
سادت حالة من الهستيريا والخوف في أوروبا بعد خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام المشاركين في منتدى فالداي الدولي، والذي أكد فيه أن روسيا تدافع عن نفسها، وأنها اضطرت إلى استخدام السلاح والرد على العدوان الذي شُن عليها.
وحذر بوتين حلف شمال الأطلسي من تنفيذ تهديداته بشأن مقاطعة كالينينغراد، وحدد ملامح المواقف الروسية من القضايا الداخلية والخارجية في ضوء تصاعد التوتر بين روسيا وأوروبا، بما ينذر، بحسب المقال، بوقوع تطورات خطيرة.
وفي خطاب شامل أمام المشاركين في منتدى فالداي الدولي للحوار في موسكو، رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة للعالم كما يراه في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا، منتقداً ما وصفه بتعطيل أوروبا للمفاوضات وإغداقها على نظام فولوديمير زيلينسكي بالأسلحة والأموال بلا حساب.
وتناول بوتين أيضاً النظام العالمي متعدد الأقطاب بعد تراجع نظام الأحادية القطبية وفشله في تحقيق الأمن والاستقرار، وندد بالعقوبات والتجاوزات والفوضى التي كرسها هذا النظام منذ سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، كما استهجن ظاهرة الروسوفوبيا الهادفة إلى تشويه روسيا وتاريخها وحضارتها وقيمها.
وخاطب بوتين المشاركين، وهم من النخب السياسية والفكرية والأكاديمية من 40 دولة، ليس بوصفه سياسياً وقائداً فحسب، بل كمواطن روسي يحمل تاريخ بلاده وأحلامها وخلاصها على كاهله، مؤكداً حتمية انتصار روسيا في حربها مع أوكرانيا والناتو، ومعلناً في الوقت نفسه أن موسكو مستعدة، وفق شروط مقبولة، لبدء مفاوضات بشأن التسوية في أوكرانيا وإنهائها في أسرع وقت ممكن.
ولم يكن خطاب الرئيس بوتين خطاباً عادياً، كتلك الخطابات السنوية التي ألقاها في منتديات فالداي على مدار 22 عاماً، بل جاء شاملاً ومفعماً بالروحانية والقيم الشرقية، وموجهاً ليس إلى الروس وحدهم أو إلى أوروبا والنخب الأوروبية فحسب، بل إلى كل ذي عقل على وجه الأرض.
ولفت المقال إلى أن بوتين كان للمرة الأولى يفصل بين أوروبا وأميركا، مردداً أنه لا يُسمح لأحد بأن يطمع بأرض روسيا المقدسة. كما عرض، بحسب النص، ملامح السياسة الروسية الثابتة بوضوح وانسيابية، من دون تكلف أو غموض.
ويرى المقال أن ما قاله بوتين يشير إلى أن الضربة القاضية لأوكرانيا قادمة لا محالة، وأن روسيا لا يمكن هزيمتها، كما يقول محللون. ويستعيد في هذا السياق مقولة منسوبة إلى المسيح عن حبة القمح التي يجب أن تنزل إلى الأرض وتموت كي تصبح سنبلة، في تشبيه لصمود روسيا بقيادة بوتين.
ويضيف أن كفاح روسيا خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى مواجهة الناتو بعد سقوط جدار برلين وحتى اليوم، يشبه “جهاداً مقدساً”، على حد تعبير المقال، وهو ما لا تستطيع أوروبا فهمه، بينما يسعى بوتين إلى تغيير العالم من دون أن يتغير هو، ويبقى متمسكاً بمبادئه.
ويستحضر المقال خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، معتبراً أن أوروبا إذا نسيت ذلك الخطاب وما حمله من مواقف، فلن تنسى أبداً خطابه الأخير في منتدى فالداي الدولي، لأنه، بحسب النص، لم يكن مجرد خطاب، بل “صرخة” في كل كلمة وجملة.
ورغم أن الخطاب تناول جوانب الحياة الإنسانية والسياسية والأزمات والتحديات التي تواجه روسيا في الداخل والخارج، وفي الحرب والسلام، وفي الماضي والحاضر، فإن الرئيس الروسي خصص مساحة واسعة للوضع الخطير والتوترات بين روسيا وأوروبا، وحمّل أوروبا المسؤولية عن استمرار الحرب في أوكرانيا.
وأشار إلى الخسائر الفادحة التي تتكبدها أوروبا، وحذر من الكارثة التي تنتظرها في ظل مشكلات داخلية وأزمة طاقة وارتفاع في الأسعار، جراء حرب الاستنزاف التي تشنها على روسيا منذ 4 سنوات و8 أشهر. ومع ذلك، يواصل الأوروبيون، بحسب المقال، سياسة التصعيد وكأنهم “شخص يريد الانتحار” عبر إرسال المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا.
ويؤكد النص أن الأسلحة الغربية تبقى، مهما بلغ الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا، عاجزة أمام السلاح الروسي الذي لا قبل للغرب بمجاراة قدراته.
وفي إطار المواقف من الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، لفت الرئيس الروسي إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى لوضع حد للقتال مع اقتراب الشتاء، مشيراً إلى أن ترامب يبدي رغبة صادقة في الوصول إلى حل ينهي الحرب ويؤدي إلى تسوية مقبولة.
وعلى الضفة المقابلة، يقول المقال إن أوروبا، والدول التي تلعب دور الصقور داخل الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وبريطانيا وبولندا وليتوانيا والنرويج، تقوم بتحركات استفزازية ضد مقاطعة كالينينغراد وتهدد بحصارها ومنع الغذاء والدواء عن سكانها، في محاولة لإبعاد روسيا عن بحر البلطيق، إلى جانب القيام بمناورات استفزازية وقصف البواخر والسفن الروسية، بهدف تحويل بحر البلطيق إلى بحيرة أوروبية خالصة لدول الناتو.
لكن الرئيس بوتين اعتبر ذلك، وفق النص، “شرّاً مستطيراً” وخطاً أحمر، ووجّه من منتدى فالداي رسالة حازمة أكد فيها أن روسيا ستستخدم جميع الأسلحة المتاحة في ترسانتها للدفاع عن كالينينغراد إذا تعرضت للتهديد أو العزل، مع إشارته إلى أن موسكو لا تخطط لمهاجمة أي طرف، بل ترد على أي عدوان.
كما أشار بوتين إلى أن تراجع الهيمنة الغربية سيسهم تدريجياً في تحسين المشهد الدولي، مؤكداً أن التفاوض على صياغة نظام عالمي جديد يقوم على تعددية قطبية عادلة أصبح أمراً حتمياً لا مفر منه، عاجلاً أم آجلاً، من أجل حفظ السلام والأمن.
وبالتوازي مع المواقف التي أعلنها الرئيس بوتين في كلمته أمام منتدى فالداي، يرى المقال أن روسيا الاتحادية تتجه واقعياً لتحقيق انتصار عسكري جديد وحصد ثمرة تضحياتها، مع توقعات بأن تحقق مزيداً من المكاسب الميدانية والسياسية والاقتصادية في مواجهة أوكرانيا والناتو خلال الشتاء المقبل، بعد حرب طويلة بدأت في 24 فبراير/شباط 2022 وتداعياتها على أوروبا والعالم.
وفي ضوء إعلان كل من موسكو وكييف رغبتهما في استئناف المفاوضات، تتجه الأنظار إلى روسيا، إذ يرى النص أن كل الطرق تؤدي إلى الكرملين الذي يفتح أبواب الحوار والدبلوماسية، وذلك بعد زيارة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو وكييف في 6 أيلول/سبتمبر 2026.
ومع التصعيد الأوكراني ومحاولات أوروبا عرقلة الجهود الأميركية وتعطيل المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب تزويد نظام زيلينسكي بالأسلحة والطائرات المسيّرة والصواريخ والأموال بلا حساب، وقصف العمق الروسي ومحطات الطاقة وترهيب المدنيين في المدن والبلدات الروسية، زاد الجيش الروسي والقوات الجوفضائية الروسية من زخم عملياتهما البرية والجوية، وفق ما جاء في المقال.
ويشير النص إلى أن القوات الروسية وجهت سلسلة ضربات إلى عدد من محطات الكهرباء والطاقة والبنية التحتية ومراكز الاتصالات في كييف وأوديسا، فيما تولى المستوى السياسي تحذير أوروبا، وبخاصة بريطانيا وبولندا وليتوانيا والنرويج، من مغبة التمادي في تزويد نظام كييف بالطائرات المسيّرة وصواريخ باتريوت لاستهداف العمق الروسي وعرقلة التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
كما حذرت روسيا من أن أي محاولة لفرض حصار جوي أو بحري على كالينينغراد أو عزلها عن الأراضي الروسية ستقابل برد باستخدام جميع الوسائل المتاحة، بما فيها الأسلحة النووية، بحسب ما أورده النص.
ويضيف المقال أن لافروف أوصى بولندا بالاطلاع على العقيدة العسكرية الروسية، التي تسمح التعديلات التي أدخلها الرئيس بوتين عليها بإدخال السلاح النووي ضمن هذه العقيدة. ونقل النص عن بوتين قوله: “ما نفع العالم بدون روسيا”.
ويتوقع كثير من الخبراء العسكريين، بحسب المقال، أن يكون الشتاء القادم حاسماً، سلماً أو حرباً، بعد رفض زيلينسكي المقترحات الأميركية الأخيرة ووصفها بأنها غير ذات جدوى. كما يترقب العالم، وفق النص، نتائج القمة الثلاثية الصينية الروسية الأميركية المرتقبة على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في مدينة شنتشن الصينية في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، والتي ستبحث قضايا الأمن والاستقرار في العالم والحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار والحرب في الشرق الأوسط.
كما تشارك روسيا في قمة مجموعة العشرين في ميامي بالولايات المتحدة في منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل، وقد وجه وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو الدعوة للرئيس بوتين لحضور القمة، بحسب النص. ويرى المقال أن بوتين سيحمل إلى القمتين موقفاً روسياً حاسماً وواضحاً عنوانه رفض أي وقف للقتال قبل التوصل إلى تسوية شاملة، والمضي في الحرب على أوكرانيا حتى تحقيق الانتصار وإلحاق الهزيمة الكاملة بنظام زيلينسكي.
وهكذا، فالحرب التي تخوضها روسيا منذ 24 فبراير/شباط 2022 في مواجهة أوكرانيا والغرب هي، بحسب المقال، حرب دفاعية بعد أن تمادى الناتو في التمدد شرقاً لتطويق روسيا وخنقها، رغم تعهد الغرب بعدم التمدد شرقاً منذ سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989.
ويخلص النص إلى أنه، وبعد قرابة 5 سنوات، تخرج روسيا الاتحادية مرفوعة الرأس في مواجهة أوكرانيا والناتو، وبدلاً من خشيتها من تمدد الناتو، أصبح الغرب يخشى روسيا التي أصبحت، بحسب المقال، أقوى دولة أوروبية وأغنى دولة بما تمتلكه من قدرات عسكرية وموارد اقتصادية وثروات طبيعية على مساحة جغرافية تمتد بين قارتي أوروبا وآسيا وتعادل مساحة الصين والولايات المتحدة معاً.
وكما يقول بوتين: ما نفع العالم من دون روسيا.
يحيى كوسا

