
يكرر التاريخ نفسه في العراق، فكما تحرر هذا البلد في القرن الماضي ونال استقلاله عن البريطانيين على مرحلتين، كذلك يفعل اليوم في القرن الحادي والعشرين.
فمع اشتداد المقاومة العراقية في عام 2011 قلصت القوات الأميركية تواجدها في العراق، وأعلنت عملياً انتهاء احتلالها لهذا البلد، لكنها أبقت على قواعدها في عدد من المناطق، وأكبرها قاعدة عين الأسد في الأنبار وقاعدة أربيل شمال العراق.
وبعد عودة تنظيم الدولة الإرهابي في عام 2014 وسيطرته على الموصل وإعلانه إقامة دولته الداعشية على أجزاء من الأراضي العراقية والسورية، استغلت أميركا، التي خرجت من الشباك في 2011 لكنها عادت من الباب إلى العراق في 2014، بحجة محاربة تنظيم داعش الإرهابي، رغم أن التنظيم كان بحد ذاته صنيعة أميركية.
وهكذا فإن قرار الانسحاب في 30 سبتمبر 2026 لم يأت فجأة، ولكنه أخذ خطوات متسارعة منذ دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض في ولايته الثانية. وتم تخفيض عدد القوات الأميركية في الأشهر الأخيرة، وذلك عقب توقيع واشنطن وبغداد اتفاقاً في 2024 يقضي بانسحاب تدريجي للقوات الأميركية التي بقيت لدعم العمليات الرامية لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وفي يناير الماضي غادر الجنود الأميركيون قاعدة عين الأسد الرئيسية بالكامل، وسلموا السيطرة لقوات الأمن العراقية.
وبعد الانسحاب من عين الأسد، بقيت القوات الأميركية في أربيل بإقليم كردستان، وفي قاعدة قرب مطار بغداد، وفي المنطقة الخضراء في بغداد، حيث كان يوجد في العراق حوالي 2500 جندي أميركي.
واليوم يستعيد العراق استقلاله الثاني عن الاحتلال الأميركي أيضاً على مرحلتين، كما كان الحال مع الاحتلال البريطاني في القرن الماضي. فقد انسحبت بريطانيا عام 1958 بعد الثورة العراقية، وكانت القوات البريطانية دخلت بغداد في 11 مارس 1917 لتنتهي حقبة الحكم العثماني للعراق التي دامت نحو 4 قرون.
وأعطت بريطانيا العراق الاستقلال الرسمي في 3 أكتوبر 1932، ورغم إعلان الاستقلال أبقت على نفوذ سياسي وقواعد عسكرية جوية مهمة في البلاد مثل قاعدتي الحبانية والشعيبة، وكان الخروج النهائي والكامل في 1958 بعد قيام ثورة 14 تموز.
اليوم يعيد التاريخ نفسه، ويسجل 30 سبتمبر 2026 يوماً تاريخياً بخروج آخر جندي أميركي من أرض الرافدين بعد 23 عاماً من الوجود العسكري لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي غزت العراق بمشاركة كاملة من بريطانيا بدعوى وجود أسلحة دمار شامل، وتبين لاحقاً أنها كذبة العصر، وأن العراق خال تماماً من الأسلحة الكيماوية وأسلحة الدمار الشامل.
ثم بعد سنوات من المقاومة العراقية الشرسة التي استمرت بزخم كبير من 2007 حتى 2011، أجبرت واشنطن على إعلان الانسحاب من العراق بعد خسارة آلاف الجنود وإصابة عشرات الآلاف، لكنها رغم إعلان الانسحاب أبقت على وجود عسكري في قواعدها المنتشرة في أربيل في الشمال وفي الجنوب، وفي قاعدة عين الأسد في الأنبار وسط العراق، وهي أكبر قاعدة أميركية في العراق.
وفي المرحلة الثانية من الاحتلال الأميركي، من 2011 حتى خروج آخر جندي أميركي في 30 سبتمبر 2026، كان المبرر للوجود العسكري الأميركي قيادة تحالف دولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي. ولكن الشعب العراقي هاجم ما يعرف بالدولة الإسلامية التي أقامتها داعش بين الموصل والرقة بزعامة أبو بكر البغدادي، وقضى عليها بعد صدور فتوى من المرجعية العراقية السيد علي السيستاني بالجهاد. واستطاعت الفصائل العراقية والحشد الشعبي، الذي انضم لاحقاً إلى الجيش العراقي، القضاء على الدولة الإسلامية الداعشية في عام 2017 بعد نحو 4 سنوات من القتال حكمت خلالها داعش مناطق واسعة بين الموصل والرقة.
وقتل التحالف الدولي زعيم داعش، وبقي بعد القضاء على التنظيم الإرهابي يقوم بعمليات متفرقة ضد التنظيم الذي يحاول اليوم إعادة تنظيم وتجميع خلاياه النائمة.
والمفارقة أن قرار الانسحاب من العراق جاء في خضم الحرب الأميركية مع إيران، وفي ظل الحرب على داعش، قال عنه ترامب مراراً إنه صنيعة الإدارة الديمقراطية السابقة، كما أقرت بذلك وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون نفسها.
وفي أول ردود الفعل على انسحاب آخر جندي أميركي من العراق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 30 سبتمبر 2026، بعد انسحاب آخر جندي أميركي من قاعدة أربيل شمال العراق باتجاه تركيا، مساء ذلك اليوم: يسرني أن أعلن أن آخر القوات الأميركية تغادر العراق اليوم. وأشاد برئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي الذي زاره في البيت الأبيض فور تعيينه في مايو 2026، وأضاف ترامب أن مغادرة قوات التحالف ومعداته من قاعدة أربيل الجوية تمثل نهاية الوجود العسكري الذي بدأ قبل سنوات.
وحاول ترامب تبرير قرار الانسحاب قائلاً: كان أمامي خيار البقاء في العراق أو المغادرة، وقررت أن الوقت حان لعودة الأميركيين إلى الوطن بعد 23 عاماً.
وشدد ترامب على أنه حدد مهمة واضحة للقوات، وأنه رفض أن يتحول الوجود المؤقت إلى وجود دائم. وقال: هذا يوم عظيم لأميركا، وانتصار للولايات المتحدة والعراق، وانتصار حاسم على تنظيم الدولة.
وأكد أن انسحاب القوات تم بصورة منظمة على عكس عملية الانسحاب من أفغانستان، في إشارة إلى الفوضى التي تركها الأميركيون وراءهم بعد قرار الرئيس الديمقراطي جو بايدن الانسحاب من أفغانستان.
وأكد ترامب في نهاية تصريحاته حول قراره التاريخي سحب القوات الأميركية من العراق أن الانسحاب المنظم من أربيل يمثل نهاية رحلة مكلفة للغاية، وأعرب عن أمله في أن يتمكن رئيس الوزراء العراقي من إدارة الأمور بشكل جيد.
وفور انسحاب آخر جندي أميركي من قاعدة أربيل شمال البلاد، نظمت القوى العراقية والحكومة احتفالات رسمية بهذه المناسبة. وأكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن انسحاب القوات الأميركية وانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق يعلنان بداية مرحلة جديدة عنوانها السيادة الوطنية. وشدد على موضوع حصر السلاح بيد الدولة، وقال إن الدولة تمضي قدماً في خططها لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مشيراً إلى أن معظم الفصائل بدأت بتسليم أسلحتها للدولة. وأشار إلى أن العراق يفتح صفحة جديدة مع واشنطن في إشارة إلى أن أميركا تنتقل في علاقاتها مع العراق من العسكرة إلى التنمية عبر شركاتها واستثماراتها المنتشرة في البلاد.
وبالتوازي مع احتفال العراق بخروج آخر جندي أميركي من أرضه، قرر رجل الدين العراقي مقتدى الصدر حل لواء اليوم الموعود فوراً وتحويل جيش الإمام إلى مؤسسة أنصار الإمام المهدي، وطالب الجيش الأميركي بتعويضات عن أضرار الاحتلال، ودعا إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن، كما حذر الولايات المتحدة ودول الجوار من التدخل في الشؤون العراقية، ملوحاً بقطع العلاقات والتعامل بالمثل.
وبمناسبة جلاء القوات الأميركية من العراق، أكد السيد عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة، خلال احتفالات نظمها الحشد الشعبي والإطار التنسيقي الذي ينتمي إليه الزيدي باعتباره تجمع أحزاب وقوى تشكل أكبر كتلة في البرلمان العراقي، على دور المرجعية في توحيد الشعب العراقي على اختلاف صنوفه، واعتبر الحكيم أن انتهاء مهام التحالف الدولي لمحاربة داعش يضاعف مهامنا لمواجهة الإرهاب ومنع عودته، وقال إن وحدة العراقيين هي السند الحقيقي لسيادتهم وتنوعهم القومي والديني يشكل مصدر ازدهار.
وبمناسبة جلاء آخر جندي أميركي عن العراق، شهدت العاصمة بغداد والمحافظات العراقية احتفالات رسمية وشعبية واسعة بمناسبة يوم السيادة الوطني، ذكرى جلاء قوات التحالف الدولي والانسحاب الأميركي الكامل، والذي تم تحديده وتوثيقه رسمياً، حيث قرر مجلس الوزراء في 30 سبتمبر 2026 تعطيل الدوام الرسمي لعدة أيام لإتاحة الفرصة للمواطنين والمؤسسات للاحتفاء بهذه المناسبة التاريخية.
صحيح أن أميركا خرجت من العراق، لكنها تركت وراءها أزمات ومشاكل لا تعد ولا تحصى تراكمت خلال فترة الاحتلال التي استمرت عملياً 23 عاماً، رغم أن أميركا أعلنت انسحابها عام 2011، لكنه إعلان صوري ولم يكن إعلاناً واقعياً، وإنما حاولت بعد تشكيل تنظيم داعش الإرهابي إيجاد مبرر للعودة بحجة محاربة الإرهاب، وليس كدولة احتلال.
واليوم، بعد الانسحاب الأميركي، لا يزال النفوذ الأميركي طاغياً على الحياة السياسية العراقية، ولا يزال القرار السيادي منقوصاً بسبب سيطرة القوى والأحزاب التي ربطت مصيرها بالاحتلال على مدى أعوام، بعد أن كرس الاحتلال النظام القائم على المحاصصة الطائفية، حيث تمتلك أميركا عبر الاستثمارات والشراكة الاقتصادية مع الحكومة العراقية نفوذاً قوياً بعد انسحابها العسكري.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية إبرام صفقات نفطية مع العراق لاستخراج كميات كبيرة من النفط وتوفير فرص عمل للبلدين.
ومهما بلغ النفوذ الأميركي في العراق، فإن 30 سبتمبر 2026 يعد هزيمة لأميركا وتحالفها الدولي، وانتصاراً تاريخياً للعراق وشعبه الذي قاوم الاحتلال وهزمه، وقاوم تنظيم داعش الإرهابي وقضى عليه. كما لا يزال العراق الرسمي والشعبي، بقواه وجيشه وفصائله في الحشد الشعبي وخارج الحشد، يقف إلى جانب إيران في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي، ولا يزال الشعب العراقي صامداً يتحدى الصعوبات بإرادته القوية، فلا ينكسر أمام المحن والأهوال والمصاعب، كالذهب يزداد صلابة ولمعاناً كلما تعرض للهيب الجمر والنار.
يحيى كوسا

