشتعلة شهرها السادس، كانت العاصمة اللبنانية بيروت تستعد لاستضافة اجتماع حاسم وصفته الأوساط الاقتصادية بأنه “الخطوة الأولى نحو فك الحصار الطاقوي عن شرق المتوسط”. فوفقاً لمصادر إعلامية محلية، يعقد بعد ظهر يوم الاثنين اجتماع برئاسة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وبمشاركة وزراء الطاقة والمياه جو الصدي، والمالية ياسين جابر، والأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وممثلين عن الجمارك والأمن العام، لوضع خريطة طريق للمتطلبات اللوجستية والإدارية لنقل الفيول العراقي براً عبر الأراضي السورية إلى منشآت النفط في طرابلس. هذا الاجتماع، الذي يتزامن مع جولة تفقدية لوزير الطاقة جو الصدي لمنشآت طرابلس للاطلاع على وضع الخزانات والبنية التحتية، لم يكن مجرد لقاء إداري عابر، بل كان إعلاناً عن ولادة محور طاقوي جديد يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر سوريا ولبنان، في تحدٍ صريح للهيمنة الغربية على ممرات الطاقة، وكسر للحصار الذي تفرضه الحرب على مضيق هرمز، وإعادة إحياء لأحد أقدم مشاريع الطاقة في المنطقة بعد عقود من الجمود.
لم تكن هذه التحركات وليدة لحظة انفعال عابرة، بل كانت ثمرة دبلوماسية مكثفة توجت بزيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى بغداد في 26 يوليو 2026. ففي تلك الزيارة، التي وصفها المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، مدير محمد صالح، بأنها محاولة “لإعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية التي يقع ملف الطاقة في قلبها”، بحث الجانبان آفاق استئناف مشروع خط أنابيب كركوك-طرابلس، الذي يمر عبر الأراضي السورية، بالإضافة إلى تمديد اتفاق تزويد لبنان بالفيول العراقي الذي كان يشكل شريان حياة لمؤسسة كهرباء لبنان في ذروة أزمتها المالية. العراق، الذي يعاني من إغلاق مضيق هرمز جراء الحرب، حيث انهارت صادراته النفطية من نحو 4.2 ملايين برميل يومياً في فبراير إلى 1.5 مليون برميل في مايو، يبحث عن منافذ تصدير بديلة إلى البحر المتوسط. لبنان، الذي يعاني من أزمة طاقة خانقة، يبحث عن مصدر موثوق للفيول لتشغيل محطات الكهرباء. وسوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية، ترى في هذا المشروع فرصة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية وجني عوائد العبور. هذا التقاء المصالح الثلاثي، الذي وصفه وزير الطاقة اللبناني جو الصدي بأنه “إيجابي جداً”، يضع الأساس لأول محور طاقوي عربي-عربي حقيقي منذ عقود.
جوهر أهمية هذا المشروع يتجاوز بكثير مجرد صفقة تجارية بين ثلاث دول. فهو، في جوهره، تحدي استراتيجي للهيمنة الغربية على ممرات الطاقة في المنطقة. فمنذ إغلاق مضيق هرمز فعلياً جراء الحرب، أصبحت الحاجة إلى ممرات بديلة لنقل النفط العراقي والخليجي إلى الأسواق الأوروبية والعالمية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. المشروع المقترح، الذي يتضمن نقل الفيول العراقي عبر صهاريج براً من العراق إلى سوريا ثم إلى لبنان، يوفر طريقاً برياً بديلاً يختصر المسافات ويتجاوز المخاطر البحرية. والأكثر طموحاً، أن النقاشات تشمل أيضاً دراسة إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس السوري، ومد فرع منه إلى طرابلس اللبنانية، بل وبناء مصفاة جديدة في شمال لبنان. هذه الرؤية الطموحة، التي وصفها رئيس الوزراء سلام بأنها “استراتيجية” نظراً لقدرات لبنان التخزينية وآفاق زيادة الإنتاج العراقي، تهدف إلى تحويل لبنان من مجرد مستورد للطاقة إلى مركز إقليمي لتخزين وإعادة تصدير النفط، في تحول جيواقتصادي قد يعيد تعريف دور لبنان في المنطقة.
الأبعاد الجيوسياسية لهذا المشروع لا يمكن تجاهلها. فالاجتماع الذي يرأسه سلام، والذي يضم وزراء المالية والأشغال والنقل وممثلي الأمن العام والجمارك، يركز بشكل أساسي على تجهيز المعابر الحدودية الشمالية مع سوريا وتأهيلها لاستقبال حركة الصهاريج. هذا التركيز على الجانب اللوجستي، وإن بدا تقنياً، يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة: لبنان وسوريا والعراق عازمون على تجاوز العقبات البيروقراطية والأمنية التي حالت لعقود دون إحياء هذا المشروع. وكما لاحظ المراقبون، فإن إحياء خط كركوك-طرابلس يأتي في سياق “دبلوماسية الطاقة الإقليمية المتسارعة” التي تشمل العراق وسوريا ولبنان وتركيا، ويعكس تحولاً في الأولويات الإقليمية بعيداً عن الاعتماد على الممرات البحرية التي تسيطر عليها القوى الغربية.
في خضم هذا المشهد، يبرز الموقف الروسي كمراقب حكيم لهذه التطورات، وإن كان يحمل في طياته بعض التحفظات. فروسيا، التي كانت المورد الرئيسي للنفط إلى سوريا حتى بعد سقوط نظام الأسد، ترى في هذا المشروع فرصة لتعزيز الاستقرار في سوريا ولبنان، ولكنها أيضاً تدرك أن أي انفتاح طاقوي عربي قد يقلص من نفوذها النفطي في المنطقة.
ومع ذلك، فإن التقارير تشير إلى أن روسيا تدعم المساعي العراقية لإعادة فتح خط أنابيب النفط إلى سوريا، مما يعكس رؤية براغماتية تفضل الاستقرار الإقليمي على حساب الهيمنة المطلقة. الكرملين، الذي كان قد حذر مراراً من مغبة ترك المنطقة تحت رحمة تقلبات الأسواق العالمية والهيمنة الغربية، يرى في هذا المشروع تأكيداً على أن الحلول الإقليمية، رغم بطئها، هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار الدائم.
في الجانب الآخر، يبدو أن واشنطن تنظر إلى هذا المشروع بعين الرضا الحذر. فوزير الطاقة الأميركي كريس رايت حضر توقيع الاتفاق بين شركة نفط البصرة العراقية والشركة السورية للنفط لإحياء خط كركوك-بانياس، مما يشير إلى أن الإدارة الأميركية ترى في هذا المشروع فرصة لتقليل اعتماد أوروبا على النفط الروسي، ولتوفير بديل آمن للإمدادات في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز. هذا الموقف الأميركي المتناقض، الذي يجمع بين دعم المشروع والقلق من تعزيز النفوذ الروسي في المنطقة، يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي الراهن، حيث تتداخل المصالح وتتصارع الأولويات.
في المحصلة، فإن تحضيرات لبنان لاستقبال الفيول العراقي عبر سوريا ليست مجرد خطوة في جدول أعمال حكومي، بل هي إعلان عن بداية مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي في مجال الطاقة، وتحدٍ صريح للهيمنة الغربية على ممرات الطاقة، وإعادة إحياء لأحد أقدم مشاريع الربط الطاقوي في المنطقة. هي رسالة إلى العالم بأن الشرق الأوسط، رغم حروبه وأزماته، لا يزال قادراً على إنتاج حلول عملية لمشاكله، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. في هذا السياق، يظل مشروع الفيول العراقي عبر سوريا إلى لبنان أكثر من مجرد صفقة تجارية، بل هو رمز للتعاون العربي-العربي، وجسر للتواصل بين دول كانت حتى الأمس القريب على طرفي نقيض، وأداة لبناء مستقبل أفضل لمنطقة أنهكتها الحروب. والأهم من كل ذلك، فإن إنجاح هذا المشروع سيمثل ضربة استراتيجية لمحاولات عزل سوريا ولبنان عن محيطهما العربي، وسيفتح الباب أمام مشاريع تكاملية أكبر قد تعيد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط برمتها. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستنجح العواصم الثلاث في تجاوز العقبات اللوجستية والأمنية التي حالت دون إحياء هذا المشروع لعقود، أم أن المصالح المتضاربة والضغوط الخارجية ستعيد دفن الحلم مرة أخرى؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن ما هو مؤكد أن قطار الطاقة الجديد قد انطلق من بغداد، وسيمر بدمشق، ليصل إلى طرابلس، ولن يكون من السهل إيقافه.

