ما أشبه اليوم بالأمس. حيث تلعب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل دورا مشابها للدور الذي لعبته فرنسا وبريطانيا في بلادنا قبل مائة عام….
ويبدو مشروع تقسيم سوريا على أساس طائفي وعرقي وفق الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد نسخة إسرائيلية أمريكية معدلة عن سايكس بيكو حيث يستعجل المبعوث الأمريكي توم باراك ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر بعد سقوط نظام البعث في سورية تنفيذ هذه الرؤية بمساعدة مباشرة من فرنسا خاصة أنها على دراية كاملة بالجغرافيا السورية بصفتها دولة الانتداب وقد حاولت فرنسا تقسيم سورية إلى دويلات درزية علوية ودولة في حلب ودولة في دمشق غير أن الشعب السوري رفض التقسيم حين ذاك قبل مائة عام فاكتفت فرنسا باقتطاع دولة لبنان من سورية لإقامة دولة للمسيحيين ولاحقا أعطت لواء اسكندرونة لتركيا بعد أن رفض العلويون الانفصال عن الدولة السورية المركزية في دمشق.
ولا يمكن القول في الحالة السورية بأن التاريخ يكرر نفسه كما نقول دائما فالتاريخ السوري لا يكرر نفسه وما حصل خلال الأشهر الماضية منذ سقوط نظام البعث الذي حكم البلاد لفترة ٥٤ سنة من أحداث مروعة في الساحل في آذار الماضي وفي السويداء في تموز يقلق السوريين ويخيفهم ويدفعهم إلى أحضان الدول الغربية التي تزعم أنها تحمي الأقليات الدينية والأنكى من ذلك يدفعهم الخوف إلى الحضن الإسرائيلي حيث طلب الشيخ حكمت الهجري في السويداء حماية إسرائيل ورفض إجراء حوار مع حكومة دمشق وأعلن تشكيل الحرس الوطني في خطوة انفصالية غير مسبوقة تضاهي خطوات الأكراد في شرق الفرات..
وفي مقابل الدول الغربية فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي أعلنت دعمها لحكومة الشرع في دمشق فإن هذه الحكومات تستخدم منذ عدة أشهر مصطلحات الأغلبية السنية والأقليات الدرزية والعلوية والكردية والمسيحية والآشورية وذلك لتخويف هذه المكونات من بعضها فإذا بهذه الدول الاستعمارية تعلن أنها ستقوم بحماية هذه الأقليات مع العلم أنها هي نفسها تقدم كل أنواع الدعم لحكومة دمشق وفي نفس الوقت تدعم الحركات الانفصالية تماما كما حصل في يوغسلافيا السابقة عندما كانت تعلن حرصها على وحدتها ثم قامت بتمزيقها إلى ست دول
ورغم أن السوريين جميعا يدركون أن وراء الآكمة ما وراءها وأن الدول الغربية تسعى لتقسيم سورية تحت مسميات الفدرلة واللامركزية الإدارية مع العلم أن الأكراد قطعوا شوطا في الانفصال عن سورية عبر إعلانهم قطع العلاقات والحوار مع حكومة دمشق ورفض تنفيذ اتفاق العاشر من آذار الذي ترعاه كذبا وبهتانا الولايات المتحدة الأمريكية فيما أعلنت الحكومة أمام هذه التطورات الدراماتيكية تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في السويداء والحسكة والرقة في إشارة سلبية إلى عموم الشعب السوري في جميع مكوناته
ويبقى الرهان على روسيا بدرجة كبيرة وعلى تركيا بدرجة أقل لأن روسيا كشفت خلال الأزمة السورية الطويلة أنها ضد التقسيم فيما تقاتل تركيا بكل الوسائل من أجل منع قيام كيان كردي على حدودها باعتباره تهديدا للأمن القومي التركي كما قامت تركيا بدور كبير من أجل منع الخطوات الانفصالية في السويداء غير أن حكومة نتنياهو المتطرفة أعلنت عن رفضها لأي نفوذ تركي في منطقة الجنوب والوسط وتركت لتركيا هامشا للتحرك في مناطق حلب وإدلب وإلى تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لحكومة الشرع وذلك لأن المخطط الغربي لسورية أكبر وأخطر بكثير من المخطط التركي المحدود. فالغرب يريد تغيير المنطقة كلها وربما تهديد تركيا نفسها من خلال خطواته التقسيمية في سورية…
لكن لا يزال أمام السوريين فرصة كبيرة للحفاظ على وحدة البلاد ولا تزال روسيا التي نجحت في إقامة علاقات متوازنة وطبيعية مع حكومة الشرع لا تزال تضطلع بدور كبير في منطقة الساحل وفي المناطق الشرقية في القامشلي وفي منطقة فصل القوات في الجولان السوري من خلال تواجد دوريات روسية حتى الآن في المنطقة وهي أي روسيا تحاول استثمار علاقاتها القوية مع كل من إسرائيل وإدارة ترامب الجمهورية وعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا لمساعدة سورية على النهوض من جديد وربما لولا هذه العلاقة وهذا الدور الروسي لكانت سورية وصلت إلى مرحلة خطيرة من التفكك والتشظي غير أن الرهان كبير على روسيا لمنع انفصال الساحل مع العلم أن فرنسا والولايات المتحدة تحاولان إقناع روسيا بأن الحل بتطبيق اللامركزية والفدرلة باعتباره ربما الحل الأنسب للخروج غير أن روسيا على عكس الولايات المتحدة تريد حقا وحدة سورية وسيادتها وتؤمن بها تسعى بكل ما تستطيع لمنع تقسيم سورية بصفتها بلد الحضارة والتاريخ والنموذج الإنساني الأجمل للتعايش
ولا شك أن أحدا لا يستطيع فصل جزء من سورية عن جسدها إلا إذا كان الشعب السوري يريد ذلك ولا يزال أبناء الساحل رغم البيانات التي تصدر من فرنسا باسم الشيخ غزال غزال رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى وفيها يطلب الحماية الدولية رغم هذه البيانات فإن أبناء الساحل يرفضون الانفصال عن الوطن وينظرون إلى خطوات الانفصال التي يقوم بها الأكراد بدعم أمريكي.. والدروز بدعم إسرائيلي بأنها نوع من الخيانة الوطنية…
ويمكن القول إن المجتمع السوري المنقسم بين طلب الحماية الدولية من الدول التي تدفع إلى التقسيم كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وبين الذين يدعمون المحافظة على وحدة البلاد ويعتمدون في ذلك على دعم الدول العربية التي أعلنت بإجماعها دعمها لوحدة سورية وسيادتها ورفضها التدخل في شؤونها الداخلية وهذه الدول تعبر عن قلقها لحالة الانقسام بعد الهجمات التي تعرضت لها الأقليات في الساحل والسويداء بخاصة مصر والسعودية والأردن وبدرجة أقل الإمارات والعراق كما أن السوريين الذين يرفضون الفدرلة واللامركزية ويرفضون التقسيم والإدارة الذاتية فإنهم يراهنون على روسيا بالدرجة الأولى وعلى تركيا التي تربطها بحكومة الشرع علاقات سياسية واقتصادية وأمنية قوية
وطالما أننا نتحدث عن الدول المؤثرة على الساحة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد فإن إيران تجد نفسها اليوم غريبة عن الساحة السورية فهي ليست مع مجموعة الدول التي تدفع إلى التقسيم والتفكيك والتدخل في الشؤون السورية كما أن إيران بعد سقوط نظام بشار الأسد لا تجد نفسها ملتزمة مع روسيا وتركيا كما كانت في السابق من أجل دعم وحدة سورية وسيادتها وفق القرار ٢٢٥٤ ولهذا فإن موقف إيران من الوضع في سورية رهن التطورات وعلاقاتها مع الغرب وعلاقاتها مع حكومة الشرع …
ويبقى الرهان في بقاء سورية موحدة بعد ما حصل في الجنوب السوري وشرق البلاد في محافظات السويداء والحسكة والرقة وفي البادية حيث تنشط داعش يبقى الرهان على موقف أبناء الساحل الذين يستهينون حتى الآن كل دعوات الانفصال ويسعون لتحسين علاقتهم مع السلطة في دمشق رغم كل الإجراءات والقرارات التي تتخذها الحكومة وتدفعهم إلى الخوف مع أن القرار الشعبي العام هو مع إقامة حكم مركزي يعتمد المواطنة والقانون والعدالة ولا يهم بعد ذلك من يكون الحاكم في قصر الشعب ففي النهاية يدرك أبناء الساحل أن سورية كلها مستهدفة كما كانت قبل مائة عام وهم مع الأغلبية يشكلون نسيجا وطنيا راسخا في التاريخ والحضارة والعيش المشترك وربما يساعد الموقف الروسي والتركي السوريين على تجاوز هذا الامتحان الخطير وهذه التحديات الكبيرة فالمحافظة على وحدة البلاد في هذه المرحلة العصيبة مهمة كل مواطن سوري لتبقى اللاذقية وطرطوس ودمشق وحلب وحماة ودير الزور وإدلب والقنيطرة على موعد مع السويداء والحسكة والرقة في انتخابات مجلس الشعب المقررة في الخامس عشر من أيلول والتي سيعقبها زيارة للرئيس الشرع إلى نيويورك حيث يلقي كلمة سورية أمام الجمعية العامة وبعدها ربما يظهر جليا للسوريين خيط الاتحاد الأبيض من خيط الانفصال الأسود. وعندها سيعرف السوريون أيضا من كان صادقا في دعم وحدة سورية وحماية نسيجها الوطني ومن كان يعمل طوال الوقت لتفكيكها وتمزيقها…..
وفي الختام نحن السوريين ندرك أن بقاء الوحدة هي الضمانة للجميع وتفككنا يعني خراب البلاد وزيادة الأطماع بثرواتنا ومواردنا وخطر يهدد الدول العربية أيضا وقد قرر السوريون قبل مائة عام أنهم شعب واحد والانطباع العام رغم كل القلق والخوف أن تفشل مشاريع التقسيم وتبقى دمشق كما كانت عاصمة الأمة وقبلتها ورمز وحدتها وحضارتها…