
لم يعد التدخل العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية مجرد انتهاك عابر للسيادة، بل تحول إلى “حقيقة قائمة” و”فعلٍ طبيعي” في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط. هذا التحول من الفعل الاستثنائي إلى الممارسة الروتينية، الذي تم تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، هو الأكثر إثارة للقلق. لا تكمن المفارقة في حدوث الانتهاك نفسه، فالتاريخ البشري حافل بالعدوان، ولكن في استمراره لسنوات بطريقة منهجية مع صمتٍ دوليٍ أشبه بموافقة ضمنية. هذه الورقة تحلل ليس فقط الأسس الواهية لشرعية هذا التدخل، بل تتجه بشكل أعمق لتشريح آليات وتكوين “الثقب الأسود” الأخلاقي والقانوني في الضمير الجمعي للنظام العالمي، الذي يبتلع كل أصوات الاستنكار ويحولها إلى صمتٍ مطبق.
الإطار القانوني بين وضوح النص وعبثية التطبيق قبل تفكيك صمت العالم، يجب التأكيد على وضوح الحكم القانوني، فهو حجر الزاوية في إثبات فداحة السكوت.
انتهاك جوهري للسيادةيعد مبدأ سيادة الدولة من الركائز الأساسية التي بُني عليها نظام ويستفاليا ثم النظام الدولي الحديث. المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر “التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة”. الضربات الإسرائيلية، بغض النظر عن دوافعها، هي تجسيد عملي لهذا الانتهاك. إنها تحدث على أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة، دون طلب أو موافقة من حكومتها، مما يشكل سابقة خطيرة تهدد بمحو مفهوم الحدود الدولية في القرن الحادي والعشرين.
تحريف مفهوم الدفاع عن النفس: تتحرك إسرائيل ضمن فجوة خطيرة في تفسير المادة 51 من الميثاق، والتي تنص على حق “الدفاع عن النفس”. القانون الدولي العرفي، كما جرى تفسيره، يشترط للدفاع الشرعي عن النفس وجود هجوم مسلح فعلي وشيك لا لبس فيه . الضربات الإسرائيلية، التي تستهدف منشآت أو شحنات أسلحة أو عناصر توصف بأنها “تهديد مستقبلي”، تتجاوز هذا التفسير إلى منطقة “الدفاع الوقائي” المرفوض قانونياً. هذا التحويل يفتح الباب على مصراعيه لحروب لا تنتهي، حيث تصبح النوايا والمخاوف المستقبلية مبرراً كافياً لاختراق الحدود وإعلان الحرب.
الانعكاس على النظام الدولي: عندما تفلت دولة من العقاب لتبني سياستها الخارجية على تفسير منفرد وموسع للقانون، فإنها لا تنتهك القانون فحسب، بل تقوض النظام القانوني بأكمله. كل ضربة إسرائيلية غير مترتبة بعقاب دولي هي رسالة واضحة لكل دولة: يمكنك انتهاك القانون إذا امتلكت القوة والدعم السياسي. إنه انتصار لمبدأ “القوة هي التي تحقق الحق” على مبدأ “الحق هو الذي ينبغي أن يسود”.
تشريح الصمت الدولي جيوبوليتيكا اللامبالاة والمصلحة الصمت الدولي ليس كتلة واحدة متجانسة، بل هو نسيج معقد من المواقف المتضاربة، كل منها له أسبابه الأنانية التي تتجاوز في مجملها احترام القانون.
الواقعية القاسية التقسيم غير الرسمي للأدوار (الدور الأمريكي والغربي) تنظر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بغض النظر عن انتمائها الحزبي، إلى إسرائيل كحليف استراتيجي وحجر زاوية في سياساتها بالشرق الأوسط.
· في سياق الصراع السوري، يتم تحليل الضربات الإسرائيلية من خلال عدسة “احتلال النفوذ الإيراني”. إنها تُرى كأداة “فعالة من حيث التكلفة” لضرب قدرات إيران وحزب الله دون خوض حرب مكلفة ومباشرة من قبل القوات الأمريكية. هناك “تقسيم غير مكتوب للمهام”: إسرائيل تتولى الملف العسكري لمواجهة إيران، بينما تفرض الولايات المتحدة والعقوبات وتقود الدبلوماسية. هذا الصمت، بل والتغطية الدبلوماسية في المحافل الدولية، هو ثمن مدفوع مقدماً لتحقيق هدف استراتيجي أكبر هو إضعاف طهران.
· ينطبق هذا الموقف، بدرجات متفاوتة، على العديد من الحكومات الأوروبية التي تضع العلاقة مع واشنطن وأمن إسرائيل في سلم أولوياتها فوق احترام سيادة نظام الأسد، الذي يعتبرونه معادياً على أي حال.
مأزق الأمم المتحدة مجلس الأمن كمسرح للجمود
يمثل مجلس الأمن الآلية القانونية الوحيدة القادرة على فرض عقوبات أو إصدار إدانات قوية. لكن هذه الآلية مشلولة بالكامل تستخدم الولايات المتحدة، بشكل منهجي، حق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل من أي قرار إدانة. هذا الفيتو ليس مجرد تصويت، بل هو رسالة بقوة القانون تمنح إسرائيل ضماناً مسبقاً بالإفلات من العقاب.الانقسام العربي أولويات متضاربة وغياب الإرادة الجماعية:
· الموقف العربي ليس موحداً ولا ثابتاً. بينما تندد سوريا وحلفاؤها بالعدوان، فإن العديد من الحكومات العربية الخليجية تحديداً تنظر بقلق حقيقي من التمدد الإيراني عبر “الهلال الشيعي”.
· من هذا المنظور، تُرى الضربات الإسرائيلية، وإن كانت غير قانونية، كأقل الشرور. إنها أداة، وإن كانت لاذعة، لضرب خصم مشترك. هذا الموقف يقتل أي أمل في تشكيل جبهة عربية موحدة وضاغطة قانونياً وسياسياً لوقف هذه الانتهاكات.
السيادة السورية، في هذه المعادلة، أصبحت ضحية للصراع الإقليمي على النفوذ.
إرهاق الأزمة السورية والتطبيع مع الفوضي
· عانى العالم من “إرهاق التعاطف” مع المأساة السورية. بعد مئات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وبروز داعش، أصبحت الضربات الجوية، حتى تلك المنتهكة للسيادة، تبدو وكأنها “ضجيج جانبي” في سمفونية الموت السورية.
· ساهمت هذه الحالة في “تطبيع” التدخل الإسرائيلي. فما كان يثير أزمة دبلوماسية قبل عشر سنوات، أصبح الآن خبراً عادياً في نشرات الأخبار، يمر دون أن يثير نفس القدر من الغضب أو الاستنكار الشعبي أو الرسمي. إنها عملية تخدير تدريجية للضمير الدولي.
السيادة المنقوصة ضعف الدولة السورية كعامل مُشَجِّع:
· حالة الضعف والتبعية التي تعيشها الحكومة السورية لموسكو وطهران أفقدتها هيبتها كدولة قادرة على الدفاع عن سيادتها. عندما تكون الدولة نفسها عاجزة عن ردع العدوان أو مقاضاة المعتدي بشكل فعال، فإن ذلك يرسل إشارة للمجتمع الدولي بأن تكلفة انتهاك سيادتها منخفضة. السيادة ليست حقاً مجرداً، بل هي مرتبطة بالقدرة على فرضها. انهيار هذه القدرة في سوريا شجع على انتهاكها بشكل منهجي.
عواقب هذا الصمت ليست محدودة بالصراع السوري-الإسرائيلي، بل تمتد لتشكل معالم نظام دولي جديد أكثر فوضوية وخطورة.
تفكيك مفهوم السيادة: يتم تسويق فكرة أن السيادة مرنة وقابلة للتفويض. القوي يقرر متى يحترم سيادة الضعيف ومتى يتجاهلها. هذا يخلق سابقة للتدخلات المستقبلية في أي مكان آخر، حيث قد تستخدم روسيا أو الصين أو الهند نفس المبررات “الوقائية” أو “الأمنية” لاختراق جيرانها.
أزمة شرعية المؤسسات الدولية عندما تفشل الأمم المتحدة، بفعل الفيتو والانقسامات، في تطبيق ميثاقها، فإنها تفقد شرعيتها كحَكَم دولي. يدفع هذا الدول إلى تبني سياسات “الاكتفاء الذاتي” الأمني، واللجوء إلى تحالفات غير مستقرة بدلاً من الثقة في القانون والمؤسسات الدولية، مما يعيد العالم إلى حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى.استمرار وتصاعد دوامة العنف يخلق هذا الوضع بيئة غير مستقرة. فبدلاً أن تكون سوريا منصة لاستقرار محتمل، تتحول إلى برميل بارود. أي خطأ في حساب قد يؤدي إلى ضربة “ذكية” تثير رداً غير متوقع من إيران أو حزب الله، مما قد يشتعل حرباً إقليمية شاملة لا يمكن احتواء آثارها.
· تكريس معاناة الإنسان السوري: يبقى الإنسان السوري هو الحلقة الأضعف. هذه الضربات تساهم في تعقيد المشهد وتأجيج الصراع، مما يطيل أمد الحرب ويمنع أي أمل حقيقي في إعادة الإعمار والاستقرار. وطنه لم يعد ملكاً له، بل أصبح ساحة اختبار للاستراتيجيات والأسلحة.
الصمت الدولي على التدخل الإسرائيلي في سوريا هو أكثر من مجرد غياب للصوت؛ إنه فعل سياسي بحد ذاته. إنه صمت “مشحون” بالمصالح، و”مُعد” مسبقاً بالحسابات، و”مُراقب” عن كثب من قبل جميع الأطراف. هذا السكوت ليس دليلاً على ضعف النظام الدولي فحسب، بل هو دليل على تحوله إلى نظام هرمي تسيطر عليه القوى العظمى، حيث يتم تطبيق القانون بشكل انتقائي لخدمة مصالحها.
الخطر الحقيقي لم يعد في الانتهاك الإسرائيلي نفسه، بل في أن يصبح هذا النموذج “المقبول ضمنياً” هو القاعدة وليس الاستثناء. العالم الذي يقف مكتوف الأيدي بينما تُداس سيادة دولة، حتى لو كانت ضعيفة ومنقسمة، هو عالم يُجهز ساحة لصراعات أكثر دموية في المستقبل. إنه يرسل رسالة مفادها أن الحق هو قوة الأقوى، وأن القانون مجرد أداة طيعة في يد من يملكون القوة والنفوذ. في هذا المشهد القاتم، يبدو أن صوت الانفجارات في سماء دمشق ليس فقط مدوياً أكثر من صوت القانون، بل إنه يعلن، وبكل أسف، عن موت الضمير الدولي.

